مقابلات صحفية

الليبرالية لك.. لا عليك.. حوار مع الباحث نواف الركاد

حاوره: عمر حمزة

في زحام هذا التطرف الفكري في كل الاتجاهات. الدينية منها والعلمانية. وفي ظل شيطنة أصحاب فكرٍ لأصحاب الفكر الآخر. كان لابد من التعلّقِ بطوقِ “الوسطية” أو لربمّا البحث عنها والتعريف بها. فكان لي هذا اللقاء مع الكاتب والباحث السياسي: “نواف الركاد” المتخصص في العلاقات الدبلوماسية.

نواف الركاد لمن لا يعرفه/ من مواليد مدينة القامشلي سنة ١٩٨٥ تخرّج سنة ٢٠٠٥. وكان على وشك الالتحاق بوزارة خارجية الدولة السورية إبّان اندلاع الثورة. ليجد نفسه أحد المتظاهرين ضدها. وليصبح فيما بعد عضواً بارزا في عدة تجمعات سياسية معارضة. أحدها “الحركة الوطنية لأبناء الجزيرة”. والتي قام بوضع حجر أساسها. له العديد من المقالات في الكثير من الصحف. والدراسات السياسية للعديد من مراكز البحث السياسي. يقيم حالياً في ألمانيا ك “ناجٍ” من الحرب كما يصف نفسه.

لو افترضنا أنك تقف أمام جمعٍ من الناس على درجة متوسطة من الثقافة. أو من “العامّة” إن صحَّ التعبير. . وطُلب منكَ تعريف الليبرالية بشكلٍ مُبسَطٍ فماذا ستقول؟
شكرا لحضرتك، وشكرا لمجلة القبضة على إتاحة هذه الفرصة لمحاورة قرّائكم الكرام الذين أرسل لهم من خلالكم أسمى التحيّات. الليبرالية مدرسة سياسية تبلورت ملامحها بشكل أساس في القرن التاسع عشر، بعد أن كان القرن السادس عشر هو قرن تبلور فكرة العلمانية، والقرن السابع عشر هو قرن تبلور فكرة العقد الاجتماعي، والقرن الثامن عشر هو قرن التنوير أو الأنوار، ليأتي بعدها قرن الليبرالية والذي أنتج أو لنقل أنتجت القرونُ الأربعة السابقة القرنَ العشرين الذي شهد الثورة الصناعية والتكنولوجية. إذن هنا نحن نتحدث عن سلسلة من تطور الفكر الإنساني الذي أنتجه تفاعل الإنسان الغربي مع حركة التاريخ ونمو المدارس الفلسفية.
ولليبرالية تعاريف كثيرة لكنني أميل إلى معناها الفلسفي المجرّد الذي يقول أنها تعني أن (سلطة الفرد أعلى من سلطة المجتمع) وهذا التعريف يعترف بالمجتمع وبوجود سلطة له لكنّه لا يمنحها تفوّقا أخلاقيا أو سلطويا على سلطة الفرد. وبالتالي يصبح الفرد سيّد نفسه وضميره وهو المسؤول وحده عن تقرير مصيره وخياراته في الحياة دون وصاية من أحد، مع عدم نسياننا لتفاعل هذا الفرد مع سلطة المجتمع. بكلمات أخرى أشد بساطة يصبح الفرد هو المسؤول عن تحديد اتجاهه السياسي وعمله ونمط حياته وعلاقته بالآخر والدين، بعيدا عن أي وصاية من الآخر سواء كان الآخر قبيلة أو طائفة أو قرية أو حارة أو غيره. لذلك فالفلسفة الليبرالية هي فلسفة الفرديّة بامتياز والحرية بامتياز الملتزمة بالقوانين التي تفرزها الدولة الديمقراطية والمتفاعلة مع الثقافة الاجتماعية. وغير صحيح أنها فلسفة الانفلات من أي قيد، فالمواطن الغربي اليوم الذي يعيش تحت أنظمة سياسية ليبرالية نراه ملزما بشدة بقوانينها ومتأثّرا إلى حدّ بعيد بالعادات والتقاليد والثقافة الاجتماعية التي تؤطّر (الجائز وغير الجائز، المباح والعيب) ولا زالت مصطلحات العار وغير الجائز موجودة في قاموسه الاجتماعي. واضرب مثالا على ذلك، التزام الإنسان الغربي بالمجاملات الاجتماعية في المجتمعات الغربية في الأحزان والأفراح وأعياد الميلاد والدعوات الاجتماعية وحتى في التزامه بمعايير اجتماعية معينة في مسألة اختيار الأصدقاء والشريك. كل هذا يفعله المواطن الغربي متأثّرا بمحيطه الاجتماعي لكن ليس بذات تأثّر المواطن العربي أو المسلم بالقيود الاجتماعية الشرسة في بلداننا، والتي تلغي كيانيّته و أناه تماما وتبقيه جزءا من القطيع حتى يغيب الإبداع نهائيا لصالح معارك الجماعة مع الآخرين.
الكثيرون يتهمون الليبرالية بأنها بضاعة استعمارية مستوردة لا تصلح لمجتمعاتنا الشرقية على وجه العموم ومجتمعاتنا “الإسلامية” على وجه الخصوص. لم كل هذا الخوف والحرص المجتمعي تجاه الليبرالية؟ هل يعرف أغلب المحاربين لها ما هو معناها الحقيقي وأهدافها؟
الخوف لا يأتي إلّا من المجهول، والإنسان العربي والمسلم عموما يجهل معنى الليبرالية ليتولّى مشايخ الدين وقادة المجتمع المحافظين تفسيرها بوصفها بأسوأ الأوصاف وتقبيحها ولعنها، فمرّةً ينعتونها بأنها بضاعة الاستعمار ومرّةً ينعتونها بفلسفة الفساد والانحلال الخلقي. متناسين أمرين اثنين : الأول وهو أن السلطة الاجتماعية الأبويّة القاسية والشديدة في بلداننا لم تنتج سوى الطائفية والعشائرية والمناطقية التي تسببت بحروب دموية ودمار شعوب بأكملها، أليس هذا فسادا أخلاقيا أشدّ خطرا من أي فساد أخلاقي آخر ؟ بل لم تنتج هذه السلطة الأبوية القاسية سوى الفساد الإداري والمالي المتمثل بانتشار الرشاوى والمحسوبيات (توظيف فلان لأن خاله فلان يكون زوج بنت عمي) على حساب مبدأ تكافؤ الفرص والمساواة، حتى احتلّت بلداننا أعلى المراتب في قوائم الفساد والفقر الأممية، ألا يعتبر هذا النوع من الفساد أشد خطرا من غيره ؟
الأمر الثاني : غير صحيح أن الفلسفة الليبرالية تدعو لما يسمونه هم الفجور والانحلال الخلقي، فالليبرالية لا تدعو لشيء سوى لحماية حقوق الفرد أي فرد باختيار نمط حياته وخياراته في الحياة، فهي بذلك فلسفة حماية المتديّنين الملتحين والمحجبات والمنقّبات كما هي فلسفة حماية حقوق المتحررين واللادينيين، ومنحهم ذات الفرص في الحياة العامة دون تمييز.
إذن فالليبرالية هي مدرسة سياسية تقوم على فلسفة إقامة الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على سيادة القانون والمساواة بين أفراد المجموعة الإنسانية وهي بطبيعة الحال ضد الطائفية والعشائرية والمناطقية والحاراتية وضد كل أشكال الفساد الإداري والمالي الذي رأينا نتائجه في عالمنا العربي من تأخر قاطرتنا عن ركب الأمم في كل شيء.

يؤمن دعاة “الإسلام السياسي” أن الإسلام نظام شامل لكل أوجه الحياة بما فيها السياسية والاقتصادية. وقد أثبتت هذه النظرية فشلها على أرض الواقع. ماذا عن الليبرالية؟ هل هناك أمثلة صريحة لتجارب ليبرالية ناجحة؟ وهل تطبيقها بالأمر السهل في مجتمعاتنا التي تزخمُ بالمقدسات والمحظورات؟
نعم يثابر الإسلام السياسي على دعايته المغلوطة، ولكننا سنسأل الأسئلة التالية ؟ هل الإسلام يوفّر تصورا كاملا للعقد الاجتماعي القائم على الحرية والمساواة ؟ هل الإسلام لديه تصور جاهز لقوانين المرور وتنظيم الجامعات وحماية البيئة وتنظيم البنوك ومنظمات المجتمع المدني؟ الإجابة طبعا لا، إذن فالإسلام دين يوفّر لمعتقديه طريق الخلاص الأخروي ولا يملك الإجابات عن مئات الأسئلة في الحياة. فلو سألت شيخا اليوم ما حكم من يسرق بنكا عبر التهكير الحاسوبي ؟ فالغالب أنه لن يجد نصا بل سيلجأ إلى العقل وكذلك نفعل نحن ونلجأ إلى العقل.
لن أصير داعية تنويريا وأتحدث عن مقاصد الشرع في تحقيق العدل وإعمار الحياة وتحقيق السكينة الروحية، ولكن سأناضل بكل ما استطعت لتفنيد دعاية الإسلام السياسي القائل بأنه يملك حلّا لكل مشاكل الحياة.
وأسألهم ماذا تقولون عن قوانين الجزية والزكاة ؟ ماذا أنتم فاعلون بقضية ولاية المرأة للقضاء والوزارة والرئاسة في مجتمع إسلامي لا زال معظمه يأكل حق المرأة في ميراثها.
لذلك من المهم التمييز بين وظيفة الدين ووظيفة الدولة في حماية حقوق أفرادها وعلى رأسها الأمن والرفاه الاقتصادي، وترك مصير الإنسان بعد الموت للإله الخالق للكون والحياة والذي يقرره الفرد بنفسه دون حسيب أو رقيب على ضميره.
أما عن أمثلة ليبرالية ناجحة فقطعا هناك عشرات الأمثلة، ألمانيا السويد هولندا نيوزيلاندا أستراليا وغالبية الدول الغربية.
أما هل تطبيق الليبرالية في عالمنا العربي الإسلامي فهي لا شكّ صعبة جدا بسبب سلطة رجال الدين وقادة المجتمع المحافظين، والناس بطبيعتهم يفضّلون من يتحدث عن مصيرهم بعد الموت عمّن يتحدّث لهم عن مصيرهم في الحياة والذي يجب أن يكون هو الأَولى مما بعده طالما لا خوف على الإنسان وهو يملك سلطة الضمير والاعتقاد ومحاسبة الذات.
بعيداً عن الشعارات والمصطلحات السياسية الرنانة، لا يهتم أغلب الناس بخلفية الأحزاب الحاكمة ومعتقداتها السياسية إن كان أداؤها الاقتصادي يحقق لهم الرخاء المادي والاستقرار المعيشي. هل هناك منهج اقتصادي لليبرالية يجعل منها منافساً قوياً للرأسمالية التي يفضلها رجال الأعمال او للاشتراكية التي يصبو إليها أصحاب الدخل المتوسط وما دونهم؟ هل الليبرالية منهج اقتصادي أيضاً؟
الليبرالية نهج سياسي اقتصادي اجتماعي، ينجح أحيانا في المستويين الأولين ويفشل في الثالث، وينجح أحيانا على كل المستويات، وليس شرطا أن ينجح اجتماعيا بشكل سريع فالمسألة تأخذ وقتا. ودون شك قامت الليبرالية في الأساس على مبادئ اقتصادية تقوم على حريّة التملك الشخصي والتجارة، وبعد ذلك طوّرها فلاسفة الاقتصاد من آدم سميث إلى كينز وغيرهم، وقد اتّخذت أشكالا عديدة بعد الحرب العالمية الثانية من التجربة الأمريكية التي تقول بالحرية المطلقة للسوق وعدم تدخل الدولة في تنظيمه وصولا إلى التجربة الألمانية الحديثة القائمة على تعاون الدولة والقطاع الخاص في تنظيم السوق وتوفير متطلبات الأفراد.
هناك أيضا التجربة الكندية التي تميل إلى حرية أكبر للقطاع الخاص مقابل دور محدود في الدولة، وهذه الدول الثلاث تحتل أعظم اقتصادات العالم والتي يتمتّع مواطنوها بأفضل مستوى رفاه في العالم قياسا بالأنظمة الاشتراكية أو التي تعتمد الاقتصاد الموجّه.
وبالتالي يمكننا في سوريا الجديدة وبعد انتهاء مرحلة التعافي أن نعتمد أفضل التجارب الليبرالية الاقتصادية التي تضمن أعظم مشاركة وحرية للقطاع الخاص مع دور هام للدولة في حماية الطبقات الأشد فقرا عبر إعانات البطالة والضمان الصحي.
البسطاء والعامة لا يعرفون عن الليبرالية إلاّ أنها عدو صريح للدين. لن أقول لك هل هذا صحيح أم لا. سؤالي هنا ما هو موقف الليبرالية من الدين بشكل عام والمتدينين وطقوسهم بشكل خاص. وهل من الممكن ان يكون هناك ليبرالية إسلامية؟
الليبرالية لا تعادي الدين كما أنها لا تعادي الإلحاد، هي تقف على الحياد من اعتقاد الإنسان وحرية ضميره، لكنها في الوقت عينه تناضل لحماية حرية العبادة وإقامة الشعائر والطقوس لكل الناس. فهي تحمي المسلم والمسيحي وكل طوائف المجتمع وكذلك تحمي الملحدين واللادينيين من التمييز، بل أنها تحمي حقوق حتى أتباع ظهور دين جديد إن حصل. ولذلك فالليبرالية لا تتجنّى على الآخرين كما يفعل الإسلاميون وقادة المجتمع المحافظين.
هل ترى أنَّ الليبرالية ستكون الخيار الأكثر أماناً للسوريين في حال سقوط النظام الحالي، بعد تجربتهم المريرة مع الإسلاميين والعسكر؟
ربّما لا اتفق مع نظرية فوكوياما القائلة بأن العالم كله سيتّجه لاعتناق الليبرالية وسوف تنتهي الحروب الأيديولوجية بتحول العالم إلى قرية واحدة وانبثاق فكرة الإنسان العالمي.
لكنني نعم اعتقد بأن الدولة الليبرالية والأحزاب الليبرالية هي التي تجلب السعادة للمجتمع السوري وهي التي تضمن الحريات العامة وحقوق الإنسان لكل المختلفين وكذلك مبدأ تكافؤ الفرص، وهي الكفيلة بإنهاء الحروب الطائفية والدعوات العشائرية والنزعات المناطقية. وأجزم أنها هي الكفيلة بإنهاء مشاكل الأقليات العرقية والدينية عكس ما تفعله الأيديولوجيات الدينية والقومية من تسعير كل النزعات الظاهرة والكامنة في نفس الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى