عصير ثقافي

الأصابع الخشبية

منذ عقدٍ ونصف تقريبا، وفي شارع بغداد في دمشق وتحديدا في حي القزازين، افتتح استاذ الموسيقى والمايسترو ياسر القصار معهدا متواضعا في بيته، ليعطي فيه الدروس لمن يرغب بتعلم العزف، كل الآلات تقريبا كانت متاحة، الوترية منها غربيها وشرقيها، أدوات الايقاع، البيانو والأورغ والبيانولا.

وكأي شاب من أبناء جيلي، كنت أحب الموسيقى والطرب وأطمح الى تعلم العزف على آلة موسيقية. اتصلت ورتبت موعدا مع الأستاذ، تحمس للقائي بحكم وجود قرابة بعيدة تجمعنا وتحدثنا كثيرا في السياسة والأدب والفلسفة، أحبني وأحببته، مما جعله يحسب لي الدرس الواحد ب 100 ليرة فقط عوضا عن 350 ليرة. كان ذلك لطفا غامراً من الاستاذ، خلق لدي دافعا ورغبةً إضافية في التعلم.

اخترت العود، وبعد ثلاثة دروس نظرية، بدأت بالتعلم، درس، اثنان، ثلاثة، ستة، في كل درسٍ كنت أفسد للأستاذ عوداً، إذ وبغير قصد، تتقطع الأوتار بين أصابعي أثناء العزف، مما دفعه إلى تحويلي الى الجيتار، التشنج مستمر، لكنه معلم حليم. كمنجة، التشنج مستمر، كونترباس، لا فائدة، يبدو أنه لاحظ لي مع الوتريات. بيانو ؟ عبث!، دربكة، حقيقةً اتقنت ال (دوم) وأعييتني ال(تك) سعياً ولم أنلها. ثلاثة شهور مررن دون أن أتعلم شيئاً يذكر.

ذات يوم، توجهت في موعد الدرس المعتاد الى بيت الاستاذ لتفتح لي الباب زوجته، فلما هممت بالدخول اوقفتني معتذرة وقالت:
– معلش الاستاذ تعبان اليوم وبيعتذر منك.
– حسنا نهاركم سعيد

مشيت خطوتين وإذ بصوت البيانو يلعلع من بيت الاستاذ، فعدت وطرقت الباب، ولم يفتح لي أحد، وطرقت وطرقت وطرقت بإلحاح ودون توقف، وأخيراً أطل الأستاذ من الشباك، فخاطبته غاضباً:

– مرحبا أستاذ أظن مو من الزوء أوصل لباب بيتك وتبعت مرتك تقلي أنك تعبان والدرس شغال عندك فوق، أنا صاحب موهبة وعم نميها عندك ما عم اشحد منك لتعاملني بهالطريقة.

– لك حلللللللل عني يخرب بيتك، بطلت ما بدي علم موسيقى، إنتا خرجك خرج آلات وعزف؟ لك انتا اصابعك خشب بتعرف شو يعني خشب! روح لعاب ملاكمة، كسر حجار بالمقلع، يالله فرقنا !

جرحني كلام الاستاذ أسلوباً وفحوى، وتحطمت آمالي المعقودات عليه ليجعل مني عازفاً ماهراً، أحزنني ذلك لفترة من الزمن وتجاوزت الأمر بعدها ببرغماتيةٍ وتسليمٍ للأمر الواقع.

يوما ما، أوهمتني إحداهن بالحب، وصدقتها، وفي ذيل لقاء حميمي أمسكت كفي وقبلته وقالت :”أصابع يدك جميلةٌ كأصابع عازف جيتار.”

في لحظتها عاد كلام الاستاذ حول أصابعي مدوياً في أذني، فكان فشلي في تعلم العزف، والنعت القاسي الذي نعت به الاستاذ أصابعي، كإشارة أو منقذ لي من حيث لا أدري، من شباك حبيبة كاذبة، وهذا ما تأكد فعلا في وقتٍ لاحق! أنظر الآن الى كفي وأصابعي الخشبية كنعمة من الأقدار لا نقمةً حرمتني العزف والدندنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى