مقابلات صحفية

المهجع رقم 11، مقابلة مع المعتقلة السابقة نبال زيتونة

حاورها: اسماعيل كردية

المهجع رقم 11: سلسة مقابلاتٍ حوارية مع عدد من معتقلي الرأي السابقين في سوريا نحاول من خلالها أن نرصد وإياكم تفاصيل تلك التجربة الإنسانية الصعبة التي مروا بها وعايشوها وطبعت في ذاكرتهم، تجربةٌ ما زال يعيشها حتى يومنا هذا ما يزيد عن نصف مليون سوري يقبعون في زنازين النظام السوري وأقبيته.

نبال زيتونة من مواليد السويداء 1962. تحمل إجازة جامعيّة في الأدب العربي ـ جامعة دمشق. عملتْ مدرّسة للغة العربية، في الغوطة الشرقيّة ـ دمشق. ومدقّقة لغويّة لنشرات الأخبار في التلفزيون الرسمي السوري. لم تنخرط في العمل السياسيّ، وكانت بعيدة عن التنظيمات الحزبيّة على اختلافها. تركّز نشاطها على الجانب النسويّ، وإن كان لايبتعد كثيراً عن السياسة. تمّ اعتقالها بتاريخ 28/11/2013، وأفرج عنها بتاريخ 10/آذار/2014. وكان لنا الحوار التالي معها.

حدثينا عن أسباب وظروف اعتقالك من قبل أجهزة الأمن السوري؟

اعتقلت على خلفيّة نشاطي في الحراك المدنيّ السلميّ، والإغاثيّ الإنسانيّ، مع انطلاقة الثورة السوريّة عام 2011.

لم أُفاجأ بعمليّة الاعتقال، وكنت قد أفرغتُ بيتي في جرمانا من كلّ الأدلّة الماديّة على نشاطاتي. كما كنتُ حذرة في التنقّل، حيث استخدم النظام أسلوب الاختطاف. لكن الذي لم أتوقعه أبداً، أن يتمّ اعتقالي من مدرستي في جرمانا، وأنا على رأس عملي. حيث فوجئتُ بهم يطلبونني لشرب فنجان قهوة. قلتُ: ألا ينتظر فنجان القهوة حتى أكمل دوامي. أجابني ذو الوجه الصفيحيّ بحسم: لا. عندها كان لابدّ أن أعطيَ زميلتي رقم هاتف للاتصال والإخبار عن مكاني. لكنّ ذو الوجه الصفيحيّ تدخّل مرّة أخرى ليقول: “لا داعي لإخبار أحد، فنجان قهوة وتعودين.”

ابتسمتُ له بخبث، وقلتُ: “أعرفكم.. ليس لكم أمان!”. ابتلعها على مضض، وأتممتُ المهمة. وقد حرصتُ على عدم ذكر الأسماء، فاستخدمت لقب “أمّ وجد”، إذ كانت هي معلّمة “وجد” في المدرسة نفسها. اقتادوني إلى السيّارة المنتظرة على باب المدرسة، ثم إلى فرع الأمن السياسي في المزة. حيث كانت الرحلة طويلة جداً على المتحلّق الجنوبي، وكانت شمسُ ذلك اليوم الصفراء الخجولة، آخر شمسٍ رأيتها على مدى أربعة أشهر تقريباً.

حدثينا عن تفاصيل حياتك اليومية في المعتقل؟

حين دُفِعتُ داخلَ الزنزانة، قلتُ بأنه كابوس، ولابدّ أن أصحو منه!..

إنّها العتمةُ الأبديّة، وصقيعُ الموتى.. لانوم.. لاطعام.. لانهار ولا ليل.. لاأخبارَ من الخارج!..

لا أذكر كم من الأيام مرّت على هذه الحال، حتى بدأت جلساتُ التحقيق، التي تستغرقُ يوماً كاملاً بين “شحطٍ وجرّ وانتظار”، وقد زادت على العشرين جلسة خلال مدة اعتقالي القصيرة.

تكتظّ الزنزانة حيناً بالنساء، فلا متّسع للنوم. وتخلو أحياناً فأقطع الوقت بالمشي في المساحة الضئيلة المتوفرة. وكانت من أصعب الأوقات حيث بقيت لعدّة أيام بما يشبه المنفردة، وخشيت أن أفقد تواصلي مع الزمن. فلجأتُ إلى تدوين الأيام والتواريخ على جدران الزنزانة، مستخدمة “المربّى”، حيث لا شيء هناك يصلح للأكل. وكنت أكتفي بالخبز والماء، ما يبقيني على قيد الحياة.

الفترة ما بعد انطلاق ثورة 2011، لا يمكن مقارنتها بأي فترة سياسيّة في سوريا، حدثينا عن علاقتك بالمعتقلات السوريات، وما هي الآثار التي ماتزال ترافق السيدة نبال إلى الآن؟

عشراتُ بل مئاتُ النساء مررنَ على تلك الزنزانة. تقاسمنا مرارتها، التي كانت تنفجرُ أحياناً لتتحوّل إلى نوبات ضحكٍ هستيريّ. تبادلنا القصص والحكايا، وأخبار الموت والحصار والتشريد في المناطق الثائرة.

وكان مجيء صديقتي “أليس” لتشاركني الزنزانة، كوقع الصاعقة على رأسي. يومها فقط أحسست باليأس الحقيقيّ، وقد أصبحنا جميعنا في المعتقلات.

أليست هي نفسها “أم وجد”، شريكتي في العمل والدراسة والسكن أحياناً، لم أتوقّع أن نتقاسم عتمة الزنزانة، كما تقاسمنا الكثير من تفاصيلنا الحياتيّة. وكما سنتقاسم لاحقاً بلد اللجوء في بيروت.

خرجتُ وفي روحي ندوبٌ لا تندمل، وذاكرتي حبلى بالقهر والألم. أمّا جسدي فلوحةٌ تراجيديّة، حفر القمل والصقيع خطوطها بخبث لم أعهده من قبل.  أيضاً صداع نصفي سيرافقني إلى يومي هذا.

خرجتُ وصدى الأنين والموت، ونداءات الاستغاثة والتفجّع، وآلات التعذيب مازالت تتردّد في ذاكرتي. صوت الطفل في الزنزانة المجاورة لا يفارق سمعي. مازال يصرخ كلّ ليل “يا أولاد الحرام طلعوني من هون.. يا أولاد الحرام أبي عميستناني”!. ملامح الطفلة ذات السنتين التي شاركتنا الزنزانة مع أمها، لا تغيب عن ذاكرتي، وبكاؤها الذي لا ينقطع. عديد الجثث التي كانوا يخرجونها من الزنزانة المجاورة لا تزال تسير معي. لون السائل المتحلّل من الجثةِ التي بقيت لساعات في الممرّ، قُبالة مدخل الزنزانة. قصص القهر التي عاشتها النساء صارت جزءاً من ذاكرتي. ذاكرتي تؤلمني، وخاصة ذاكرتي السمعيّة، حيث كانوا “يطمّشون” عينيّ في جولات التحقيق، ويكبّلون يديّ، فكنت أسمع أكثر مما أرى. وقد اقتصرت الرؤية على ما هو داخل الزنزانة، أو ما استطعت اقتناصه من “الكوّة” الصغيرة أحياناً. خرجتُ أكثر إصراراً على متابعة الطريق، لبناء سوريا ديمقراطيّة، خالية من كلّ أشكال الاستبداد.

عملية إطلاق سراحك كيف كانت؟ وهل كان لديك أمل بالخروج من المعتقل؟

تمّ إطلاق سراحي بعمليّة تبادل “راهبات معلولا” في العاشر من آذار 2014.

الواقع أنّ كلّ الدلائل كانت تشير إلى أنه “لاخلاص”؛ كمّ التهم الموجهة لي، وكمّ الحقد الذي يمتلكون، وتهديدات المحقّقين، كلّها تشي باللاخلاص.

لكن في غمرة ذلك السواد، كان بصيص أملٍ:

مازلتُ أراه..

ثقبٌ في أعلى الزنزانة

لا يتجاوزُ خرم الإبرة

منه يدخلُ صخبٌ عارم

ويعرّش على حيطان ذاكرتي..

أقسمُ..

إنّي رأيتُ الشارعَ

يتلوّى تحت قدمي

وسمعتُ نداءَ الباعةِ في الحارات

أقسمُ..

إنّي شممتُ عبقَ الشمس

في عتمةِ صمتي!..

الحركه النسائيه ضمن الثوره السوريه كانت أساسية ولم تواجه فقط النظام المستبد بل كذلك المعارضه التي حاولت تهميش أي دور لها. برأيك ماهي الأسباب التي اجتمعت لتكون المرأة السورية المناضلة محاربة ومنتهكة حقوقيا؟

أثبتت المرأة السوريّة حضوراً لافتا على الساحة السوريّة، رغم بطش النظام. وقد استخدمها كسلاح حرب وضغط وترهيب وتهديد وانتقام. ولا عجب فالأنظمة المستبدة تخشى الحضور النسويّ، وهي التي تستمد سلطتها من الصَلَف الذكوريّ، والسلطة الأبويّة. ومع اشتداد العنف والعنف المضاد، أخذت المرأة تنكفئ شيئاً فشيئاً. ففي مواجهة آلة القمع البربريّة، غير المسبوقة، وجدت المرأة السوريّة نفسها أمام تحوّل نوعيّ، وتغيّر في أدوارها النمطيّة. حيث حملت مسؤوليّة اتّخاذ قراراتها بنفسها، والدفاع عن أطفالها وحماية أسرتها. ولم تكن مؤسّسات المعارضة وهيئاتها أفضل حالاً من النظام، حيث شكّلتْ العقليّة المغرقة في الذكوريّة عائقاً أمام مشاركة المرأة المنخرطة في العمل السياسيّ. وقد تعرّضت للتهميش والإبعاد بشتّى الوسائل والمبرّرات. وقد ترك التدخل الدوليّ والإقليميّ الداعم لقوى الأمر الواقع، دوره السلبي على حضور النساء، ومشاركتهن في الشأن العام.

قبل إنطلاق الثوره السوريه عام ٢٠١١ كانت تهم الاعتقال توجه للانتماء الايديولوجي (شيوعي، قومي، إسلامي) ماهي التهم التي وجهت لك وهل استطعتِ إنكار هذه التهم ؟

كثيرةٌ هي التهم التي وُجّهت لي كما لغيري. مكتوبة على ألواح البُردي في فروع الأمن، وليس مهماً إنكارها أو الاعتراف بها.

تراوحت التهم بين محاولات الاغتيال لشخصيات في النظام من جرمانا، وعمليات التفجير في التلفزيون السوري، ومساعدة الإرهابيين في درعا والغوطة الشرقية، تهريب الكاميرات وأجهزة الاتصال من درعا، التنسيق والتظاهر والاعتصام والتحريض على ذلك، كما الانتماء لمنظّمات مثل “نساء شمس” و”مطر” وغيرها.

حالياً نسمع الكثير عن الحركات النسوية. هل استطاعت هذه الحركات برأيك إحداث النجاح المطلوب من وجودها بدعم حقوق المرأه السوريه؟

بالتأكيد العمل النسويّ، هو عملٌ تراكميّ، لا يعطي أكله بين عشيّة وضحاها. خاصةً أنّ المرأة السوريّة عاشت قطيعة مع مرحلة النهوض والتحرر من الاستعمار، تلك التي شهدت انفتاحاً على الديمقراطيات وحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة، بسبب الاستبداد المركّب؛ السياسيّ المتحالف مع الدينيّ والاجتماعيّ. لكن الملاحظ أنّ الحركات النسويّة، أثبتت حضورها في الشارع السوريّ، إلى حدّ ما، رغم العَداء الواضح الذي تواجهه من حَمَلة الفكر الذكوريّ، وحُماة السلطة الأبويّة الاستبدادية الموروثة. ورغم موجات السخرية التي يقودها مَن يُسمون متنوّرين ديمقراطيين داعمين لحقوق النساء.

فالمرأة التي وجدت نفسها في مواجهة حقيقيّة، مع الواقع المفروض عليها خلال سنوات الحرب، لن تنكفئ ثانية، وتعود إلى أصفادها.

ماذا تعني لك الثوره السوريه ٢٠١١ وما هي رؤيتك للمشهد السوري الحالي؟

كانت الثورة بالنسبة لي حلماً بالتغيير والخلاص من كابوس الاستبداد، ومازالت، رغم أنّها وُوجهت بثورة مضادّة، نتيجة القمع الممنهج الذي انتهجه النظام. فالثورة كما أراها، لابدّ أن تُفضي إلى تغييرٍ جذريٍّ وشامل، يلبّي طوحات السوريّات والسوريين في بناء دولة المواطنة المتساوية والحريّات دون تمييز. والتغيير السياسي لن يكون مجدياً، إذا لم يترافق مع تغيير في إطار البيئة القانونية، ودستور يحمي النساء، ويثبّت حقوقهن، مترافقاً بآليات لحماية هذه الحقوق.

في الحقيقة، إنّ المشهد السوري معقّد، نتبيّن خيوطه من خلال الصراع الدوليّ المركّب. فالقرار لم يعد بيد السوريين/ات. لكن بالتأكيد أيّ تسوية سياسيّة لا يجب أن تمرّ إلا عبر الشعب السوري لتقرير مصيره، والحفاظ على وحدة أرضه. لذا لابدّ من حشد جميع القوى الديمقراطية لتكون فاعلة في هذه التسوية.

كلمه أخيره توجهينها للمرأه السوريه وللمعتقلات المغيبات في سجون النظام وسجون الفصائل الاسلامية؟

لابدّ من الاعتراف هنا، أنّ المنظمات الأممية والدوليّة المدافعة عن حقوق النساء، كانت قاصرة وعاجزة أمام هول الكارثة التي نمرّ بها. وفي الحقيقة نحن في ظلّ التدخلات الدوليّة والإقليمية نحتاج دعماً حقيقيّاً ومؤثّراً على المستوى الدوليّ، لتسريع وتيرة الحلّ السياسيّ. فالسوريّات قادرات على بناء مستقبل يليق بهن، مع إيقاف تدفّق السلاح، والحدّ من التدخلات الخارجية. وفي قضيّة المعتقلات والمعتقلين، لم تفلح الجهود الأمميّة في وضع حدّ لهذه الكارثة الإنسانيّة غير المسبوقة والمستمرّة، التي تتمثّل بمئات الآلاف من النساء والرجال، الذين مازالوا يواجهون الموت على مدى عشر سنوات خلت. ولابدّ أن يتّخذ المجتمع الدوليّ موقفاً جادّاً وملزماً للنظام وقوى الأمر الواقع، بالإفراج عن المعتقلات والمعتقلين، والكشف عن مصير المغيّبات والمغيّبين.

(انتهى)

غنت السيدة فيروز يوماً: (وحدن بيبقوا، متل زهر البيلسان، وحدن بيبقوا بيقطفوا وراق الزمان)، وكي لا يبقوا وحدهم، سنظل نستذكرهم ونستحضر نضالاتهم وعذابتهم وتجاربهم إلى أن يأتي يومٌ ينكسر فيه القيد، ويتحول المهجع رقم 11 الى مسرحٍ أو مقهى أو معرضٍ فني .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى