عين على سوريا

الحمار السوري وجزرة التسوية

من التطورات السياسية، التي بقيت في مرحلة المساومة ومنذ التسعينات تقريبا كان مفهوم “التسوية”، أي تسوية الاشكالية الجغرافية والسياسية مع اسرائيل، فنجاح التسوية عمليا ونظريا يتعلق بالنوايا الحقيقية للأطراف المعنية بالأمر، والأطراف هي اسرائيل من جهة ثم كل دولة عربية على حدى من جهة أخرى، فنوايا الدول العربية مختلفة وحاجتها الى التسوية مختلفة وحتى مضمون التسوية مختلف جدا من دولة لأخرى.

دعونا نتجاهل وضع الدول العربية الأخرى، ونركز بعض الشيء على سوريا واسرائيل وخاصة سوريا، فبالنسبة لإسرائيل أكاد أجزم بأنها تستفيد من التسوية أكثر من استفادتها من حالة الحرب، لذلك يمكن القول بأن نية اسرائيل يجب أن تكون في هذا الخصوص ايجابية مع بعض التحديد، فإسرائيل التي انتصرت عسكريا تريد بناء على ذلك املاء الكثير من الشروط وكذلك جني ثمار انتصاراتها، وهذا أمر أكثر من مألوف في ترتيب العلاقات بين الدول المتحاربة وبين الدولة المنتصرة والدولة المهزومة.

عند التكلم عن سوريا يجب الفصل بين مصلحة البلاد ومصلحة النظام، هناك تعارض وتضارب بن هذه المصالح، ما هو جيد لسوريا سيئ للنظام، وموضوع التسوية يخضع الى هذه الأحكام، التسوية هي من مصلحة سوريا مهما كان شكلها لأنه لابديل ايجابي لها، وموضوع التسوية بحد ذاته هو ايجابي بالنسبة للنظام، بشرط بقاء هذا الموضوع في حكم المساومة والمماطلة والأخذ والرد أطول مدة ممكنة، وبشرط عدم توقع اتفاقية نهائية حاسمة، وبشرط بقاء الأمور على حالها المراوغ المتردد، أمر سوريا ثانوي جدا، فالنظام يحرص على بقائه والحرص على بقاء سورية ليس من ضمن مهماته.

النظام بحاجة الى ابقاء أمر التسوية قيد الدراسة والتفكر والتحليل والمساومة والتحادث والتواسط والتباكي والابتزاز الى ما شاء الله، لأن مجرد البحث بأمر التسوية يحسن شروط بقائه، فالتسوية هي الجزرة الي يريد الحمار الذي يركبه النظام قضمها، الا أنه لا يستطع الوصول اليها، وليس من مصحة النظام وصول حماره السوري اليها، لأنه بالوصول الى الجزرة تنتفي الحاجة الى الحالة البوليسية التي تحمي النظام من سوريا قبل أن تحميه من اسرائيل، اذ أن التهديد الذي يعاني منه النظام هو تهديد داخلي بحت، ولا مصلحة لإسرائيل المتعادية مع سوريا بأن يكون النظام الذي يحكم سوريا نظاما يعمل على تقوية البلاد وتحديثها، فإسرائيل ليست مسؤولة عن سوريا وانما عن اسرائيل فقط.

من يراقب الحدث السوري -الاسرائيلي لا يرى سلاما، ومن الجهة السورية لا يرى حربا، وانما تلقيا انهزاميا لآلة الضرب والحرب الاسرائيلية التي تنفذ عسكريا ومن طرف واحد ما تريده سياسيا، هنا قد يقول قائل بأن الاتفاق السوري -الإسرائيلي موجود على ارض الواقع، وبنوده تنفذ على أرض الواقع، والتي تتضمن تنفيذ الشروط الاسرائيلية كاملة وبموافقة سورية عملية، حتى شعارات التهديد والوعيد تبخرت، سوريا استسلمت لإسرائيل دون أي مكافأة رمزية، بعد أوسلو وخروج مصر من دائرة الحرب نالت مصر سيناء، وبعد وادي عربة نال الاردن مكافأة رمزية، واين هي المكافأة التي نالتها سوريا؟؟؟

لا يحتاج النظام الى مراعاة الواقع الذي يفرض استسلاما كاملا لإسرائيل المتفوقة عسكريا على سوريا، خاصة بعد خروج مصر والأردن من معادلة الحرب، استسلاما سلميا قد يأتي ببعض الفوائد الى سوريا على شكل مكافأة، فالواقع هو واقع النظام وبقائه، الذي يتطلب بقاء مفهوم التسوية بدون حياة وعلى قيد الحياة.

الواقع هو واقع سوريا الأسد وسوريا الفصائل، ولكن هل يمكن لسوريا أن تبقى سوريا الأسد وسوريا الفصائل وسوريا الميليشيات؟ لا يمكن!، حتى ولو طال زمن نزاع الموت الأخير، لن تبقى سوريا معكرة للانسجام الدولي ومارقة على الترتيبات العالمية، سوريا الفصائل والكتائب والميليشيات سوف لن تبق كما تريد الفصائل والكتائب والميلشيات لها أن تبقى، اما لها أن تتصومل وهذا يعني حذفها من التاريخ كدولة، أو انشائها من جديد وهذا يتطلب تنظيفها من الفصائل والكتائب والميليشيات، والتنظيف يتطلب تعاون السوريين مع الارادة الدولية تعاونا ايجابيا عن طريق رفض الفصائل والكتائب والميليشيات رفضا كاملا وصادقا، رفضا مقرونا ليس فقط بدعم التنظيف من الكائنات الكتائبية والفصائلية والميليشاوية وانما تنظيف البلاد من المستنقع الذي يحتوي طحالب الاسلام السياسي بأشكاله المختلفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى