عصير ثقافي

أمي وسيف الحجاج !

عندما كنتُ طالباً في كلية الإعلام عملتُ كموظف استعلامات في إحدى الفنادق وكون هانوفر مدينة معارض دولية، تعرّفتُ على الكثير من البشر من جنسيات وثقافات مختلفة من كل دول العالم. 

يرنّ هاتف الاستعلامات والرقم المتصل هو من العراق، تكلّم معي الإنكليزية وفرح سعيد عندما تكلمتُ بالعربية، لأنّه لا يجيد التحدث بالإنكليزية بطلاقة. 

حجز سعيد غرفة فيها سريران مع برندة كونه مدخّن، وبعد ثلاثة أسابيع وصل سعيد مع أخيه عثمان إلى الفندق وكنتُ في استقباله وجلب لي الشاي العراقي الغريب، فمازحته:

ظننتكَ تجلب لي معك بلقيس؟
لم يبق في العراق بلقيس، ولا نريد أن نخسر بلقيستنا الأخيرة في انفجار آخر، يكفينا حزن نزار..

في المساء اتصل بي سعيد ودعاني للعشاء في غرفته مع أخيه عثمان، فتناولنا العشاء وروى لي أحزان وفواجع العراق وخلاف السنة والشيعة وخلاف المركز مع الإقليم.

“الله أكبر الله أكبر” يرنّ هاتف عثمان ويستأذن منّا وعرف أنّي لا أصلّي، فأجابه أخوه سعيد :”سأذهب للوضوء وأصلّي بعدك؟” 

استغربتُ وقلتُ لعثمان: “انتظر سعيد وأقيموها جماعةً!”

ضحك سعيد وقال: “أنا شيعي وعثمان سنّي…”

صمتتُ ولم أتفوّه بكلمة وبعد الانتهاء من صلاتهما، حكى لي عثمان قصة اختلاف مذاهبهم الدينية رغم أنّهم أخوة :

“أمي كردية من كركوك وتزوجتْ شيعياً، وأنجبتْ أخي سعيد ومات زوجها، فتزوّجتْ سنياً من بغداد وأنجبتني.”

ضحك سعيد :”هذا هو العراق يا نجيب، فرّقنا سيف الحجّاج وجمعتنا أمي”

هل مازالت والدتكَ على قيد الحياة ؟

لم يجبني سعيد وأشعل عثمان سيجارته ووقف عند النافذة: “أمي ماتت تحت التعذيب في سجون صدّام..”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى