رأي

الدون كيشوتية وأعداء العلمانية

لا تقيم العلمانية وزناً للأديان، إلا من ناحية حمايتها من السياسة وحماية السياسة منها، ولا تعترف أصلا بكينونة للأديان في المجال الاجتماعي والسياسي، إلا من ناحية التزام العلمانية بالحريات الشخصية المضمونة في القانون الوضعي، تؤكد العلمانية حرصها على حرية الفرد بأن يفكر ويعمل كما يشاء ضمن الحدود التي يرسمها القانون الوضعي، والقانون الوضعي يحدد حرية الفرد ويمنعها من الاعتداء والتطاول على حرية الآخر، أو حتى على العلم مثلا، كأن يروج الفرد لبول البعير، ومن يفعل ذلك يعاقب لاعتدائه على العلم وممارسته لتسميم الناس، ليس من حرية للفرد أن يتزوج من ثلاثة أو أربعة نساء رسميا، وليس للقانون الوضعي إدارة أحوال العلاقات الخاصة كالصداقة وتبادل الحب بين الأفراد، وليس للفرد أن يختن ابنته، كما أنه ليس للفرد او لمجموعة من الأفراد إنشاء دولة ضمن دولة عن طريق ممارسة الجهاد، هناك جيش وشرطة ولا وجود قانونياً للجهاد، ليس للفرد حرية بناء الجوامع.. على كيفو!!! وليس له أن يزعج الناس والهدوء بصوت المؤذن خمس مرات يومياً على الأقل، تعامل الدولة في ظل العلمانية مجرم الشرف كمجرم وليس كمناضل من أجل الشرف.

أما عن الازدراء الدوني الديني العنصري، فلم يبرع به أحد كما برع الإسلاميون، خاصة السوريين منهم (الاسلام السياسي السوري هو من أحط أشكال الاسلام السياسي، مقارنة بالإسلام السياسي التونسي أو اللبناني أو السوداني أو المصري أو المغربي…) يزدرون ويهددون الكفرة بجهنم وغضب الله المدمر ويحللون هدر دمهم، فالتكفير هو ازدراء للإنسان بامتياز، والتخوين هو ازدراء بامتياز، الاسلاميون يمارسون ازدراء واحتقار وتكفير وتهديد أكثر من مليار ونصف لاديني أو ملحد، مع العلم بوجود فروق نوعية كبيرة بين مليار ونصف ملحد وبين مليار ونصف مسلم، الإلحاد خيار شخصي وقناعة شخصية في معظم الحالات، بينما الدين ولادي لا يخضع للخيار الشخصي، يوجد حقيقة أكثر من مليار ونصف ملحد، ولا وجود لعدد مشابه من المسلمين عن قناعة ويقين (صفة الاسلام ولادية )، هناك من يدعي لربما مبالغة بأن حوالي ٩٠٪ من المسلمين، ليسوا مسلمين، انما ملحدين أو علمانيين، مسلم ماليزيا علماني حقيقة واسلامه شكلي، معظم مسلمين تركيا علمانيين في اطار العلمانية الخاصة بتركيا، والمختلفة عن غيرها من العلمانيات، العلمانية التركية لا تفصل الدين عن الدولة، انما تضع الدين ورجال الدين تحت الاشراف المطلق المباشر للدولة، وفي هذا السياق نجحت تركيا نسبيا، حتى في هذا العصر، الذي يتميز بنجاح الاسلاميون والقوميون العرب في عملية تدمير أوطانهم.
كلمة أخيرة عن تعبير ” أدعياء العلمانية “، فالتعبير دون كيشوتي، ومخترعه أكثر دونكوشية منه، ولتوضيح ذلك لابد من التعرف بشكل مختصر جدا على رواية دون كيشوت لكاتبها ميخيل دي سرفاتس، اذ حاول الروائي تصوير شخصية الريفي الفقير ألفونسو كويجادا، والذي اراد أن يكون فارسا مقداما مغامرا اسمه دون كيشوت، الذي اخترع أو تصور العدو في طواحين الهواء، تعبير “ادعياء العلمانية ” مجنون ومخترعه مجنون مثله، الذي حاوله عقله المريض تصوير العلمانية كأنها عدوة له، وما عليه الا أن يحاربها بطرق عدة منها اتهام الغير “بادعاء ” العلمانية، مع العلم بأنه لا يعرف عن العلمانية أكثر من معرفة دون كيشوت عن الحياة والواقع، لا دراية لكم بالعلمانية ولا بأدعياء العلمانية….
اتزنوا يا ناس، وعودوا الى الرشد كما عاد دون كيشوت اليه !، حاولوا السيطرة على هوسكم الديني، وحاولوا التحرر من شرنقة دودة القز التي تسجنون أنفسكم بها، الانسان ليس تلك الدودة التي تموت خارج الشرنقة، الانسان لا يحيى الا خارج الشرنقة !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى