إشكالات مجتمعية

الاغتصاب الزوجي

“أستاذة إيناس، أنا سيدة سورية متزوجة ولدي طفلة عمرها 9 سنوات، وأسكن في إحدى دول الخليج. زواجي في البدايات كان تقليدياً وهادئاً إلى حد ما، والمشاكل الي أواجهها في بيتي مشاكل عادية كتلك التي يواجهها أي زوجين.”

س.ع

منذ ثلاث سنوات، عانى سوق العمل بالخليج من ركود كبير دفع بالكثير من الشركات لأن تتخلى عن موظفيها بمن فيهن زوجي، ومررنا بحالة مادية سيئة للغاية، وقد كنت بجانبه سنداً وعوناً وصِرنا “نطقطق”، أساعدهُ قليلاً بحكم معرفتي بالعمل في الشعر والصبغات، أو بطبخ الأكل السوري وبيعه للعازبين في مدينتنا، أو شراء ثياب من سوريا ثم بيعها للسيدات هنا. كنت قادرة على تغطية أجرة البيت والمصاريف بمفردي، لأن زوجي أصر ألا يعمل الا بشهادته وبمركز وظيفي إداري وهو ما أصبح مستحيلاً، ومع ذلك صبرت.

قبل سنة، بدأ زوجي بتعاطي الحشيش، حاولت منعه ولم أتمكن، تشاجرت معه دون نتيجة، أخبرتُ عائلته في سوريا، فزاد ذلك الطين بلة ذلك. وبدأ الحال يسوء. أصبح مهملاً لنظافته الشخصية، لا يستحم ولا يغتسل ولا يغير ملابسه إلا نادراً.

بصراحة، لم أعد أتقبلهُ جنسياً، وبينتُ الأمر له صراحةً وقلت له: “لم أعد أتقبلك، لقد نفرتُ منكَ عاطفياً بسبب كسلك وتهربك من المسؤولية، وجسدياً بسبب إهمالك للنظافة.”

وبالرغم من توضيحاتي، بدأ بإكراهي وإجباري على النوم معه. أبكي، أصرخ، أحاول منعه ودفعه دون نتيجة، وهذا الأمر يتكرر كل يومين أو ثلاثة. أقضي الليل بطوله باكية، محتقرةً نفسي، مشمئزةً منها، هل من المعقول أن أُجبر أنا على ممارسة الجنس؟

حاولتُ أن ألجأ لأهلي فوبخوني ولاموني لاقتناعهم بأن ذلك هو حقهُ الشرعي. أرجوكِ، أريد حلاً يوقف هذه المأساة المتكررة التي أعيشها. هل من المعقول أن أهلي على صواب وأنا المخطئة؟

+++

ثقافة الصمت، والتي تربت عليها نسبة كبيرة جداً من النساء في مجتمعاتنا العربية، حالت ولسنين طويلة دون معرفة ما يجري حقيقةً معهن من قصص كثيرة فيما يخص الاعتداء والتحرش الجنسي والعنف الأسري وغيرها من الممارسات التي تتعرض لها ضمن مجتمع يحاصرها بكلمات الشرف والعيب والحرام.

إحدى هذه الممارسات وليس آخرها لهو الاغتصاب الزوجي والذي بقي لفترة طويلة طي الكتمان على اعتبار أن الحياة الجنسية بين الزوجين يجب أن تبقى سرية ولا تناقش تفاصيلها حتى لو كان هناك مشاكل أو خلافات بينهما فعلى الزوجة أن تتحمل وتصبر خوفاً من الفضيحة، وبمجرد أن يرتبط الزوجان بما يدعى عقد النكاح، تصبح المرأة ملكاً للرجل ولرغباته الجنسية قبلت بذلك أم لم تقبل، ويصبح أحد أهم واجباتها هو إرضاء رغبات الزوج دون نقاش وذلك بما يفرضه عليها الدين والشريعة والقانون وغير ذلك سيتم تصنيفها بأنها امرأة عاصية لا تطيع زوجها وهو ما يخالف التقاليد والموروث والدين.

ومع تزايد الاهتمام الدولي بقضايا العنف ضد المرأة تم تسليط الضوء على الاغتصاب الزوجي وهو القيام بالجماع الجنسي دون موافقة أحد الزوجين وإن عدم الموافقة كاف لاعتباره اغتصاباً حتى لو لم يتم استخدام العنف، وتم إدراجه كانتهاك للمرأة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ضمن بند “العنف ضد المرأة” وتحاول الأمم المتحدة منذ العام 1993 إصدار قوانين لتجريمه والحد منه، كما تعتبر في أحد تقاريرها أن نسبة 35 بالمئة من النساء في الدول العربية يتعرضن لاعتداء جنسي أو جسدي من الشريك في الوقت الذي تستمر فيه المجتمعات بعدم تجريم الاغتصاب الزوجي وتجاهل القانون لها بسبب المرجعيات والنصوص الدينية التي تتبع لها قوانين الأحوال الشخصية في المجتمعات العربية. كما وصف تقرير آخر للأمم المتحدة المنزل بأنه من أخطر الأماكن على حياة المرأة، وذلك مع وجود 50 دولة تجرم الاغتصاب الزوجي حول العالم، ليس من بينها أية دولة عربية.

الأضرار الناجمة عن الاغتصاب الزوجي:
من الأضرار النفسية التي تصيب الزوجة نتيجة إجبارها على العلاقة، الشعور بالانكسار والذل، عدم الرضا عن النفس، الشعور بالكراهية والاشمئزاز إضافة إلى فقدان الثقة والأمان وهي أضرار لا تختلف عن الأضرار التي تصيب المرأة التي تعرضت لاغتصاب من رجل غير زوجها وتؤدي هذه الأضرار إلى تدهور في مواطن اللذة عند المرأة وتصبح في كمون تام لا يحدث عندها أي إثارة.

أما الأضرار الصحية فتشمل: اضطرابات في الأكل والنوم، تهتك الأعضاء التناسلية والرحم، النزيف، الولادة قبل إتمام فترة الحمل إذا كانت حاملاً والإجهاض التلقائي، والملفت للنظر أنه في حال لجوء الزوجة إلى أحد المستشفيات أو المراكز الطبية يتم تقديم الخدمة الطبية اللازمة لها، لكن لا يمكن اتخاذ أي إجراء آخر ضد الزوج أو إثبات هذا السبب في تقرير طبي طالما الحالة حالة سيدة متزوجة، حيث أن التقرير الموثق من المستشفيات لإثبات الاعتداء الجنسي يصدر فقط في حالة اغتصاب الأنثى من غير زوجها.

الأسباب النفسية والدوافع لدى الرجل:
يعاني الرجل الذي يقدم على اغتصاب زوجته من اضطرابات نفسية متعلقة بمشاكل في طفولته، أو خلل في علاقته مع أمه نتج عنها حاجته إلى السيطرة والانتقام وإثبات الذات، أو الشعور باللذة عند مشاهدة الزوجة تتألم.

أكثر النساء عرضة للاغتصاب الزوجي:
تزداد عادةً حالات الاغتصاب الزوجي في الريف والمناطق البعيدة عن المدن والمناطق الفقيرة ويعزى ذلك إلى الفقر والدخل المحدود وعدم وجود توعية بين النساء فيما يخص العلاقات الزوجية.

كما تزداد أيضاً بين النساء العاملات حيث يثير عمل المرأة في كثير من الأحيان غيرة الرجل ويشعره بأنه يفقد هيمنته وسيطرته على زوجته مما ينعكس على العلاقة الجنسية، أيضاً شعوره بأن العمل يمنع المرأة من القيام بواجباتها الزوجية تجاهه مما يحفزه على أخذها بالقوة والعنف.

يلعب أيضاً سن المرأة دوراً هاماً، إذ تتعرض النساء بين عمر الثلاثينات والأربعينات للاغتصاب الزوجي بنسبة أكبر من النساء في عمر العشرينات وذلك بحسب تقارير الأمم المتحدة.

والجدير بالذكر أن الأمر في هذه الحالة لا يقتصر الاغتصاب على ممارسة العلاقة الحميمة بالقوة فقط، وإنما تتعرض المرأة للترهيب والابتزاز العاطفي والإذلال في حال عبرت عن رفضها أو عدم استعدادها للعلاقة الحميمة مما يحمل الزوج في معظم الحالات على تهديدها بأنه سيقيم علاقات مع نساء أخريات وبأنها غير كافية له أو باردة جنسياً، إضافة للتهديد والوعيد بالطلاق والانفصال وإبعادها عن أطفالها مما يجعلها ترضخ لرغباته الجنسية وهذا أيضا يعتبر اغتصاباً لأنها علاقة تحت التهديد، لكن للأسف لا يعتبره القانون والدين ذلك لأنها زوجته!

في ظل هذه التحديات التي تواجهها المرأة من المجتمع والقانون والدين والعائلة، يتبادر إلى أذهاننا سؤال: كيف من الممكن القضاء على الاغتصاب الزوجي؟؟

من أهم العوامل التي تساعد المرأة هو التوعية الجنسية وتعريف المرأة إلى حقوقها في العلاقة الزوجية، وتشجيعها على فتح المواضيع الجنسية علناً ومناقشتها دون الشعور بالخوف والخزي، والخروج من دائرة الشعور بالذنب إذا تحدثت المرأة عن زوجها وخاصة فيما يتعلق بالحياة الجنسية.

محاولة إيجاد برامج تربوية وتوعوية تعزز مفاهيم المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات وخاصة في العلاقة الجنسية، مما ينعكس على المفاهيم المجتمعية وتغييرها والتي تعتبر أن المرأة ملكية شخصية لوالدها ومن ثم تصبح ملكاً للزوج بموجب صك الزواج.

ورغم معرفتنا بالطريق الطويل والشائك نحو منح المرأة في المجتمعات العربية حقوقها، وأنه مازال هناك قوانين تسمح بتزويج الضحية لمغتصبها وذلك درءاً للعار، فماذا عن التي تتعرض للاغتصاب كل يوم تحت مسمى الزواج؟

العزيزة (س.ع)
إن ما تمرين به لهي تجربة صعبةٌ للغاية، لا تستسلمي، قاومي وارفضي ما تتعرضين له، لا تترددي في السعي على الحصول على استشارة أو مساعدة قانونية من جهة حقوقية أو منظمة نسوية. أمنياتي لك بالخلاص وراحة البال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى