تلك الأيام

إعادة نظر

عدتُ إلى البيت من المدرسة من بعد ظهر يوم السبت التاسع عشر من نوفمبر 1977، وكنتُ في الصف الأول الابتدائي، وقد راعني ما وقعت عليه عيناي: أمي وأختي الكبيرة جالستان أمام التلفزيون تبكيان. كانت الدموع تنهمر منهما وسط نشيج حزين. لم أفهم ما يجري سوى أن مصيبةً قد حلت بنا. وعندما استفسرت أخبرتاني وسط البكاء أن رئيس مصر أنور السادات قد سافر إلى القدس ليتصالح مع “اليهود”. كانت عبارات “خائن” و”خيانة” و”عميل” و”استسلام” تنهمر من فم مذيع في التلفزيون الليبي كان صوته هو أيضا غارق في البكاء والنشيج مع مزيج من الغضب والتحريض. كانت لحظة غريبة لطفل في عمري، فالحدث عام وبعيد، لكن من حولي يبكونه كما لو أنه كان حدثا شخصيا قريبا كموت عزيز.

أذكر أيضا بنفس الوضوح الشماتة والفرح والأهازيج التي انطلقت من ذات الجهاز ساعة اغتيال أنور السادات بعد ذلك بأربع سنين في السادس من أكتوبر 1981. فقد فرح العرب عموما بمقتل السادات وظنوا أنها ثورة على من شق الصف وعقد صلحا “منفردا” مع “الكيان الصهيوني”. أذكر الأكاذيب التي استمرت لبضعة أيام بعد ذلك تدعي استمرار هذه “الثورة” فيما بدأت حقيقة ما حدث تتجلى بعدما استوعب النظام المصري ضربة فقده لرئيسه والتف حول رجل قوي جديد من ذات النظام.

في السنين التي تلت لم أولِ السادات أهمية كبيرة لكني شيئا فشيئا أعدتُ قراءته قراءة جديدة مغايرة تماما لأعده الآن من أرشد الزعماء السياسيين العرب في القرن العشرين لا يسبقه في ذلك سوى، ربما، الحبيب بورقيبة مؤسس تونس الحديثة.

لم يتوقع أحد من السادات الكثير. كان قدره أن يكون رجل الظل في ظل حضور الرئيس جمال عبد الناصر الطاغي. لم يتول في السنوات التي تلت انقلاب 23 يوليو 1952 مراكز حساسة. فقد رئس تحرير صحيفة الجمهورية لفترة ثم تولى رئاسة مجلس الأمة، وعندما احتاج عبد الناصر نائبا يأمن طموحه وقدراته، اختار السادات.

لم يكن عبد الناصر يعوّل على الموت باكرا، وعندما مات، لم تر الحلقة القوية المحيطة بالرئيس المتوفى خطرا في تولي الظل رئاسة النظام. وهنا بدأت المفاجآت. إذ سرعان ما استطاع الرجل “الضعيف” أن يتخلص من كل الأقوياء في معسكر اليسار الحاكم. وقد فعل ذلك ولو جزئيا بإطلاق يد اليمين الاسلاموي في البلاد. كانت حركة ذكية، لكن كما نعرف مما حصل، حتى الأذكياء يقعون في الأخطاء. أو لعلهم يُجبرون على ذلك. وهو خطأ استمرأه السادات ولم يعدل عنه وسيكلفه ذلك لاحقا حياته.

لكن أهم انجاز للسادات كان في صلحه مع إسرائيل، وفي الطريقة التي أجرى بها ذلك الصلح. فبعدما ثبّت السادات السلطة في نظامه، وعزز من وحدة نظامه الداخلية، التفت نحو الجبهة الخارجية والوضع المختل الناجم عن احتلال إسرائيل لشبه جزيرة سيناء وإغلاق قناة السويس. أدرك السادات من تجربة حرب يونيو الخاسرة أنه لا يمكن أن يعتمد كثيرا على السوفييت وأنه لا قِبَل له بهزيمة إسرائيل هزيمة ماحقة في ظل الدعم الغربي غير المحدود لها. وعرف أن الحل النهائي هو حل تفاوضي، لكنه قبل أن يدخل في ذلك يجب أن يعيد إسرائيل إلى حجمها الطبيعي أمام داعميها الذين سيتفاوض أساسا معهم. وهكذا خطط السادات بالتعاون مع دول المواجهة ومع دول النفط لحرب سريعة يتلوها تفاوض مفيد.

وقد نفّذ السادات ذلك في حرب أكتوبر 1973 بمهارة عالية وخرج والعرب بموقف تفاوضي أفضل بكثير مما كانوا عليه قبل أن يدخلوا الحرب. كان رجلا واقعيا يعرف حدوده وقد فاوض على السلام في ثاني أفضل لحظة ممكنة بعد لحظة قرار التقسيم عام 1947. أما بقية العرب، فكانوا، كأمي وأختي، أخذتهم العزة والعواطف البلهاء. تخيلوا معي الآن لو أنهم ذهبوا جميعا عقب الحرب وتفاوضوا على حل نهائي في تلك اللحظة الثمينة عندما كان النفط العربي يمسك بعنق الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى