إشكالات مجتمعية

حسن الصبي

“ممتن للقدر الذي لم يجعلني امرأة”.
قالها رئيس التحرير بلا فاصلة أو نقطة نهاية، كانت تلك الجملة كفيلة بإخراج كل الافكار من فراغ رأسي ودحرجتها أمامي إلى بالوعة حوض المطبخ، تلك الجملة كنت قد قرأتها وسمعتها آلاف المرات من قبل، ولكنها هذه المرة أتت واضحة، مباشرة وفيها بحة رثاء وامتنان، أكملت صب الماء فوق الأرز الغارق بعناق زيته، وسمعت صوت انتشائه فرحا بوصول المياه لعطشه الفاحم، وتحركت أصابعي تمشط فيضان القدر بحركة اعتدتها منذ سنوات، منذ تحتم علي الطبخ كل يوم.

– لابد أنه قرر في اللحظة الأخيرة أن يخلقك أنثى.

ليته لم يفعل، هذا ما كنت أردده في سري ردا على أمي كلما تفوهت بتلك الجملة تذمرا من أفعالي الصبيانية المقيتة، كانت هذه الجملة تفرحني وتقتلني، اعترافها بأن هذا القرار لم يكن قراري يريحني من فكرة أنني مذنبة، وبأن هذه الهيئة التي أنا عليها ليست عقوبة لخطيئة ارتكبت في عالم سابق، وتحزنني لأن اجتهادي في افتعال حماقات وتصرفات الصبيان لم تنل رضاها، لطالما كنت متفردة وغريبة، حتى في مخاضي وخروجي للحياة، أخبرتني ذات يوم بأن ولادتي كانت عسيرة وطويلة، وبأنني أتيت ضئيلة نحيلة، ولكن كان رأسي كبيرا، وكأنما اختزل حجم جسدي برأسي وعيوني.

– كانت عيونك كبيرة وجميلة، ولكنني شككت بأن إحدى الممرضات قامت باستبدالك بطفل آخر.

كانت أمي تتمنى أن يكون مولودها الأول ذكرا بدل تلك الضئيلة السمراء، وكنت أستمع إليها بإصغاء وحزن، وكانت تلاحظ ذلك فتستدرك حزني وتقول: “ولكنك تغيرتِ بعد شهرين من ولادتك، لقد كان حليبي كفيلا بتسمينك واضفاء الجمال الى وجهك”.

كنت أشعر بالفرح لإضافتها تلك ولطالما اكتفيت بها لأداري احباطي، ولكنني كنت أشعر بأنني خذلتها بمجيئي أنثى، وكنت أقارن بين ملامحها عندما تروي قصتي، وبين ملامحها عندما تروي قصة مجيء أخي، كانت عيونها تزهر وابتسامتها تستلقي على فمها بوضوح، كانت تستفيض وتدعم مشاعرها بحركات يديها واصابعها.

– لقد جاء في يوم مولد النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، لم يكن هنالك مخاض ولا أوجاع، لقد خرج لوحده واستقر في بنطالي وأنا في المطبخ، اللهم صلي على سيدنا محمد، وأحيانا يقاطعها والدي ويضحك، ويذكرها بأنها صرخت بعدما فتحت بنطالها ورأت بأنها قذفت ذكر: “صبي، صبي يا روحي صبي.”

كانت تلك القصة جديرة بإشعال السهرة العائلية بالضحك والبشاشة، بعكس قصتي التي أشم منها سفالة الممرضة التي قامت باستبدالي وأخذ صبيها الأول لأمي، لم يخرجني من شكي بكوني ابنة هذا البيت إلا ملامحي التي تشبه ملامح أمي، كنت أجمع الصور وأقارن الفك بالفك، والحاجب والجبين، ولون العيون وبسمة فمي وفمها، كنت أغفر لها قسوتها وأحاول مسامحتها كل يوم، لكنني كنت أصب بغضبي على أخي، وكنت أفتعل الشجار معه في كل مرة، ربما لأن بسمتها تلك لم تتكرر أثناء رواية قصتي، كما كانت ترد آلاف المرات في قصته، وكانت تعنيني القصص، وتعنيني الابتسامات، ولم يكن ذنبي أن لقصتي ذلك اللحن العصيب وتلك الابتسامة النصف.

كان لابد لي وقتها أن انتقم من قصتي ومن ذلك القرار المتأخر، لذلك كنت أتصنع القوة والشقاوة، وكنت أحاول الابتعاد عن الألعاب التي تستهوي الفتيات، وكنت حقيقة أمقت ارتداء الفساتين وتزيين شعري بالملاقط الملونة، بالرغم من غضب أمي ومطالبتها لي بالكف عن اخجالها أمام جاراتها وأقاربها” “لك أمي بقولو عنك حسن صبي، شلحي البطلون ولبسي هالتنورة.”

لا تصنعي القوة ولا التشبه بالصبية شفع لي بإخراجي للعب في حارة بيتنا مع بقية أولاد الجيران، كنت أحاول اللحاق بأخي والخروج معه للعب، وكنت أنجح أحيانا وأعود بالخذلان لرفض الصبية إشراك فتاة معهم في معمعة اللعب، لقد كان رفضهم يخرجني من دائرتهم أيضا، لقد كانت حجة كبيرهم الوقح بأنني بنت ولا أتحمل ضربات الكرة، كرة واحدة منه كفيلة بتهشيم وجهي، هذا ما قاله لأخي عندما طلب منه إرجاعي الى البيت، ولأنني ظننت أن شعري الطويل هو الذي شوش عليهم قبولي بينهم، قررت قصه، ولأن شعر الفتاة خط أحمر لا يجب المساس به، قررت إلصاق العلكة بشعري في الليل حتى تضطر أمي لقصه رغما عنها، وتم ذلك بعد موشحات من الأدعية التي هبطت لها السماوات، مع صفعة هنا ونعرة هناك، كان شعري الذي ذهب ثلاثة أرباعه يعجبني، مع أنني بكيت في الحمام لساعات بعدها، ومع ذلك لم يسعفني شعري القصير ولا بنطالي من مجاراة أخي، كان لباب المساء الذي يفتح لعودته بالترحاب يغيظني، فسحة الحرية والهواء التي يشمها ذلك الأنف لا يشمها انفي، ساقيه اللتان تعرفتا على جمال الأرصفة والشوارع لم تتعرفا على ساقي، سألت أمي مرات عديدة لماذا لا يسمح لي اللعب مثل أخي، ليكون الرد نفسه في كل مرة: “انت بنت، أنثى، والبنت مكانها ومملكتها البيت، اخوكِ صبي، والصبي مو متل البنت”. وكنت أحيانا أفقد أعصابي وأشير لها لشعري المقصوص، فكانت ترد: “حتى لو أصبحت صلعاء، ستبقين أنثى.”

كانت ليالي القدر التي يخرج منها أصوات الدعاء تبكيني، الغرفة التي يخرج منها دعاء أمي يخرج من غرفتي الملاصقة لها دعائي، كنت أكلم الله وأستعتبه، أطالبه بأن يعيد النظر في قراره الأخير ويعيد لي ذكورتي السليبة، صبي يحق له اللعب في الخارج، صبي يحمل اسم العائلة ويورثه لنسله بعده، تفرد أمامه ولائم الرجال العامرة، بعكس غرف النساء المغلقة الموصدة ذات الملاعق القديمة العادية، صبي يخرج بمشايته البسيطة كلما دعاه صبية الحي للعب سريعا، صبي يعود بكدمة في عينه وركبته من عراك بين صبية الحارة المجاورة، ولد يهديه والده دراجة هوائية يطير بها إلى أي مكان في اي وقت، كانت جدتي تحدثني بأن هنالك ساعة في ليلة القدر يستجاب فيها الدعاء، وكنت أحييها في فراشي حتى يغلق الدمع والنوم عيوني، وكنت استيقظ بسرعة لأذهب للحمام لأتأكد من استجابة دعائي، ولكن لا دعائي استجيب ولا شيء تغير، فكنت أعود بخيبتي إلى مائدة الصباح التي هي أيضا لم يتغير فيها شيء، لم أتحول إلى صبي ولكنني فزت بلقب حسن صبي في الحي والمدرسة، وكنت حقيقة مستمتعة بذلك اللقب الذي أضفى لي تلك الهيبة المصطنعة بين أقراني من الفتيات، وبعض الحفاوة بين صبية الحي، مرة سألني صاحب الدكان الجديد اذا ماكنت بنت أو صبي، فأجبته بأنني صبي وبأن اسمي حسن تحويرا لاسمي حسناء، ولكنه ضحك وقال : وأين شاربك الصغير يا حسن؟ حينها لمست موضع شاربي الغير موجود وخرجت مسرعة.

كانت تلك المعركة التي أشعلها كل يوم تستنفذ صبري وسعادتي، وكنت أحاول أن أفعل أي شيء يعيدني صورتي الأولى، الصورة الاحب إلى قلب امي، أذكر أنني كنت أمسك آلة الحلاقة وأمررها على ذقني وشاربي كي يشتد ذلك الوبر الناعم، وكنت أدقق كل صباح واحاول تمييز أي تطور أو نبات في ذلك الوبر، ولكن أمي كشفتني بالجرم المشهود وتم تحويل القضية الخطيرة إلى أبي، الذي كتم ضحكته وافتعل الغضب واكتفى بتنبيهي بأن ذلك خطير، قد أفقد إحدى حاجبي كما فقدت نصف شعري، ولكنني كنت مصرة على انبات ذلك الشارب اللعين، ولكنه لم ينبت كما أردت، ولم يتحول الصبي حسن الى صبي رغم كل الدعوات وشفرات الحلاقة .
كانت السنوات تمر وحلم الطفولة أفشله الجسد الذي بدأت تنبت به تضاريسه الجديدة، ومعالمه الأنثوية الواضحة، كنت قد توصلت لقرار بالتوقف عن محاولاتي تلك، ربما لأن جينات حواء أبت إلا أن تثبت وجودها، كان ذلك الإصرار قد تحول الى تمرد على كل شيء، اقتنعت بأن ذلك الطيش ما هو إلا مجرد محاولة انتقام من تلك التفرقة العنصرية التي جعلت من ابتسامة أمي تتلاشى عند قص قصتي، اكتشفت أن محاولة إرضاء أمي ماهي إلا جريمة تبرأ من تلك السمراء الجميلة التي أكونها، وأن حواء التي التمس الرب تكوينها في جسدي هي حقيقتي.

كان من اعتذار الأقدار لي أن أعاد لي عيوني الكبيرة وصوتي الرقيق، وعاد حسن المسكين الى حسناء، حسناء التي اعتذرت منها عندما أنجبت وأخرجت من جوفها عيونا كبيرة أخرى، تلك التي لم تعط نسلها كنيتها، ولكنها أعطتهم حبها وجيناتها وحليبها، حسن لم يعد حسن ولا حسناء تمتلك شفرة حلاقة لتحلق بها ذقنها، تلك الشفرة التي قطعت بها كل قذارة وتخلف تلك الأقاويل والأحكام الموروثة في حياة صغارها، لقد ولدت مولودي الأول أنثى وسميتها شمس، وأخبرتها بأنني كتبت قصيدة يوم ولادتها، كانت ابتسامتي تزهر كلما رويت قصتها وكانت تمتد حتى تصبح غابة من الابتسامات.

رنا كلَش
Latest posts by رنا كلَش (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى