تلك الأيام

بنو اسرائيل – التاريخ والأسطورة

قليلة هي الابحاث في تراثنا الفكري، وتحديدا في مجاله الديني، التي توقفت للبحث والتنقيب او ما يمكن ان يطلق عليه، ” الحفر المعرفي ” حول ما يسمى الاسرائيليات، ومدى تسربها باعتبارها عقيدة او تاريخ، الى للفكر الديني الاسلامي والتاريخ العربي بشكل عام، وهذا البحث القصير هو عبارة عن مقدمة ضرورية لفك الاشتباك بين مصطلحات دينية وتاريخية من المهم فك الاشتباك بينها حتى لا تستخدم في معنى ودلالة دينية وتاريخية واحدة في اي عمل فكري او حتى مقالة وهو الشائع في الغالب من الدراسات والمقالات العربية التي تتحدث عن اليهود بشكل عام وهذا الذي اسميته اشتباك المصطلحات او تداخلها عندما يبقى على حاله في اي موضوع دراسة او مقالة تكتب عن تاريخ هذا الشعب ” بني إسرائيل ” تؤدي الى خلط مباشر في ذهن المتلقي بين هذا المصطلح او التسمية التاريخية لشعب او فئة اجتماعية يعود تاريخيها الى الالف الثانية قبل الميلاد لها سياقها في الدراسات التاريخية وبين مفاهيم وارتباطات حديثة قامت الحركات الصهيونية المسيحية والصهيونية اليهودية بإدخالها الى حيز التاريخ المعاصر.
في البداية، اعتقد ان اطلاق اصطلاح الإسرائيليات على مجموعة الافكار الدينية والإحداث التاريخية، التي تسربت الى الثقافة العربية الاسلامية، هو استخدام غير موفق او معبر عن حقيقة هذه الاشكالية، في العلاقة بين التاريخ والتاريخ الفكري للمفاهيم والأساطير الاسرائيلية – اليهودية، وبين الفكر الديني الاسلامي والتاريخ العربي.
مع ان مصطلح الاسرائيليات، قد استخدم ولا يزال، من اغلب الباحثين والمؤرخين الذين درسوا هذا الموضوع، فقد تم استخدامه بشكل مجمل لتوصيف الاساطير واو الافكار والمعتقدات الدينية اليهودية، التي تسربت الى الثقافة العربية الاسلامية، وأصبحت جزء منها وهو جزء، لا زال فاعل حتى في تفسير الايات القرآنية والأحاديث النبوية، وفي الروايات التقليدية، التي يتبناها اغلب الكتاب والباحثين في الشأن التاريخي العربي – السوري القديم، وقراءته، ضمن الاطار الاسطوري التوراتي اليهودي.
والأكثر دقة من الناحية التاريخية، ان يطلق عليها مصطلح ” اليهوديات “، وسوف يتضح من خلال فك الاشتباك، القائم بين مصطلحات العبرانية والإسرائيلية واليهودية، لماذا من الادق ان تكون هذه المرويات والإحداث، يهوديات وليست اسرائيليات.

ساهمت اليهوديات في تشكيل العقل العربي، وذلك من خلال تسربها، الى اخطر مجال من مجالات هذا العقل، وهو المجال او الحيز الديني، وتحديدا الرواية الدينية للتاريخ (القص القرآني) احد هذه المجالات، وقد اشار الدكتور محمد عابد الجابري في مؤلفه ” تكوين العقل العربي ” الى ذلك بقوله (نعم لقد تسربت الاسرائيليات وهي على العموم اخبار الغيب والجنة والنار المستقاة من التوراة والتلمود الى الثقافة العربية الاسلامية… ومن هنا ستقدم الاسرائيليات للفكر الديني العربي تاريخ ما قبل وما بعد تاريخه تاريخ الحياة الدنيا وتاريخ الحياة الاخرى… وعلى الرغم من الجهود التي بذلها الكثير من المفسرين ورجال الحديث والفقهاء لتخليص العقيدة الاسلامية مما خالطها من الاسرائيليات فان هذه الاخيرة بقيت الى اليوم مصدرا لا ينضب من مصادر اللامعقول في الفكر الديني العربي وخاصة لدى اوساط العامة وداخل الثقافة الشعبية الدينية في المجتمعات العربية الاسلامية.) (1)
ان هذه الفقرات تتحدث بشكل مكثف، عن اكثر من حقل قد تسربت اليه (الاسرائيليات – اليهوديات)، ولكن لان مجال البحث لا يتسع لكل هذه الحقول، لذلك سوف نقصره على جانب من هذه الحقول، وهو ” الحقل التاريخي ” وهو ما ذكره الجابري في نصه على انه تاريخ الحياة الدنيا، وبمعنى اخر هي الاساطير اليهودية، التي تسربت الى التاريخ العربي لتتمكن من احد اخطر حقوله، وهو حقل الرواية الدينية للتاريخ او القص القراني والاحاديثي، والخطورة هنا لا تنال الفكر الديني الاسلامي فقط، بل تجمعه في اطار واحد مع الفكر الديني المسيحي، حيث ان حضور الاساطير اليهودية، في كلا الفكريين يوحد روايتهم الى حد بعيد، حول قدسية النسب اليهودي وقدسية الحركة التاريخية للاسرائيلين واليهود في فلسطين، و سوريا الطبيعية بشكل عام.
الابراهيمية
انطلاقا مما تقدم، يمكن البدء من مفهوم ” الابراهيمية “، وان كان غير شائع الاستعمال في الدراسات التاريخية، إلا انه يستخدم بالعادة، في وصف الديانات السماوية الثلاث : اليهودية،، المسيحية، الإسلام) بأنها ابراهيمية.
يملك هذا المصطلح، مجال خطير للتأصيل ضمن التشكيلة الثقافة لهذه المنطقة، اضافة الى ان هذا المفهوم، بداء يتمفصل من زمن داخل الخطاب السياسي العربي، والرسمي تحديدا، فهذا المفهوم يملك مجال خصب ومحدد المعالم، ببعده التاريخي المحاط بهالة القدسية، لاستخدامه في ترسيخ افكار محددة، في الوجدان الشعبي العام، بما يخدم توجهات الخطاب السياسي العربي الرسمي.
في البداية، لا بد من سبر غور المجال التاريخي الديني، لما اصطلح عليه بالإبراهيمية، التي هي تسمية او نسبة، اصطلح عليها واتخذت بعدا في التاريخ، ذو دلالة نسبية مقدسة، تمتد منذ الالف الثانية قبل الميلاد، لتربط بين مجموعة من الشعوب والأدق القبائل التي يمتد نسبها، الى احد ابناء النبي ابراهيم برابطة دموية.

اما عن مصدر مفهوم الابراهيمية، فهي بالأساس تجد سندها التاريخي والديني، في مصدر رئيسي واحد، لا يكاد يوجد مصدر تاريخي اخر يؤيده، إلا وهو التوراة، التي انتقل منها اغلب القصص، او الروايات التاريخية – الدينية، الى الثقافة العربية الاسلامية.
تبدا القصة التوراتية، بعد خروج النبي ابراهيم من مدينته اور، في سورية الشرقية او (العراق الحالي) كان برفقته ابيه تارح وابن اخيه لوط وزوجته سارة، الذين خرجوا متجهين الى، ارض كنعان، وخلال هذه الرحلة اقاموا، في حران حيث توفي تارح، وبعد ذلك اتموا رحلتهم الى ارض كنعان، حيث استقروا، وإذ ذاك ظهر الرب لإبراهيم، وقال له ” لنسلك اعطي هذه الارض ” وبسبب موسم جدب، كان قد اصاب ارض كنعان، توجه ابراهيم الى ارض مصر، وعاد من هناك بعد فترة وجيزة، وهو يملك الكثير من الاموال، ولكون سارة زوجته كانت عاقرا، فقد دفعت جاريتها هاجر، الى ابراهيم ليدخل عليها، وما فتئت هاجر ان انجبت، اسماعيل، وهو الذي تسبب بحقد، سارة على هاجر، مما دعاها للضغط على ابراهيم لطردها. وبعد فترة من الزمن، حملت سارة، وهو ما يشكل معجزة، نظرا لسنها الكبير، ذلك لوقت، وأنجبت اسحاق، وما لبثت بعدها ان ماتت، وعاد ابراهيم ليتزوج من امرأة اسمها قطوره، والتي بدورها انجبت له ستة ابناء هم، زمران ويقشان ومدان ويشباق وشوحا.
اما اسماعيل الابن البكر لإبراهيم، فقد تزوج، وأنجب اثنى عشر ولدا كان البكر فيهم يدعى (عيسو – ادوم) اما اسحاق، فهو الاخر تزوج وأنجب اثنى عشر ولدا، وهم الذي اطلق عليهم فيما بعد (اسباط اسرائيل الاثنا عشر) او بني اسرائيل.
ومن هنا تبدأ الرحلة التاريخية، لهذه (القبيلة المقدسة) فقد ارتحلت هذه القبيلة، الى ارض مصر، بسبب الجدب الذي اصاب ارض كنعان، التي كانوا يقيمون بها، فقد كان اخيهم يوسف حسب هذه الرواية، قد اصبح وزيرا (لملك) مصر حينها، واستقروا هناك حقبة طويلة من الزمن، تقدر احيانا بأنها أربعمائة عام، وفي اواخر عهد وجودهم في ارض مصر، تعرضوا للاضطهاد، على ايدي المصريين، فقرروا الخروج من (ارض العبودية)، بقيادة النبي موسى، متجهين الى الارض الموعودة، وبعد وفاة موسى، قام قادة الإسرائيليين، بشن حروب طاحنة على، الشعوب القاطنة، في شرق الاردن وارض كنعان.
وانتهى امر هذه الحروب والغزوات، بان استطاع بنو اسرائيل، اقامة مملكتي اسرائيل ويهوذا، اللتين كثيرا ما دخلتا في حروب ضد بعضهما البعض، لأسباب سياسية او قبلية، وخلال تلك الحقبة الزمنية، قام ملوك سوريه الشرقية (العراق الحالي)، بتدمير المملكتين، وسبي سكانهما، ابتدأ ذلك مع الملك (سرجون الاكادي)، الذي دمر مملكة اسرائيل، اما الملك الثاني فهو (نبوخذ نصر) الذي دمر مملكة يهوذا، وبعد ذلك قام الملك الفارسي قورش، بإطلاق سراحهم، وفك اسر عبوديتهم والسماح لهم بالعودة الى ارض كنعان. (2)
هنا تنتهي الرواية التوراتية لبني اسرائيل، ليبدأ فصل جديد من تاريخهم، ومن المهم الاشارة هنا ان فترة السبي، لم تكن عبودية بالمعنى الكامل كما يفهم البعض، فقد اختلطوا بشكل او بأخر، بشعوب تلك الممالك ذلك الوقت، واكتسبوا الكثير من اسس، ومعالم الثقافة والحضارة السائدة لتلك الشعوب، وهو ما سيكون له الاثر الاكبر في ولادة الديانة اليهودية في شكلها الجديد، والأثر البالغ في كتابة اسفار التوراة على ايدي كهنتهم فيما بعد، والتي وصلت الينا بشكلها المتداول.
وقبل البدء، في توضيح الفروق بين المفاهيم او المراحل المختلفة، التي مرت بها قبيلة بني اسرائيل، او بنو اسرائيل، والتسميات التي ارتبط وجودها بمراحل مختلفة، من تاريخ هذه القبيلة، لا بد من الاشارة الى ان هناك الكثير من الباحثين، الذين شككوا بصحة الرواية التوراتية، من اسسها، اي كاملة واعتبروها اسطورة، وبعضهم الاخر ينقد، اغلب مفاصل هذه الرواية، كما وردت في التوراة، وهذا النقد والتشكيك، لا يعود لأسباب دينية لكونه ابحاث علمية، قائمة على البحث والتحري والتنقيب، المستند الى مكتشفات علم الاثار وعلوم اللغات السامية، وبعض من ابرز هؤلاء الباحثين هم من اليهود.
ولا بد من التوضيح هنا، ان التوراة كما هي اليوم، لا ينسب منها الى النبي موسى، إلا الاسفار الخمسة الاولى، اما باقي الاسفار فهيا تنسب الى مجموعة ممن اطلق عليهم، انبياء بني اسرائيل، والبعض منها مجهول الهوية او المصدر.
بنو اسرائيل
بعيدا عن الرواية التوراتية، حول اصل بني اسرائيل، ومنطقة تواجدهم تاريخيا، بزت في العصر الحديث العديد، من النظريات التي اعادة نقاش كل اسس الرواية التوراتية، وقدمت رؤى او نظريات جديدة، لا يزال النقاش حولها قائم، حول اصل التسميات الخاصة، باليهود والتي رافقت تاريخهم، وحتى تتضح الصورة اكثر، لا بد من اعتبار هذه التسميات مراحل تاريخية مختلفة في تاريخ اليهود : وهي العبرانية والإسرائيلية واليهودية.
العبرانيون :
تتحدث التوراة عن العبرانيين، بشكل غامض حيث وصفت النبي ابراهيم، بأنه عبري، دون ايضاح معنى ذلك، وقد اتجه بعض الدارسين للتوراة الى، القول ان عبري هي نسبة الى احد ابائه الاقدمين كان يدعى ” عيبر “، ولكن يبدو ان هذا التفسير ليس له سند تاريخي حتى التوراة ذاتها لم يرد بها ما يشير الى ذلك.
وفي هذا الشأن يرى، ا. ولفنسونى، في كتابه ” تاريخ اللغات السامية “، (ان كلمة عبري لا ترجع الى شخص معين او حاثة ما وإنما الى الموطن الاصلي لبني اسرائيل حيث كان الإسرائيليين في الاصل من الشعوب البدوية التي تعيش في الصحراء ولا تستقر في مكان محدد ويرى ان كلمة ” عبر ” بمعنى قطع او عبر الوادي او النهر وعبري مشتقة من الاصل عبر بمعنى قطع الطريق وهي في مجملها تدل على التحول والتنقل وهي صفة ملازمة لسكان الصحراء وفي رأيه ان كلمة عبري هي رديف لكلمة ” بدوي ” في العربية). (3)
هذا التفسير يستند الى تحليل مقارن لأصول الكلمات اللغات السامية، والتي هي بالأصل تنتمي الى شجرة لغوية واحدة، يقول الدكتور كمال ربحي، (ان البحث العلمي دل على ان اللغة العبرية القديمة قد نشأت في ارض كنعان قبل نزوح الإسرائيليين اليها وهذه اللغة هي التي ورد ذكرها في سفر اشعيا تحت اسم (سفت كنعان او لغة كنعان) وعندما هاجر العبريون الى ارض كنعان في القرن الثالث عشر قبل الميلاد كانوا يتكلمون لهجة تقرب من احدى لهجات الآرامية القديمة حيث اخذوا يستعملون لغة البلاد وبدأوا ينسون لغتهم وبناء على هذا فان اللغة العبرية ليست لغة كل العبرانيين بل هي لغة فرع واحد من فروع العبرانيين وهو بني اسرائيل)
والمهم في الخلاف او الاختلاف بين النظريات، المفسرة لمعنى العبرانيين او العبرية، ان اغلب هذه الدراسات، تخلص الى ان العبيرو او العبرانيين ليست اسم لقبيلة او شعب ما، ولا تدل على اصل سلالي. وإنما هي وصف او صفة لطبيعة الحياة، التي كانت تحياها مجموعة من القبائل في قوس الصحراء السورية، وفي شمال الجزيرة العربية، قبل ان تستقر بشكل نهائي في المراكز الحضرية، في ذلك الوقت، ومن ضمن هذه القبائل، كانت قبيلة بني اسرائيل، التي كانت عبريه، لفترة محددة من تاريخها، حتى استقرت في المراكز الحضرية، واختلطت مع الشعوب المتمدنة في سوريا الطبيعية.
ان الراوية التوراتية لتاريخ العبرانيين وبني اسرائيل، ومثلها الدراسات التي تناولت تاريخ هذا الشعب، قد اعتمدت على بعد محدد في رواية ودراسة تاريخ هذا الشعب، وهو افتراض ان (المسرح الجغرافي) لتاريخ شعوب التوراة كان في منطقة (سوريا الطبيعية او الهلال الخصيب)، وهو افتراض ظهر ما يقلبه راس على عقب في دراسات حديثة، قد يكون من ابرز هذه الدراسات، نظرية الدكتور كمال صليبي، في كتابه المعروف ” التوراة جاءت من جزيرة العرب “، تقوم النظرية على فرضية، ان الجغرافيا التاريخية والبشرية للتوراة لم تكن في منطقة ” الهلال الخصيب ” اي سوريا الطبيعية والعراق، كما تقول التوراة بشكل غير مباشر، وساندها في ذلك الدراسات التي قام بها عدد كبير من الباحثين والعلماء الغربيين، بل ان هذه الجغرافيا التاريخية والبشرية، كانت في غرب شبه الجزيرة العربية، وتحديد في ” بلاد السراة “، الواقعة بين الطائف ومشارف اليمن، وقد استند الدكتور كمال صليبي في نظريته، على التحليل اللغوي للأسماء الواردة في التوراة، يقول صليبي (… التحليل اللغوي للاسم (عبر) الذي منه اسم ال (عبريم) اي العبرانيين والرأي السائد هو ان عبر بالعبرية يقابله بالعربية الجذر (عبر) بمعنى قطع اي انتقل من جهة الى اخرى ولعل هذا صحيح ولكن هناك امكانية اخرى وهي ان عبر يقابلها بالعربية الجذر الاسمي (غبر) علما بان حرف الغين لا وجود له في الابجدية العبرية وقد جرت محاولات عديدة لتعريف ال (عبريم) التوراتيين بأنهم هم ذاتهم ال خا – في – رو (خفر بلا تصويت) المذكورين في النصوص المسمارية وال (عفرم) جمع عفر المذكورين في النصوص الآوجاريتية وال (خابيرو) خبر بلا تصويت المذكورين في رسائل تل العمارنة وال عفر المذكورين في النصوص المصرية ومن العلماء من رأى بان هذه الاسماء وكذلك اسم عبريم بالعبرية كانت تطلق في القدم ليس على شعب معين او على جماعة اثنية معينة بل على طبقة اجتماعية منبوذة من قطاع الطرق والمرتزقة والباعة المتجولين الذين يعيشون خارج اطار القانون ولا يخضعون لأي سلطة وربما كان هذا صحيح بالنسبة الى (خافي رو و ال عفرم وال خابيرو وال عفر) ولكن هؤلاء ليسوا العبرانيين التوراتيين اطلاقا ولو كان الامر كذلك لكان الاسم (عبريم) كتب بالمسمارية (ءا – بي – رو وليس خا- في – رو) و بالاجاريتية (عبرم) وليس عفرم وبالمصرية (عبر) وليس (عفر) وفي رسائل تل العمارنة (آبيرو) وليس (خابيرو) فلعين في اللغات السامية لا تتحول اطلاقا خاء والباء لا تتحول اطلاقا الى فاء وهذا امر معروف لا جدال فيه) ويواصل صليبي من خلال تحليل الاسماء، والإمكان التوراتية الى ان (ابراهيم كما تقول التوراة كان مقيما في (حرش ممرا) (ءلوني ممرء) وهو جد العبرانيين من سلالة فالج بن عابر بمعنى اخر ان مسكن ابراهيم كان في الاحراش او الغابات ولفظة (عبرو) منها عبري قد تدل على هذا الامر اذا هي قرئت بالغين وليس بالعين ذلك ان (الغبر) بالعبرية هو جمع (العبرة) وهي الارض الكثيرة الشجر والنبت ومما يزيد في الترجيح بان اسم عبر التوراتي قد يكون غبر ومنع اسم العبرانيين بمعنى (اهل الغبر) او (اهل الاحراش) هو ان سفر الخروج يتحدث في ستة مقاطع عن (اله العبرانيين) باعتباره ان هذا الاله هو يهوه اله اسرائيل بالذات وهناك اليوم في مرتفعات عسير قرية تسمى (آل الغبران) قارن مع (ءلهي – ه – عبريم) واسم المكان وهو في منطقة ظهران الجنوب وهو ذاته اسم (اله العبرانيين) مع لفظ العين بالعبرية بالغين ويبدو ان هذا الاله كان اله الغبر او اهل الغبر اي الغابات و الاحراش…). (3)
يتبين مما سبق، انه هناك خلاف حول من هم العبرانيون، وان اساس الخلاف، هو غموض الاسم والتباسه، مع اسماء متشابه في اللغات السامية، اضافة الى تضارب المصادر التاريخية، التي تناولت هذا المفهوم او الاسم، ولكن مع هذا الخلاف والاختلاف، يمكن التوصل الى النتائج التالية، هي الاتي : اولا : ان العبرانيون او العبريون بغض النظر عن كونهم شعب او مجموعة قبائل، او مجموعة من الخارجين عن القانون، كان موطنهم الاصلي، ما بين شمال الجزيرة العربية، وقوس الصحراء السورية. ثانيا : ان قبيلة بني اسرائيل هي احد قبائل العبرانيون.

الإسرائيليون أو بنو اسرائيل:
بني اسرائيل، هم حسب الرواية التوراتية، ابناء النبي يعقوب، وسندا لهذه الرواية ان اسم النبي يعقوب، تغير بناء على ارادة الرب، الى اسرائيل ” فقال لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل اسرائيل لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت ” تقول بعض الآراء التي تستند الى التفسير اللغوي لكلمة اسرائيل، ان هذا الاسم مركب من (اسرا)، وهو عبد او انسان، ومن (ايل)، وتعني الله وبهذا يكون المعنى العام للاسم عبدالله، وهذا التفسير هو مجرد محاولة لقراءة الرواية التوراتية، كما هي وحتى يتضح الامر اكثر علينا استعراض بعض نتائج الدراسات بهذا الشأن.
يتجه بعض الباحثين الى القول، ان هذا الشعب اي (بني اسرائيل)، لم يكتسب صفة الاسرائيلية، إلا في مرحلة متقدمة من تاريخه وتحديدا بعد قيام ” مملكة اسرائيل الموحدة ” (4) في الفترة ما بين 1050 ق.م الى 930 ق.م، حيث اصبح يطلق على شعب هذه المملكة الإسرائيليون، وبناء على هذه النظرية، وهي لست بعيدة عن الواقع والصحة، يمكن ان نقول بالاستناد اليها، ان شعب هذه المملكة لم يكن مجموعة عرقية واحدة، قامت بتأسيس مملكة كما تدعي التوراة، لان سكان هذه المملكة كانوا ينتمون الى شعب او شعوب اخرى، من الشعوب السورية وهم الكنعانيين، الذين كانوا موجودين، عند تأسيس هذه المملكة، وكانوا بمثابة الشعب المحتل التي قامت مملكة اسرائيل باحتلال ارضه.
اما الدكتور كمال صليبي، وفي بحثه السابق ” التوراة جاءت من الجزيرة العربية ” يقول (… ان اسرائيل في الاصل هي (مرتفعات السراة) والسراة هنا تعني (اعلى كل شيء) وهذه المرتفعات منطقة جغرافية في الحجاز وبناء على ذلك فان شعب اسرائيل قد يكون مجموعة من قبائل بلاد السراة قد اتحدت في زمن ما لتقيم (مملكة السراة او اسرائيل)..) (5) اي ان التسمية كانت جغرافية وليست عرقية.
وتجدر الاشارة هنا، ان هذا الشعب بحال وجوده في فلسطين او الحجاز، من ثلاثة الالاف عام او اكثر، لا يمكن ان يمت بأي صلة، ليهود العالم الحاليين، فكل الدلائل تشيرالى فناء هذا الشعب او القبيلة، او مجموعة القبائل، بسبب اختلاطها مع الشعوب الاخرى، او بسبب الحروب المختلفة، والشيء المؤكد انه لا يمكن لشعب ما ان، يحتفظ بنقائه العرقي لمدة تزيد عن ثلاثة الالاف عام.
والاختلاف في موضوع الإسرائيليين كما هو في موضوع العبرانيين إلا ان هناك بعض من الحقائق، يمكن قرأتها او استنباطها من مجمل النظريات التاريخية، وهي كما قلنا سابقا ان قبلية اسرائيل، هي احد قبائل او شعوب العبرانيين، والأمر الثاني ان الموطن الاصلي لهذه القبلية، بالضرورة هو الموطن الاصلي للعبرانيين، بغض النظر ان كان فعلا النبي ابراهيم هو الجد الحقيقي، او المزعوم لهذه القبلية.
اليهودية واليهود:
كما هو معروف فان هذه التسمية تطلق، على الديانة اليهودية، ولكن من اين جاءت هذه التسمية، وعلى من تطلق ؟.
الرواية التوراتية تتحدث، عن ملوك يهوذا، وذلك بعد قيام المملكة الجنوبية مملكة يهوذا، اما يهوذا هذا، فهو احد اسباط اسرائيل الاثني عشر، ويضاف الى ذلك فان اله اليهود القومي يدعى (يهوه)، فهل هناك رابط بينهم ام الامر مجرد تشابه في الاسماء.
ان الاسم الاول يهوذا، كما قلنا قبل يعود لأحد ابناء النبي يعقوب (اسرائيل)، والذي اصبح فيما بعد اسم قبيلة، من قبائل الإسرائيليين (بني يهوذا)، وقد ذكر ذلك خلال حادثة خروج، بني اسرائيل من مصر. اما عن الارتباط بين هذا الاسم والديانة اليهودية، فأنني ارى انه لا يوجد اي مبرر تاريخي، يدعو لإطلاق اسم احد الاسباط على ديانة موسى، حتى لو كان اسم المملكة الجنوبية، فقد كان هناك في المقابل مملكة اسرائيل، وقد كان من الاولى ان يصبح اسم هذه الديانة (الديانة الاسرائيلية)، وإتباعها الإسرائيليين نظرا لانتماء كل الاسباط وقبائل هذا الشعب الى الاصل المشترك، لهم وهو (النبي يعقوب – اسرائيل).
اما الاسم الثاني يهوه فمن المستبعد ايضا، ان يكون هو اصل تسمية اليهود، فهذا الاله يهوه لم يعرفه اليهود، إلا بعد السبي، وبسبب تسرب الكثير من المعتقدات الوثنية، الى الديانة الموسوية، التي اصبحت اليهودية والتي تم وضعها من قبل كهنة بني اسرائيل، بعد عودتهم من السبي، ولإله يهوه قد يكون هو نفسه الاله (ياهو) اله الحثيين، وقد تم تحريف اسمه بسبب الاختلاف بين لغة الحثيين وبني اسرائيل.
جاء في نصوص الواح راس الشمرة، ان يهوه كان معبود بعض القبائل الكنعانية، وعلى العموم، انه في الغالب لم تجر العادة لدى الشعوب السامية ان تتسمى بأسماء الهتها.
اما الدكتور صليبي الذي وضعنا نظريتيه في صلب هذا البحث، هو كالعادة ينحى منحى اخر في معالجته لتاريخ بني اسرائيل، وفي هذا الصدد يقول (… يهوذا كان اسما جغرافيا في الجزيرة العربية قبل ان يصبح اسما لقبلية من بني اسرائيل وصيغته العبرية (يهوده) وهي اشتقاق من (يهد) وهذا الجذر يفيد معنى (الانخفاض) ويهوه ويهوده التوراتيتان تأتيان من العبرية يهد ولا بد انهما كانتا تعبيرين طوبوغرافيين ساميين قديمين يحملان المعنى ذاته). (6)
وفي ذات الاطار تذكر بعض المصادر ان (اليهودية)، هي منطقة جغرافية في جنوب بلاد كنعان، او فلسطين الحالية، قد اطلق عليها هذا الاسم الكنعانيين، قبل قدوم بني اسرائيل الى بلاد كنعان، وانه بعد اقامة مملكة يهوذا، اصبح يطلق على سكان هذه المنطقة الجغرافية التي كانت تقع ضمن ملكة يهوذا، دين سكان يهودا.
يبدو ان تضارب وتعارض النظريات حول تاريخ هذا الشعب ” بني اسرائيل “، يحتاج الى اعادة النظر في قراءة وتفسير مصادر، تاريخ هذا الشعب اولا، وهي بالدرجة، التوراة والتلمود، ونتائج مكتشفات علم الاثار، وما تركه المؤرخين القدامى عن تاريخ هذا الشعب.
هناك مقدمتين يمكن الاستناد اليهما، في اعادة قراءة تاريخ هذا الشعب، بالاستناد الى ما سبق قد صاغه، استاذ التاريخ الاسرائيلي، ” شلومو ساند ” في كتابه (اختراع ارض اسرائيل)، تنبع اهمية هاتين المقدمتين، ليس من كون ساند احد المثقفين اليهود المعارضين، للفكر الصهيوني وأساطيره، فقط بل من مضمونها المهم، الداعم لإقامة بناء فكري جديد، يساعد في تأطير الدراسات اليهودية والإسرائيلية الحديثة، بعيدا عن الأسطرة والايدولوجيا الدينية اليهودية والمسيحية وحتى الايدولوجيا الاسلامية، المتأثرة بالإسرائيليات.
في المقدمة الاولى يقول ساند (…أن أتباع الحركة البيوريتانية – وهي الحركة ” التطهّرية ” التي انبثقت عن البروتستانتية في بريطانيا – وخلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، كانوا أول من قرأ التناخ (العهد القديم) على أنه كتاب تاريخي، ونظراً إلى كون هؤلاء متعطشين إلى الخلاص فقد ربطوا بين حركتهم ونهضة “شعب إسرائيل ” في أرضه. ويشدّد على أن هذه الرابطة لم تنشأ نتيجة قلقهم على اليهود الذين كانوا يعانون الأمرّين، وإنما أساساً بدافع الرؤيا القائلة إنه فقط بعد عودة ” بني إسرائيل ” إلى صهيون سيحلّ الخلاص المسيحي على البشرية جمعاء، وفي إطار صفقة الرزمة طويلة الأمد هذه من المفترض أن يتنصّر اليهود، وعندها سيحظى العالم برؤية عودة يسوع المتجددة. وفي ضوء ذلك يؤكد المؤلف أن هؤلاء الذين يُطلق عليهم اسم “الصهاينة الجدد “، لا اليهود، هم الذين اخترعوا “أرض إسرائيل ” كمصطلح جيو – سياسي معاصر.). (7)

المقدمة الثانية (… أن أي ذاكرة جماعية هي بهذا القدر أو ذاك نتاج هندسة ثقافية تعديلية تخضع، على الدوام تقريباً، لاحتياجات الحاضر ومزاجه السائد، وإلى أن من عادته التأكيد، بوجه خاص، أنه لدى الحديث عن تاريخ الأمم، فليس الماضي هو الذي يخلق الحاضر، بل إن “الحاضر القومي” هو الذي يعجن الماضي ويصوغه لنفسه، بصورة حرة تماماً، بينما يشمل هذا الماضي دائما ثغرات كبيرة جداً من النسيان). (8)
ويمكن تلخيص المقدمتين، على الوجه الاتي، ان الحركة الصهيونية المسيحية، وما سبقها او لحقها من دراسات المستشرقين، وعلماء الاثار والانثروبولوجيا الغربيين، المتأثرين بشكل مباشر او غير مباشر، بفكر الصهيونية المسيحية، قد قاموا او على الاقل مهدو، لنقل كل التراث اليهودي الديني (التوراة – التلمود)، من مجاله الروحي الى مجال التاريخ. وفي ذات الاطار قامت فيما بعد، الصهيونية اليهودية وما تبعها من مؤسسات، حتى غير يهودية بإعادة صياغة الماضي، او صناعة التاريخ اليهودي بشكل يتلاءم، مع فكرة اقامة دولة اسرائيل، وذلك من باب الخلق لمشروعية تاريخية – دينية، لهذه الدولة تكون مقنعة ليهود العالم انفسهم قبل غيرهم، من الشعوب وهو ما تم فعلا.
وحتى يمكن اعادة قراءة التاريخ اليهودي من جديد، يجب اولا ان يتم اعادة تفكيك مقدمات كتابة، هذا التاريخ حتى يتبين الدارس او الباحث، أين هي العناصر التاريخية فيه، واين هي العناصر (المؤسطرة)، أي الاسطورية، التي تم اقحامها في هذا التاريخ، وذلك بهدف بناء رواية متماسكة له، تتناسب مع الاهداف الدينية والإيديولوجية، للفكر الديني المسيحي الغربي واليهودي.

المصادر والمراجع

(1) دكتور محمد عابد الجابري – بنية العقل العربي – الناشر مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) لمعرفة تفاصيل الرواية انظر – التوراة – سفر التكوين.
(3) دكتور اسرائيل ولفنسون – تاريخ اللغات السامية – الناشر مطبعة الاعتماد.
(4) الموقع الالكتروني – ويكيبيديا – الموسوعة الحرة http://ar.wikipedia.org/wiki
بتاريخ 23 / 6 / 2014 انظر : (مملكة إسرائيل هو اسم مملكة جاء ذكرها في التوراة كمملكة لجميع أسباط بني إسرائيل الإثني عشرة، سماها باحثو التوراة بمملكة إسرائيل الموحدة للتفريق بينها وبين مملكة إسرائيل التي انفصلت عنها لاحقاً إضافةً إلى مملكة يهوذا. هذه المملكة الموحدة حكمها من شاول، وداود، وسليمان، وتوصف هذه المملكة في سفري صموئيل الأول والثاني كاتحاد لأسباط بني إسرائيل. ومن تحليل نصوص السفرين، يقدر معظم دارسي العهد القديم تبعأً لما ورد فيه فترة وجود هذه المملكة الموحدة بأكثر من 100 عام، أي منذ سنة 1050 قبل الميلاد وحتى سنة 930 قبل الميلاد تقريبا.)
(5) دكتور كمال صليبي – التوراة جاءت من الجزيرة العربية – ترجمة عفيف الرزاز – الناشر مؤسسة الابحاث العربية ش.م.م بيروت – لبنان.
(6) دكتور كمال صليبي – مرجع سابق.
(7)- الموقع الالكتروني – مدار – http://www.madarcenter.org/pub-details.php?id=477# تاريخ 23 /6 /2014 ورد في الموقع الالكتروني – مدار – التابع للمركز الفلسطيني للدراسات الاسرئيلية ان هذا الكتاب قد ” صدر حديثًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية – مدار وفي الوقت نفسه عن منشورات المكتبة الأهلية في عمان، كتاب “اختراع أرض إسرائيل “، من تأليف البروفسور شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، وذلك في ترجمة عربية أنجزها أنطوان شلحت وأسعد الزعبي. “.
(8) – الموقع الالكتروني مدار – مصدر سابق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى