مقابلات صحفية

المهجع رقم 11: مقابلة مع المعتقل السابق أحمد دهمان

حاوره: اسماعيل كردية

الرقم 11 ليس رقماً كالأرقام، بل قضبانٌ قيدت حرية الملايين وحجزت ذات يومٍ أناساً لا جرم لهم سوى الحلمُ بوطنٍ تسوده العدالة والحرية والكرامة، والمساواة، والرفاه، والتقدم.
المهجع رقم 11: سلسة مقابلاتٍ حوارية مع عدد من معتقلي الرأي السابقين في سوريا نحاول من خلالها أن نرصد وإياكم تفاصيل تلك التجربة الإنسانية الصعبة التي مروا بها وعايشوها وطبعت في ذاكرتهم، تجربةٌ ما زال يعيشها حتى يومنا هذا ما يزيد عن نصف مليون سوري يقبعون في زنازين النظام السوري وأقبيته.

انفردت القبضة بهذا الحوار مع المعتقل أحمد محمد عبد الباسط دهمان من محافظة حماه مدينة سلمية مواليد 16\6\1995. درس في كلية الحقوق سنة ثانية، ولم ينه دراسته بسبب الملاحقة والاعتقال ومازال ناشطاً في المجال السياسي والإنساني للثورة السورية.

حدثنا عن أسباب وظروف اعتقالك من قبل أجهزة الأمن السوري؟
اعتقلت ثلاث مرات من قبل قوى الأمن السوري وكانت المرة الثالثة هي الأطول حيث اعتقلت تسعة أشهر بعد أن قامت قوى الأمن باعتقال أخي وأخذه كرهينة لديهم لأسلم نفسي. وتم اعتقالي المرة الثالثة على يد ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة سلمية أنا وخمسة عشر معتقلاً من نفس المدينة، حيث وجهت لنا تهمة التظاهر ضد الدولة والعمل على إسقاط نظام الحكم، وإقامة كمائن للجيش والقوات الرديفة.

حدثنا عن تفاصيل حياتك اليومية في المعتقل؟
لقد كونت تصوراً عاماً عن حياة الاعتقال من خلال التجربتين السابقتين، ولكن هذه الأفكار ما لبثت أن انهارت مع أول لحظة دخلت بها إلى فرع الأمانة العامة للدفاع الوطني في دمشق، ورغم أنني أمتلك الكثير من الأفكار عن مدى الاعتقال والتعذيب في هذه السجون المظلمة، لكني تفاجأت بشكل كبير. كانت صدمة عندما رأيت طفلاً في التاسعة من عمره بين 160 شخصٍ في غرفةٍ واحدةٍ، يدعى أحمد الكحلان من ريف دمشق – النشّابية – كان موجوداً في هذا المهجع من سنة ونصف. وكانت تلك أبلغ رسالة وصلتني في حينها عن مدى بشاعة ما يحصل في هذا الفرع. كان هنالك أكثر من خمسين شخصاً تعرضوا لحروقٍ في التعذيب على يمين المهجع في الداخل، وعلى يساره كان هنالك من أرهقتهم أمراض الجلد من جرب وغيره، أما من كان في داخل الحمام هم من كانوا يصارعون الموت وعلى شفى حفرة من الموت.

أطلق على سجون النظام السوري اسم المسلخ البشري. كيف كنت تتعامل مع فكرة الاستسلام للموت؟
لقد كان الموت قريباً مني في الكثير من اللحظات وفي بعض الأحيان فضلت أن أموت لكن لم يحالفني الحظ.. كان لديّ صبرٌ وجلدة لأني كنت مقتنعاً بالثورة. ولو دخلت المعتقل لأي سبب آخر، لفقدت عقلي بعد نصف ساعة

عملية إطلاق سراحك كيف كانت؟ وهل كان لديك أمل بالخروج من المعتقل؟
عملية إطلاق سراحي كانت في العفو الذي أصدره رأس النظام السوري في عام 2014 بعد فوزه بالانتخابات المزعومة، حيث تعاون عدد من الأشخاص ممن شاركوا بالثورة وعائلتي وتم توكيل محامٍ وساعدوني في الخروج ووضع اسمي في العفو الذي أصدر. أما الأمل فقد كان موجوداً حتى ولو بعد سنين. المعتقل يعيش على الأمل فقط. وكان لدي أمل آخر كنت أحلم به كل لحظة وهو أن أرى أبي المعتقل والذي اعتقل بعد عدة شهور ولم يخرج إلى الآن.

كَشاب انخرط في الثورة بعمرٍ صغيرٍ، ماهي نظرتك للأحزاب الموجودة على الساحة السورية؟
بما أنّ عملي السياسي كان فقط في الثورة وكبر معها في كل سنة وفي كل يوم. الأحزاب الموجودة قديمة بأفكارها وأشخاصها ومحدودية بقبول التغيير. أعتقد أن التطوير الوحيد هو أن انتماءها يتغير في الكثير من الفترات حسب ما تستدعي مصالحها. وليست لدي أي ثقة بأي حزب موجود يمينياً كان أو يسارياً. ورأيي الخاص أن ابقى مستقلاً إلى حين تكوين أرضية مناسبة لعمل الأحزاب في سوريا وأخذ حريتها.

العمل السياسي قبل انطلاق الثورة في سوريا كان معدوماً. كيف ترى تأثير ذلك على مسار الثورة السورية؟
لقد كلف ذلك الثورة محطات كبيرة عانت منها وكادت أن تنهيها. من أسلمة الفصائل والتطرف الديني وصولاً إلى عدم تقبل الآخر والانتماءات الخارجية. وعلى المستوى السياسي لم تكن هنالك جهة سياسية أو منظومة تضم آراء الثورة وتوجهها قادرة على العطاء وتحمل مسؤولية دم الشعب السوري..

هل أصابك الندم للانخراط بصفوف الثورة ودفع ثمنٍ باهظٍ؟
لا يمكن أن أندم. غير مسموح وغير مقبول.

تم انشاء منظمات كثيرة للعمل على ملف المعتقلين هل وصلت هذه المنظمات إلى المستوى المطلوب منها؟
لقد تواصلت مع عدة جهات قانونية لمعاقبة من كان سبباً في اعتقالي وتعذيبي وتعذيب غيري وأتمنى أن تؤدي واجبها بشكل يخدم قضية المغيّبين قسراً.

ماذا تعني لك الثورة السورية 2011 وما هي رؤيتك للمشهد السوري الحالي؟
_لقد تكوّنت شخصيّتي في هذه الثّورة، وذكرياتي وتاريخي ومستقبلي وحاضري، كل شي في حياتي منها وإليها. في بعض الأحيان يصيبني الإحباط وبعض الأرق لكن دائما أتذكر كل فكرة وكل لحظة في هذه الثورة تتغير حالتي.

هل تجد الحل في سوريا قريباً وكيف؟
المشهد الحالي: سلامٌ إجباريٌّ بين الشعب الثائر والموالي. النظام يأكل ما تبقى من هذا الشعب وهو جائع. أي ميلشيا في هذه الدنيا لا تقدر على الاستمرار بدون اقتصاد ومال.. الأسد لن يبقى في المستقبل القريب رغم تعويمه لأنه جائع.

كلمة أخيرة توجهها للمعتقلين وللمعتقلات المغيّبين في سجون النظام وسجون الفصائل الإسلامية؟
كلمة للمعتقلين ومنهم أبي والكثير من رفاقي.. لا أستطيع أن أقول لهم اصبروا لأنني خارج السجن ولا أستطيع أن أدعو لهم فقط لأنني لا أعرف كيف أدعو. فقط أستطيع أن أحسّ بقدرٍ كبيرٍ من كل الوجع الذي يصيبهم. أحس بالقهر لفكرة كيف يعيشون وأنا لا نستطيع فعل شيء.. (أنا فيني أبكي فقط أبكي).

(انتهى)
غنت السيدة فيروز يوماً: (وحدن بيبقوا، متل زهر البيلسان، وحدن بيبقوا بيقطفوا وراق الزمان)، وكي لا يبقوا وحدهم، سنظل نستذكرهم ونستحضر نضالاتهم وعذابتهم وتجاربهم إلى أن يأتي يومٌ ينكسر فيه القيد، ويتحول المهجع رقم 11 الى مسرحٍ أو مقهى أو معرضٍ فني .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى