حراك الشعوب

الحراك الشعبي في الجزائر والصراع بين الشرعيات

شكًل الحراك الشعبي الذي برز عشية جمعة ٢٢ فيفري أهم لحظة رفض في واقع الجزائريين بعد تراكم مشاعر الخيبة والفشل والإمعان في إهانة الشعب والتنكيل بسمعته من طرف نظام لم يخجل رموزه من التمسك برجل لم يعد وضعه الصحي يسمح له بمواصلة مهامه وغيابه الشبه تام عن المشهد، والأسوأ دفعه للترشح مجددا لعهدة خامسة ساهمت كثيرا في تجلي الرفض وبروز الحراك الشعبي باعتباره محاولة للقطيعة مع كافة أشكال الوصاية التي فُرضت على الجزائريين منذ استقلال 62، حيث رافق هذا الحدث التاريخي بروز سرديات حكم تتيح للنظام آنذاك الامساك بزمام الدولة استنادا لشرعية ثورية موغلة في الشعبوية، وقائمة على أحادية سياسية، وشمولية ثقافية تقمع التنوع الجزائري وتضعه في قالب أحادي لا يقبل التعدد.

الشرعية الطوباوية في الجزائر الجديدة التي خرجت من عهد استعماري مدمر تحررت فيه الجغرافيا وبقي الإنسان الجزائري حبيس تصورات اشتراكوية قومية تعتبر الفرد مجرد رقم في سجلات مشاريع البناء والتنمية والتصدي للإمبريالية “موضة ذلك العصر “وغير جدير بالمساهمة في الفعل السياسي وتحديد ملامح دولته الفتية التي أوكلت بلا تفويض ” للأخ الكبير ” الثائر والوطني ” الذي استولى على السلطة بالدبابة واستبعد خصومه الثوريين بالقتل والمحاكم الثورية والنفي والتدجين وشراء الذمم، كان للشرعية الثورية بعد نيل الاستقلال وهج قوي لم تؤثر عليه أطروحات تفطنت باكرا لخطر الاستبداد المغلف بميراث الشهداء وكان أبرز هؤلاء الدكتور بن يوسف بن خدة والرئيس الأسبق محمد بوضياف والمناضل حسين ٱيت أحمد حين تمسكوا بمطلب تسليم الحكم للشعب واستبعاد الثوار من قيادة البلاد صونا للثورة وحفاظا على نقاءها وانتصارا لأهم مبادئ أول نوفمبر “إقامة دولة ديمقراطية اجتماعية”، وتفاديا لإعادة إنتاج أنماط أخرى من الوصاية والاستبداد واغفال شرط الحرية والديمقراطية ودولة المؤسسات.

الحكم القائم على شرعية الثورة والدبابة ترك انطباع قوي لدى قطاع واسع من الشعب بعد أن تحققت مشاريع اقتصادية واجتماعية هائلة من قبيل التأميم ومجانية التعليم واستعادة هيبة البلاد في الخارج ومقارعة القوى الغربية ونصرة القضايا التحررية في المنطقة والعالم. وفي الوقت ذاته ومع استمرار حكم نظام الشرعية الثورية ورأسمالية الدولة، تشكلت بيروقراطية ومافيات أطلت برأسها بعد رحيل العقيد هواري بومدين، واستقدام ثوري آخر سيكون واجهة للحكم ومن وراء الستار تحركه تلك البيروقراطية التي تضم في صفوفها ضباط في الجيش شكلوا علبة سوداء للنظام، كانوا بمثابة ذلك المهرج الذي يخرج من قبعته أرانب وديعة مدجنة لا تخرج عن الدائرة المحددة لها، لم يفرز هذا النسق من الحكم إلا تراكم الشعبوية والتسيير العشوائي والوصاية على مصير الناس ودخول النظام نفسه في أزمات حادة مع تراجع مداخيل النفط وتأزم الوضع الاجتماعي مع رغبات شديدة في الانعتاق من الأخ الكبير الثوري الذي انتهى إلى نسخة عن رفاقه في الجمهوريات الاشتراكية التي كانت معتقل كبير. لا مجتمع مدني ولا حياة حزبية أو حرية صحافة. وتعويض كل ذلك بالقبضة الحديدية.

كلما اشتد انغلاق النظام تآكلت بِنيته لكن الثابت الوحيد بقاء المهرج أو الساحر يداعب قبعته وامساكه بخيوط اللعبة حتى وإن وصل الحد بالشعب المنتفض نهاية الثمانينات رافضا جبهة التحرير الوطني بما تمثله من مرجعية للحكم ومطالبا بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية مع ما ترك هذا من مساس بالغ الإساءة لنظام اعتاش لعقود على احتكار رمزية الثورة والوطنية التي تداعت مع مروز الزمن في مخيلة الشعب بعد إفلاس اقتصادي حاد وتراكم الثروة بيد أقلية تختطف الوطن باسم الثورة، كان لزاما على الساحر أن يختلق شرعية أخرى تبقيه الأخ الكبير لكن بتلاوين جديدة واختلاق الأزمات وتفريخ المشاكل والتحضير لحكم قائم على شرعية وليدة ظهرت للعلن بعد استبعاد الإسلاميين من الحكم مطلع التسعينات، والاستفراد به مجددا لكن هذه المرة بشرعية مكافحة الإرهاب وحماية الجمهورية من الظلاميين ونظٌر لهذا التوجه قطاع واسع من النخب العلمانية واللائكية واليسار وحتى من بعض الإسلاميين ” حركة حمس تحديدا “, ما يعكس الازمة الفكرية والأخلاقية العميقة لدى تلك التيارات بنخبها وإفلاس طرحها ورهانها على الدبابة في الحفاظ على ُقربها من السلطة ونكاية في خصومهم الإسلاميين.

من الشرعية الثورية إلى شرعية البقاء بذريعة مكافحة الإرهاب وصولا إلى شرعية المصالحة الوطنية، استمر نفس النظام وبنفس الأداء، اعادة رسكلة وجوهه وشراء الذمم وتعميم الرشوة السياسة وتقنين الفساد واستبعاد مطلق للإرادة الشعبية، والأسوأ بروز ثقافة مافيا مالية في الحياة السياسية أفرزها ما يسمى خصخصة القطاع العام والرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي، ليجد الجزائري نفسه بعد عقدين من حكم بوتفليقة الذي مزج بين الشرعية الثورية وشرعية إخماد العشرية الدامية أمام أوليغارشية متوحشة بددت المال العام وكرست النهب والولاء والعبث بمقدرات البلاد.

استمرار الحراك منذ أكثر من نصف سنة وتمسكه بالسلمية ومطالب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية ودولة المؤسسات وحرية التعبير واحترام حقوق الإنسان واعادة الاعتبار لشرعية الصندوق ودفن عقود طويلة من التزوير والدوس على الشرعية الشعبية هو أهم صراع بين شرعية ميتة بيولوجيا تحاول أن تبعث من جديد بتوصيفات من قبيل نوفمبرية باديسية رغم ما يفرق المفردتين من تناقض فكري وتاريخي يدركه أبسط قارئ لتاريخ الحركة الوطنية الجزائرية.

كان أهم شعارات المحتجين dégage FLN الذي تردد كثيرا في ساحات وشوارع الجمهورية، وهو تجلي صارخ لرغبة المتظاهرين في دفن زمن الحكم بالشرعية الثورية وبقية الشرعيات المُستهلكة التي همشت رأي الجزائريين وسلبت حقهم الطبيعي والدستوري في التعبير عن قناعاتهم السياسية المهدورة من نظام ناب عنهم في فرض الرؤساء والمسؤولين والخشية الكبرى أن يستمر هذا النهج مع ظهور شرعية أخرى بعد الاطاحة بالرئيس السابق بوتفليقة واعتقال رموزه وتصدر المؤسسة العسكرية المشهد وتبرير اقتحامها للحياة السياسية بتطهير البلاد من العصابة والإصرار على الاتجاه نحو انتخابات رئاسية في أقرب الآجال بنفس الممارسات والآلية التزويرية التي يرفضها الحراك الشعبي ويصر على تنظيف مؤسسات الدولة من رموز النظام السابق وإعادة الاعتبار للكفاءات.

هل ينتهي الحراك الشعبي إلى مرحلة يستعيد فيها الشعب إرادته ويفرض نمط الدولة التي يريدها ويضع حدا للأبوية والوصاية وسلطة الأخ الكبير ويزيح إلى غير رجعة ظاهرة صناعة الرؤساء كما جاء في افتتاحية العدد الأخير من مجلة الجيش وهو أقوى اعتراف بدور المؤسسة العسكرية في تزيين الحياة السياسية بواجهة ديمقراطية مزيفة تضم مدنيين يخضعون للعسكري، أم أن الحراك الشعبي أمام محطة مفصلية حساسة جدا تحتاج مزيد من الصمود والإصرار على القطيعة والسلمية والرهان على الشباب والكفاءات الوطنية التي بإمكانها إعادة الجزائر إلى الجزائريين؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى