حراك الشعوب

أحداث القدس لماذا؟ ومن المستفيد؟

تعتبر القضية الفلسطينية والقدس على وجه التحديد الهاجس المتجدد دائمًا في وجدان العرب على مختلف مشاربهم فمسرى النبي -صلوات الله عليه وسلامه- ومهد السيد المسيح -عليه السلام- يستحق من الجميع العمل والمثابرة وبكل الطرق لتحريره من براثن الاحتلال الصهاينة، وعلى هذا الأساس تتمحور جل الأحداث في منطقة الشرق الأوسط حول هذه القضية التي تغفوا تارة بعيد الاتفاقيات المرحلية التي يتفق عليها المتصارعون هناك وتصحوا تارة أخرى عندما يقوم المحتل الصهيوني في أي عملية استفزاز يمكن أن يحقق منها هدف معين وعلى الأغلب يكون الهدف قضم جزء من الأرض أو تقليم أظافر بعض المنظمات الفلسطينية إلا أن الأحداث التي تجري الآن لم تكون لهذين الهدفين بالمطلق فلم يعد هناك فصائل يمكن أن تغرد خارج السرب وأصبحت جميعها متحكم بها من قبل جهات دولية وإقليمية وعربية ولم يعد هناك أراضي يمكن أن تَقْضِم في هذه المرحلة خاصة وأن الظروف التي تمر بها المنطقة لا يمكن أن تساعد الكيان الصهيوني على قضم شبر واحد من الأراضي الفلسطينية نتيجة تفاهمات متفق عليها بين جميع الأطراف وداعميهم، ولعل هذا ما يثير الكثير من الأسئلة والاستفسارات لدى المتابعين للأحداث الجارية في المنطقة ولدى العامة الذين فوجئوا بتصاعد تلك الأحداث بشكل متصاعد فالأمر يحتاج إلى قليلًا من التدقيق والبحث في السبب الحقيقي لاندلاع تلك الأحداث ولهذا لا بد لنا من إلقاء نظرة شاملة على الوضع الذي يحيط بكل طرف من أطراف الصراع وداعميهم لنستنتج ما وراء الأكمة فإذا بدأنا في دراسة الظروف المحيطة بالطرف الصهيوني المتمثل في حكومة نتنياهو سنجد أنهم في أزمة حقيقية خاصة رئيس تلك الحكومة نتنياهو الذي فشل في إعادة تشكيل حكومته بعد فوز حزبه الليكود في الانتخابات البرلمانية الغير حاسمة في شهر آذار المنصرم وهذا يمكن أن يفتح الباب أمام منافسيه الباحثين عن إزاحته عن السلطة وهذا ما يتوجس منه “نتنياهو” خاصة أنه يُحاكم بتهم فساد يمكن أن تؤدي به إلى السجن كسلفه “إيهود أولمرت”، وعلى الرغم من ذلك هناك العديد من الأوراق التي يمكن أن يلعب بها نتنياهو لضمان بقائه في السلطة ومنها تمرير مشروع انتخاب رئيس الوزراء بشكل مباشر وهذا لم يستطيع تحقيقه حتى الآن نظرًا لعدد الأصوات اللازمة لتمرير هذا التشريع لكنه ما زال يحاول دون يأس، ولا شك أن نتنياهو يمتلك من الحنكة والخداع السياسي الذي يمكن أن يخرجه من تلك الأزمة خاصة يتمتع بعلاقات وثيقة مع أطراف كثيرة في المنطقة، ونظراً للكثير من الخدمات التي قدمها لهؤلاء خاصة ما يسمى محور المقاومة والممانعة الذين يمكن أن يقدموا له يد المساعدة في مخططه اذا أراد تنفيذه، وعلى الأرجح أن هذا ما حدث فعلًا فتم التخطيط لافتعال أزمة أمنية تُشعل حربًا محدودة مع الفلسطينيين يستطيع من خلالها نتنياهو الاستمرار في الحكم كسبًا للوقت بانتظار إيجاد طريقة للتغلب على الصعوبات التي اعترضته في تشكيل الحكومة، ولهذا أُعطي إيعاز لإحدى الجهات الرسمية في القدس لتحريك قضية إخلاء منازل حي الشيخ جراح في القدس التي ما زالت مستمرة منذ عام 1967 مما دفع المقدسيين لمقاومة عمليات الإخلاء تلك وكما هو معروف تطور الأمر إلى أن تحركت حركة حماس في قطاع غزه وبدأت في إمطار المدن والمستوطنات الصهيونية بالصواريخ الأمر الذي أدى إلى معركة جُل أسلحتها من الصواريخ والطائرات المسيرة، فمن حرك حماس وطلب منها فتح تلك المعركة؟ وما مصلحة حماس من تلك المعركة؟ فمن له مصلحة في توريط حماس في معركة غير متكافئة حصدت العشرات من الشهداء وتدميرًا للبنى التحتية والأحياء السكنية الفلسطينية في القطاع وتشريد أكثر من مئة ألف مواطن فلسطيني هي ايران التي تسيطر على قرار حماس وهذا ليس خافيًا على من لديه بصر وبصيرة وهي المستفيد الأكبر من تلك المعركة المحدودة بالمكان والزمان والنتائج والتي ستستخدمها إيران ورقة ضغط على الولايات المتحدة الأمريكية في مباحثات الملف النووي الإيراني وبهذا تكون إيران قد دعمت موقفها التفاوضي وبنفس الوقت تم إعادة محور المقاومة والممانعة إلى الواجهة الذي طالما رفع شعار تحرير القدس كأفضلية أولى في حروبه على شعوب المنطقة العربية في العراق وسورية ولبنان واليمن هذا الشعار الذي أصبح موضع سخرية من العالم بعد افتضاح دور إيران في المنطقة وتقتيلها الشعوب العربية وتهجيرها والعمل على إحداث تغيير ديمغرافي لصالح مشروعها الفارسي ناهيك عن وقوف إسرائيل مع بشار الأسد ومنع سقوطه مكافئة على الدور الذي لعبه في تفتيت سورية وتهجير شعبها وحمايته لكيانها منذ حكم أبيه حافظ الأسد الذي كان الحارس الأمين لإسرائيل على جبهتها الشرقية، وبهذه المعركة المفتعلة في فلسطين استفاد بشار الأسد من توجه أنظار العالم إلى فلسطين مما خفف الضغط الإعلامي عليه وعلى نظامه قبيل إجراء الانتخابات الرئاسية الصورية والتي لم يوافق عليها غالبية الشعب السوري ووجد الأسد نافذة أخرى ليقول للسوريين والعالم إنني باقي في السلطة وبحماية إسرائيل وايران وروسيا وهؤلاء فعلوا الكثير من أجل بقائي في السلطة وها هم يفتعلون معركة تصب في مصلحة تسهيل إجراء الانتخابات وما سيتبعها من إجراءات حتى لو رفضها كل الشعب السورين.

إذن هناك أطراف اتفقت على الاستفادة من تلك المعركة هي إسرائيل وحماس وإيران وبشار الأسد كل بما يتناسب مع مصالحه وأعتقد أن هؤلاء ليسوا هم المستفيد الرئيسي من تلك المعركة وبالتأكيد هناك أطراف أخرى متفقة مع هؤلاء في افتعال تلك المعركة ومنهم محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية الذي يتخوف من استحقاق الانتخابات العامة ولهذا قام بتأجيلها دون سبب واضح مُبررًا ذلك بعدم موافقة سلطات الاحتلال على إجراء الانتخابات في القدس، ويمكننا القول أن سبب خوفه خسارة تلك الانتخابات افتعل معركة القدس التي ستعطيه فرصة أكبر في ترتيب أوراقه خاصة إذا نتج عن تلك المعركة تحجيم كبير لحركة حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة والضفة الغربية، وبهذا يكون الجميع متفق على تنفيذ حوادث القدس وما تبعها من تصعيد قامت به حركة حماس كل لمصالحه الخاصة غير مكترثين بدماء الشعب الفلسطيني ومعاناته من تدمير لمنازله وتهجير من أرضه فالشعب الفلسطيني يبدوا كما شقيقه السوري ضحية سياسة عصابات اغتصبت الحكم بالقوة وتعمل جاهدة للبقاء فيها بالحديد والنار والتشابه واضح بين حكام الشعبين على الرغم من انقسام الحكام إلى فريقين لكنهما متفقين على الهدف النهائي فالسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس يقابلها سلطة بشار الأسد في سورية وحركة حماس والجهاد الإسلامي يقابلهما المعارضة السورية المسيطر عليها من جماعة الإخوان المسلمين والجميع مرتبط بأجندة ثبت أنها لا تصب في مصالح الشعبين الشقيقين بل جُل هذه الأجندة تخدم مشروع تلك الأحزاب والتنظيمات الإرهابية اليسارية واليمينية على حد سواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى