مقابلات صحفية

الناشط بادي خليف للقبضة: لا يكفي فقط جمع التبرعات وانما الشفافية في توزيعها.

حاورته: ناتالي الدرويش

تناقلت وكالات الأنباء وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي الكثير من الصور المؤلمة عن معاناة اللاجئين والنازحين السوريين في المخيمات في الداخل السوري وفي دول الجوار، الأمر الذي دفع بالكثير من الناشطين حول العالم للتضامن معهم بطرق مختلفة.

بادي خليف، ناشط سوري معارض من مواليد مدينة حماة 1989، تضامن مع قضية النازحين في الحادي عشر من شباط/ فبراير الفائت بطريقة فريدة من نوعها. القبضة التقت بالناشط المقيم في ألمانيا وكان لنا معه الحوار التالي:

هلا عرفتنا عن نفسك بنبذةٍ مختصرة؟
اسمي بادي خليف، مصور فوتوغرافي لدى وكالة رويترز سابقاً، ومعدّ تقارير وثائقية، بالإضافة لعملي في مجال توثيق انتهاكات حقوق الانسان مع منظمة ويتنس الأميركية. أعمل حالياً في صناعة الأفلام الوثائقية وقد اعتقلت سابقاً لدى كل من النظام السوري وتنظيم داعش في سوريا.

ما مدى تأثير قضية النازحين السوريين عليك؟
قضية النازحين السورين بالنسبة هي مسألة حياة أو موت. إما أن ننتصر أو نموت في سبيل الدفاع عن المظلومين والناس الذين قطعت على نفسي عهد الدفاع عنهم ما حييت. أنا جزء من هذا الشعب وابن تلك المناطق التي دُمّرت وهُجّر أهلها، وتلك القضية تعادل ثلث عمري الذي قضيته بين المعتقلات وساحات التظاهر. هي مستقبلي وحاضري ويومي وغدي ولحظاتي التي إن اختليت بنفسي كانت حاضرة في قلبي وفكري.

كيف عبّرت خلال طوال السنوات الماضية عن تضامنك مع النازحين السوريين في المخيمات؟
في بداية الأمر، وكما ذكرت، عندما خرجت أول مظاهرة في مدينة اللاذقية السورية لنصرة أطفال درعا، كنت قد شاركت بها للتضامن مع أهالي المعتقلين والشهداء والجرحى عام ٢٠١١، وعلى أثر هذه المظاهرة التي تعد الأولى في مدينة اللاذقية، تم اعتقالي وتعذيبي بوحشية من قبل المخابرات السورية. بعد خروجي من المعتقل أقسمت أن أعود لساحات التظاهر وأن أعمل لخدمة الثورة والدفاع عن المتظاهرين صباحاً في تنظيم المظاهرات، ومساءً أقود المظاهرات وأهتف وأمامي آلاف المتظاهرين. لم يتوقف عملي على المشاركة في المظاهرات فحسب، بل بدأت بتصويرها ورصد تحركات الأمن والشبيحة وتوثيق الانتهاكات من قصف وهدم واقتحامات للأحياء الثائرة. وبسبب القبضة الأمنية الشرسة والمحاولات الفاشلة لاعتقالي من قبل عناصر الأمن والمخابرات، ومطاردتي المستمرة بين المنازل والأحياء، أُجبرت مرغماً على الخروج من حماة.
كانت وجهتي الأولى حمص، حيث بدأت هناك في نسق جديد. كانت بداياتي الأولى في التصوير الفوتوغرافي وإعداد التقارير الحربية. وجهتي الثانية كانت ريف حماة الشمالي، حيث بدأت هناك بالعمل مع عدة وكالات عالمية كرويترز والتايمز وAFP الفرنسية، إضافة للمداخلات التلفزيونية على القنوات الإخبارية كقناة فرانس24 وسكاي نيوز وغيرها من القنوات العربية كالجزيرة والعربية. كانت الثورة ومازالت معشوقتي وحبي العذري الطاهر. حاولت بكل ما استطعت من قوة وحب العمل أن أخدمها وأن أسهر على ايصال الرسالة بالصوت والصورة، وأغلب تلك اللحظات كانت مترافقة بالدموع والحزن بسبب المجازر التي كنت أوثقها عند قصف منازل الآمنين في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد.

قمتَ بتصوير نفسك في العراء وتحت الثلج، لماذا اخترت التضامن مع النازحين بهذه الطريقة دوناً عن الطرق التقليدية الأخرى؟
“قاتل بكل ما استطعت من قوة”، هذا هو شعاري الذي اتخذته منذ أول صرخة صدحت بها حنجرتي في وجه الظلم وآلة الموت. ربما لم تظهر الندبات في تلك الصورة التي تم التقاطها، أو دعينا لا ننقصها حقّها في التعبير ولنقل الأوسمة التي قد منحتني إياها الثورة السورية من شرف وعزة نفس وأمانة يكاد ظهري يقسم إلى نصفين من حملها. في كل مرة كنت أتعرض بها للإصابات، يولد بداخلي أمل جديد وإصرار على المضي قدماً للدفاع عن أطفال الخيام والمظلومين. كانت تغريدةً خارج السرب لعل وعسى أن ألامس قلوب مدعي الإنسانية ومناصري حقوق الإنسان. وإن صح التعبير، فهي صرخة ألم لكشف الستار والاستيقاظ من ذلك السُّبات. تلك الغصة وحرقة القلب والحزن هما ما دفعني للجلوس على الثلج تارة لإسكات ندباتي التي تدفعني لإيصال صوت هؤلاء الناس المغيبين، وتارة أخاطب بها قلوباً لاتزال تحمل جزءًا ضئيلاً من الإنسانية.

اعتبر كثيرون أن هذه الطريقة مميزة وخارجة عن المألوف، كيف كانت تحضيرات هذا الفيديو؟ وكم استغرقت حتى انتهيت من تصويره؟
بالنسبة للتحضيرات، فقد استغرقت ما يقارب عشرة أيام ما بين تجهيز الفيديوهات والتنسيق مع منظمات حقوقية وانسانية. وبالنسبة لتصوير الفيديو، فقد تراوحت المدة بين 60 و70 دقيقة على ما أذكر فوق الثلج. لكن، وبكل شفافية وصدق، كنت أشعر طوال هذه المدة أنني جالس قرب مدفئة شديدة الحرارة والتوهج.

شجعك الكثير من الناس واعتبروا أن ما قمت به هو عملٌ بطولي، وبالمقابل تعرضت للكثير من الانتقادات حتى أن البعض وصفك بالمستعرض “المتفزلك” الباحث عن الشهرة، كيفَ تلقيتَ هذه الآراء المتباينة حول مبادرتك؟
كل الاحترام والحب لمن تضامن مع السوريين عن طريق متابعة نشر الفيديو والصورة فوق الثلج. جميل أن يجتمع بنو البشر على هدف نبيل ويدعمون المحتاجين بكل محبة وانسانية. أما بالنسبة للأشخاص الذين عارضوا ذلك واعتبروه استعراضاً وبحثاً عن الشهرة، فهو ليس بالأمر الجديد صراحةً. ولو كان كل هؤلاء منهمكين في نصرة هذه الثورة والتفكير والعمل على إيجاد حلول تساهم في وقف الحرب أو تأمين حذاء لطفل صغير يمشي حافيا على الثلج، لما وجدنا أحداً لديه الوقت للامتعاض والسخرية والازدراء. ربما كنتُ على صواب وربما أخطأت في ذلك. دعونا نبتعد عن القشور ونركز ونصب اهتمامنا على الطامة الكبرى، وهي مفترشو العراء أصحاب الامعاء الخاوية. لست بصدد تقييم هل كان عملي صحيحا أم خاطئاً، وإنما بصدد مساعدة أولئك المحتاجين. لست ممتناً بالجلوس على الثلج بدرجة حرارة اثنتي عشر درجة تحت الصفر، كنت أتمنى أن أجلس هكذا على شواطئ ميامي وجزر المالديف أحتسي شرابي المفضل، ولكننا الآن نواجه مأساة العصر التي لم يشهد مثلها التاريخ، لا في زمن هتلر، ولا في الحربين العالميتين الأولى والثانية. من وجهة نظري، هذا التقييم بعد مشاهدة الجثث التي تنهشها الكلاب في أماكن الحصار هو حرية في التعبير، وأنا متقبل لجميع الملاحظات والانتقادات، وأنا أحد المطالبين بالحرية، ولكن هناك فرق بين التنمر وبين إبداء الرأي ووجهات النظر.

هل تعتقد بأن الحملة قد حققت النتائج المرجوة منها؟ وهل لهذا النوع من الحملات تأثيرٌ على مجرى الأحداث والقضايا؟ وهل لاقت الحملة رواجاً في أوساط السوريين أو حتى بين ناشطي المجتمع المدني وحقوق الانسان حول العالم؟
لا يمكنني أن أجزم بأن الحملة قد حققت آثاراً إيجابية على الصعيدين السوري والعالمي، غير أنني وجدت تأييداً كبيراً وتضامناً مع الحملة بين أطياف الشعبين السوري والغربي، بدءاً من أوروبا ووصولاً إلى الولايات المتحدة. أحد الناشطين الأمريكيين العاملين في مجال حقوق الانسان قرر تخصيص مبلغ مالي لدعم الاطفال المحتاجين بعد مشاهدة الحملة، ولكن ولأسباب شخصية، لم يستمر جمع التبرعات عن طريقه.

أيامٌ وتدخل مأساة النازحين السوريين في داخل سوريا وفي دول الجوار عامها العاشر. وفي كل شتاء، تصل الى العالم بأكمله عبر وسائل الإعلام صورٌ تروي فصول نكبةٍ انسانية مريعة وذلك بالرغم من الدعم المؤسساتي والتبرعات الحكومية وحملات التبرع الشعبية حول العالم، والتي فاقت بين عامي 2012 و2019 الأربعة مليارات دولار مخصصة لإعانة اللاجئين لاجتياز صعوبات فصل الشتاء، بالإضافة لوجود ما يفوق الـ 200 منظمة وجمعية إغاثية في الشمال السوري تستجر التبرعات على مدار العام من السوريين والعرب والمتعاطفين مع قضية النازحين حول العالم. ومع ذلك، المأساة هي ذاتها تتجدد في كل عام. فما هو تبريرك لهذه الظاهرة؟ وما الحل الذي تراه مناسباً كي لا يعيش هؤلاء النازحين شتاءً مؤلماً آخر؟
صراحة، لم أحبذ أو أرغب بالعمل في مجال جمع التبرعات لأسباب عديدة أهمها التجاوزات والمحسوبيات من جهة، وانعدام شفافية العمل لدى بعض المنظمات من جهة أخرى. ومع ذلك، لا يجب أن نحمل المنظمات العبء كاملاً، فالملابس التي تصل والخيم التي يتم تقديمها ليست من حديد، وفي ظل انعدام الكهرباء والماء، وقسوة الزمان والمكان، فإن صندوق المعونة يبقى صندوق معونة وليس مصباحاً سحرياً قادراً على تحقيق جميع الأمنيات. لكن لي عتب كبير على القائمين على جمع التبرعات وتوزيعها في ظروف غامضة. ولستُ أخوّنُ أحداً وإنما أحثهم على العمل بشفافية أكثر، فنحن شعب لا يمكن ارضاؤه. على سبيل المثال، مجرد صورة فوق الثلج وجدنا المؤيد والمعارض لها فكيف حين نتكلم عن موضوع أكبر من ذلك بكثير. لا يكفي فقط جمع التبرعات وانما الشفافية في توزيعها.

ما هي خططك المستقبلية لدعم هذه القضية؟
أعمل حالياً على بعض الأعمال السينمائية المتعلقة بالشأن السوري، وأقوم بتصوير فيلم سيتم ذكر تفاصيله عما قريب لإيصال صوت أولئك الناس الذين نعيش في أوروبا على حساب تضحياتهم وصمودهم الجبار في وجه الموت والبرد والجوع.

في الختام، هل لديك أية رسالة تود أن توجهها للمتضامنين والمتعاطفين مع النازحين السوريين في المخيمات؟
رسالتي هي للعالم أجمع وليس فقط للمتضامنين مع الشأن السوري، سارعوا لتدارك هذه الطامة قبل فوات الأوان. بالأمس كانت في ليبيا ومن ثم مصر، والآن سوريا ولبنان، وربما غداً في أماكن لا يتوقع أحد حدوث ثورات بها. تضامنوا مع هذا الشعب لتجدوا من يتضامن معكم غداً. الثورات قادمة لامحالة، فهي إعصار سيجوب العالم أجمع. ولذلك، رسالتي الأخيرة هي: “عبثاً تُحاولُ لا فناءَ لثائرٍ.. أنا كالقيامة ذاتَ يومٍ آتِ.”

Latest posts by ناتالي الدرويش (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى