إشكالات مجتمعية

المطلّقون!

عادة ما يتم طرح موضوع الطلاق وآثاره على الزوجة في المقام الأول ومن ثم الأولاد، وذلك بسبب الانعكاسات الاجتماعية على المرأة كونها الخاسر الأكبر في عملية الانفصال، إذ تغدو كلمة “مطلقة” في مجتمعاتنا الشرقية أشبه بندبة تحملها معها المرأة أينما توجهت وتحمل معها مسؤوليات أخلاقية ومجتمعية عديدة، بينما يتمتع الرجل بميزات كثيرة منها أن الرجل “لا يعيبه شيء” حسب المفهوم المتداول وباستطاعته الزواج مرة أخرى وبناء عائلة بسهولة.

ويختلف موضوع الانفصال في المجتمعات الغربية ليصبح بداية جديدة وناضجة لكلا الطرفين مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة الأولاد ومن هذا المنطلق زادت حالات الطلاق وأصبحت ظاهرة تكتسح الجاليات الشرقية في أوروبا.

ولكن ومن نواحي عديدة لا يتم التطرق أبداً إلى وضع الرجل في حالة الانفصال، هل فعلاً يعيش حلماً وردياً بالزواج بأخرى؟؟ هل ينسى فجأة مسؤولياته وحياته السابقة ويعود عازباً سعيداً؟؟

يتحدث م.ب عن تجربته مع الانفصال: “كانت الأسباب كثيرة ومعقدة ووصلنا إلى طريق مسدود في العلاقة وأصبحت حياتنا الزوجية روتيناً مملاً وأياماً تشبه بعضها، واعتقدنا أن الطلاق هو الحل، وبعد أن تم الانفصال وبقي الأولاد مع أمهم وأنا لي الحق في زيارتهم والاطمئنان على أمورهم وقضاء بعض الوقت معهم، إلا أنني كنتُ وحيداً في باقي الأوقات، شعرت في البداية أنه يمكنني تجاوز الأمر وأنني حر الآن وأستطيع أن أبدأ من جديد، لكنني لم أستطع وبدأت أتدهور نفسياً واجتماعياً وعاطفياً، أشتاق لعائلتي ولكل ما كناه سويا.”

أقضي أوقاتاً طويلة في العمل وأنتظر اللحظات التي سألتقي فيها بأطفالي، أشعر بالندم ودائماً ما أفكر “بالتنازلات” أو الاتفاقات التي كان من الممكن تقديمها للحفاظ على ترابط الأسرة، ومع أننا انفصلنا بالتراضي إلا أن حياتي مع أسرتي كانت أفضل بكثير مما أعانيه الآن”.

 دراسات واحصاءات:

في دراسة أجرتها المجلة الأمريكية (صحة الرجال) تبين أن رد الفعل الأول من الرجل بعد انتهاء العلاقة هو سرعة تجاوزه لما حدث إذ يخرج مع أصدقائه ويحاول التعرف بأخريات أو يرتبط جدياً بإحداهن، فهؤلاء نسبتهم حوالي 26%.

أما حوالي 36% صرحوا بأنهم يميلون إلى اللامبالاة، وهذه تمثل نوع من الأقنعة الزائفة التي يخفي بها الرجال مشاعرهم الحقيقية، حيث لا يستطيعون التعاطي مع الألم أو الغضب والإحباط، وعادة ما تكون هذه المرحلة الأولى والتي تأتي بعدها مرحلة الشعور بالوحدة والفقد، ولتبقى مشاعره المكبوتة حملاً ثقيلاً على حياته دائماً.

على عكس المرآة والتي تحاول أن تفرغ حزنها وألمها وغضبها في البداية، لينعكس ذلك فيما بعد على حياتها بشكل إيجابي ويزيد قدرتها على المضي قدماً.

وحسب دراسات أخرى فإن 95% من الرجال المطلقين يغيرون مسكن الحياة الزوجية السابقة، في حال غادرته المرأة، حيث لا يفضلون العيش فيه بعد الانفصال، وهذا يعكس عدم القدرة على مواجهة ذكريات الماضي.

وأشارت الإحصاءات أن الرجال يعانون أيضاً من الآثار الجانبية للانفصال، ولكنها تختلف من رجل لآخر، وخاصة إذا كان هناك أطفال حيث يشعر الرجل بفقدان دوره كأب، إذ تستطيع الأم أن تلعب دور الأب والأم معاً، أما الرجل فيفقد هذا الميزة.

يتابع م.ب “زوجتي السابقة تجاوزت المحنة وأصبحت أقوى أحسدها على ذلك، فهي الآن تتابع حياتها بكل شغف وإصرار، ولا أنكر حنانا وتعاملها الجيد مع الأولاد، وقد اقتنعت أن النساء أكثر قدرة منا على تحمل الصدمات والتعبير عنها، أما نحن فالسبب على ما أظن يكمن بأننا نخبئ شعورنا ولا نعبر عن آلامنا مما يعرضنا لمشكلات نفسية وجسدية”.

 آثار الطلاق على الرجال:

  • تدهور الحالة الصحية: يعاني الرجال من مشاكل صحية بعد الطلاق أو الانفصال مثل الاكتئاب وعدم استقرار الوزن والقلق والضغط النفسي مما يعرضهم للسكتة الدماغية وأمراض القلب.
  • تدهور الحالة المادية: يفقد بعض الرجال عملهم بسبب شعورهم بالوحدة وعدم الجدوى، كما يؤدي الطلاق إلى نفقات متزايدة لتغطية المصاريف الناجمة عنه.
  •   الاندفاع إلى علاقات جديدة: عدم تعامل الرجال مع الحزن ومحاولة التخلص منه، تدفعهم للدخول في علاقات جديدة قبل أن يشفوا تماماً، ويؤدي الفشل في هذه العلاقات إلى تزايد الشعور بخيبة الأمل والحزن والاكتئاب.
  • فقدان الأطفال والأسرة: يعد تكوين أسرة من أكثر الأشياء أهمية في حياة الرجل، وفقدانه لهذا الكيان يؤدي إلى شعوره باليأس.

يعد الطلاق أو الانفصال نقطة تحول وتغير في حياة كلا الطرفين، ويمكن أن يتم التعامل معها بإيجابية قدر الإمكان لتفادي المشاكل النفسية والاجتماعية الناجمة عنه، فهو بداية جديدة لكلاهما، لبناء حياة من الممكن أن تكون أفضل وأكثر توازناً خاصة للأطفال، إذ أثبتت الدراسات النفسية أن التوازن النفسي لطفل يعيش بين والدين منفصلين أفضل بكثير من طفل يعيش في كنف والدين يتشاجران دائماً وبينهما الكثير من المشاكل.

لذا نصيحتنا اليوم موجهة لصديقنا م.ب ولكل الرجال الذين يعانون من آثار الطلاق والانفصال:

  • من المهم جداً التفكير بإيجابية ومحاولة تسليط الضوء على ما يحمله المستقبل على صعيد العمل والاهتمام بالذات والابتعاد عن جلد الذات والندم.
  • بناء علاقة جيدة مع الأطفال والبقاء قريباً منهم وتلبية احتياجاتهم، هذا يعطي الشعور بالرضا وعدم فقدان دور الأب، أيضاً المحافظة على علاقة جيدة مع الأم احتراماً لها ولمشاعرها.
  • عدم التسرع والدخول في علاقة جديدة: من المهم إعطاء وقت للراحة والاسترخاء وترتيب الأوراق من جديد ومراجعة الأخطاء والتصرفات، وهذا لا يعني الامتناع عن إيجاد حياة عاطفية لكن بعد تصفية الذهن وشفاء الجروح.
  • ممارسة العادات الصحية والرياضة والحفاظ على نظام غذائي متوازن، وذلك للحماية من أمراض الضغط والقلب.
  • الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي: وذلك لمنع الدخول في نقاشات لها علاقة بالوضع السابق وسماع آراء الآخرين التي من شأنها في بعض الأحيان أن تعطي تأثيراً سلبياً، وأيضاً كي لا تدخل في علاقات من خلال التواصل الافتراضي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى