عين على سوريا

بعض من طبائع الثورة السورية

انطلاقا من تعريف الثورة بأن مسببها هو بشكل غير مباشر صانعها، وأمر الثورة لا يتعلق الا ثانويا بمنفذها، وقد يكون المنفذ مجرما أو ملاكا، وثورات العالم الكبرى والمعروفة لا تبرهن عن ملائكية المنفذ، وانما برهنت دائما عن وجود شوائب كثيرة وكبيرة في صفوف المنفذين، خاصة عندما تفشل المساعي الثورية المدنية في تحقيق المراد من الثورة، وهذا المراد يتوافق عكسيا ويتناسب طردا مع خواص السلطة أو الحكم الذي اندلعت الثورة ضده، فكلما ازدادت مثالب الحكم ازدادت المطالب، وعندما يفلس الحكم نهائيا تتطور المطالب الى مطلب اسقاطه بكامل ركائزه وأركانه، وعندما يستعصي تنفيذ المطلب على الالحاح المدني يأتي دور السلاح أي الحرب الأهلية، ويأتي أيضا دور قطاع الطرق من كافة الأطراف، فالملائكة لا تتكلم بلغة الرصاص، والرصاص الذي هو رمز ووسيلة العنف لا يأتي رغبة وادمانا وارادة، وانما قسرا، تدوي أصوات الرصاص عندما تختفي مرغمة أصوات الأكثرية العددية المدنية، وعندما يسيطر القنوط واليأس على الحراك المدني أو عندما تستطيع السلطة اغتيال مدنية الحراك، كأن تسلط أفواه بنادقها على المتظاهرين أو أن تقوم باعتقال أو اغتيال المعارضة المدنية وترهيبها ودفعها الى التشتت أو الهروب أو الخنوع أو التملق.

لا غريب في الثورة السورية، انها صورة طبق الأصل عن الثورات الأخرى، ذلك لأن النظام هي صورة طبق الأصل عن غيره من الأنظمة المتعفنة الفاسدة الظالمة الديكتاتورية، كما أن مسيرة الثورة السورية هي صورة طبق الأصل عن مسيرة الثورات الأخرى، وحتى لو فشلت الثورة في الجولة الأولى لا تفقد تشابهها مع الثورات الأخرى، فالثورات لا تنجح عادة من المحاولة الأولى، وعندما تفشل تستدعي ثورات أخرى لتصحيحها واستكمالها وانجاحها .. فالثورة الروسية على سبيل المثال استمرت خمس سنوات بشكل حرب اهلية استنزفت الطبقة التي قامت بها وعاش المجتمع الروسي خلالها كما عاش أهل الغوطة الشرقية.. أكلوا لحم البشر وأوراق الشجر، وانهارت البلاد حتى اضطر البلاشفة الى التخلي عن أجزاء من روسيا للحفاظ على أجزاء أخرى، وشأن الثورة الفرنسية لا يختلف بخطوطه التعثرية العريضة عن شأن الثورة الروسية، ألم تنتج هذه الثورة مجددا ملكا بعد عشر سنوات (نابوليون) ومن سيطر على مشاهد الثورة في البداية ؟، ألم يكن دانتون ومارا وروبيسبيير!، ألم يسيطر المجرمون علي مسيرتها العنفية الحربية، وهي التي أنتجت قيم حقوق الانسان، وما أشبه الملك للويس السادس عشر وزوجته وعلاقتهم بالكنيسة ورجال الدين والفساد والغطرسة مع الأسد والحاشية ، ثم لنأخذ بشكل مختصر الثورة الانكليزية، ومطالبها البسيطة نسبيا، لم تكن ضد الملك، وانما ضد طريقة حكم الملك، وهذه الثورة تميزت بثلاثة حورب ضارية، كل منها دام سنوات وانتهت بكرومويل، ومن الممكن تعداد الكثير من الثورات، وليس من النادر ان تدوم ثورة عشرات السنين، وبناء عليه يجب اعتبار الثورة السورية في بدايتها.

الحراك الذي لا يلاقي تجاوبا ايجابيا يتحول الى الحرب، والى الحرب الأهلية، وكل حرب أهلية تستدعي التدخل الخارجي بدون أي استثناء، ففي الثورة الروسية تدخلت القوى الخارجية المعادية للثورة، وفي الحرب الأهلية الاسبانية تدخلت كامل أوروبا شعبا وحكومات، وفي الثورة الفرنسية، والأفضل هنا التحدث عن ما لا يقل عن ثلاثة ثورات فرنسية، تدخل الخارج بكثافة وفاعلية، والتدخل كان جليا في الحرب الاسبانية الأهلية، وفي الحرب الأهلية الأمريكية، وفي الحرب الاهلية السودانية وفي ليبيا، ولا توجد حرب أهلية دون تدخل خارجي، حتى أنه لا يمكن لحرب أهلية أن تندلع دون تدخل خارجي، فمن أين يأتي المال والسلاح للجهة التي لا تملك المال ولا السلاح، والعجب في الحالة السورية هي اعتبار التدخل الخارجي من قبل النظام ممثلا للثورة ومنفذا لها(لا توجد ثورة وانما حرب بين دول)، في حين أن النظام يعتمد بشكل رئيسي على مؤازرة التدخل الخارجي، ولولا التدخل الخارجي لصالح النظام لما بقي على الكرسي لهذه السنوات.

الا ان التركيز على تدخل خارجي لصالح الثورة والتعامي عن تدخل خارجي لصالح النظام، لهو نوع من ممارسة سياسية هدفها الانتقاص من الثورة ومن المعارضين ووصمهم بخاتم الخيانة. أمر قد يمر على البسطاء، وليس لمن يملك معارف تاريخية الا الاستهزاء من طرح من هذا النوع، النظام يريد بطرحه هذا القول على أنه لا توجد في سوريا أي اسباب لثورة، لأنه لا يوجد فساد ولا توجد ديكتاتورية ولا توجد سجون ولا يوجد معتقلين، والحرية تتبختر في عرسها، والديموقراطية تعيش شهر العسل، وكل شيء على ما يرام، فلماذا الثورة ؟.

لاشك اطلاقا بأن النظام لا يجد دواعي لثورة، والزمرة المستفيد حوله منشرحة ومستريحة جدا بجهل الأسد، انه الوحش آكل لحم البشر الذي انفلت على من يريد حرية وديموقراطية وعلى من لا يريد الفساد، وهو الذي يحمل مسؤولية التوحش، وهو الذي سيكون نصيبه كنصيب القيصر الروسي أو لويس السادس عشر أو القذافي، أما حمشو وذو الهمة شاليش ورفعت الأسد وجميل الأسد وغيرهم فقد حملوا سرقاتهم ووضعوها في سويسرا الشرق (دبي)، وفي اللحظة الضرورية سيطيرون وراء أموالهم، بينما نأمل أن يجلس الأسد في القفص، ومعه سيجلس العديد من أفراد طائفة تم التغرير بها. منهم من قتل في الحروب، وعددهم كبير ولا يستهان به، ومنهم من ينتظره ثأر ألآخر، ومنهم من ينتظره السجن والمحاكمة، والأخطر من كل ذلك هو خروج أعظمية الطائفة من التاريخ السوري والتحاقها بالتاريخ العلوي الأسدي، انها بالدرجة الأولى خيانة للذات وورطة لا يستطيع غير ذو العقل والفهم والادراك التاريخي معرفة أبعادها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى