إشكالات مجتمعية

سودا زرقا..

لم أبدع يوما في فن انتقاء الخضار، ولم تكن خضاري التي أعود بها إلى بيتي هي الأفضل على الإطلاق، لقد كانت تنتابني حالة شرود عنيف كلما تحتم علي الاختيار والانتقاء، لم أستطع ولا لمرة واحدة تبيان الأجمل ملمسا والأكثر نضجا والأفضل تكوينا، لقد كانت كل الخضار بالنسبة لي ذات نتيجة حتمية واحدة، وهي إسكات فم زوجي بالإسراع بطبخها قبل أن يكتشف رداءتها، كما أسكته بلون المساحيق قبل أن يكتشف سمرتي بعد القبلة الأولى.

لم تكن علاقتي بالألوان يشوبها سوء فهم أو أدنى ارتياب، ولكني كنت على حافة الخصام المبطن مع اللون الأبيض والأخضر منذ أدركت أن لهذين اللونين تلك القدرة الهائلة على تصنيف بعض النساء في فئة البضاعة الأكثر رواجا وإقبالا.

 لم أكن أنتمي لدائرة الرز بالبازلاء، فعيوني لم تكن تكشف حجم بؤبؤها ولم تكن حمرة الخجل لتظهر على وجنتي رغم اشتعالي، ولم تكن قرصات أمي لتترك دليلاً على مرورها على جلدي، لقد كان جسدي المحنط يبتلع المارين والشوارع والضحكات والأحزان ويعود عازبا وحيدا كدوامة رمال متحركة، يبتلع كل شيء ولا يظهر عليه شيء.

-عندكن بنات للخطبة؟ بيضا شقرا هيك طلب العريس ههههههه، رز ببازاليا يعني.

لم يكن طعم الرز بالبازلاء ذاته يتسلل إلى أذني وأعلى فكي بعد أن رأيت خجل والدتي من رد طلب تلك الكتل اللحمية عن بابنا، فالسمراء التي تربص في حجرها لم تكن تملك عيونا ملونة ولا بشرة بيضاء كما يطلبون، ولأنني لم أكن ضمن الأصناف المستحب شراؤها وابتلاعها، توجب علي ابتلاع غصتي وتنظيف بضاعتي المكدسة باستياء على رفوف قلبي.

-اهلا وسهلا فيكن، ما عنا بنات شقر، بس بنتي سمرا ومجذبة وطويلة، قالتها بتوسل.

لا أدري كيف تسلل الى سمعي صوت عربة بائع الخضار المتجول في أسفل حارتنا، كانت حوافر بغله هذه المرة تنقر في رأسي بطريقة تراتبية مزعجة، وتخيلت النسوة يرتمين في أحضان صناديق الخضار ويوسعن حبات البندورة والبطاطا والكوسا تقليبا وتمحيصا، أنا على يقين أن الواحدة منهن لديها خبرة في اكتشاف الثغور والخطايا المخبأة أكثر من داية حارتنا، التي تعلم بالضبط حجم أثداء العذارى من نظرة واحدة، لقد كان الباب يدق كل يوم ليتم شم البصل في استيائي ورؤية حمرة الطماطم في غضبي وجس نبض قوة اسوداد الباذنجان في عيوني، لقد كانت مراسم (الفرجة أو الخطبة) هي سوق هال بضاعته روحي، وكنت أحتج وأرفس اهتياجي، وأنقم على الأقدار التي وضعتني في هذا البازار المقيت ولكن ثورتي تخمد كلما تناقص عدد بنات عمي وخالاتي وبنات جيراني وصديقاتي، كن يربحن شاربا وصوتا أجشا يصطبحن به كل صباح، وكان شاربي الذي توقفت عن نتفه يغمزني بعهر أيضا كل صباح.

_ليكي يامو، بزمناتا ستك حكتلي أنو النشا ببيض، بلكي بيبيض لونك وبيبيض حظك.

لم تكن لمعارك كيس الحمام أي انتصار مع لون الشمس في ساعدي، ولم تكن ساعات النقع والفرك والتنظيف لتكشف لون ذلك الجلد القمحي وتحويله لثلج مثلما أرادوا، لقد كان القمح ينمو وينمو وحباته تنوح، والثلج بعيد المنال في بلاد سمراء كبلادي.

و كما يمد عابر سبيل وقح قدمه لماسح أحذية بائس، كنت أمد وجهي لوقاحة مستحضر التجميل الزهري المضحك، كنت أحب رائحته القريبة لرائحة السكاكر، وكنت أمد لساني وأتذوقه، كان مذاقه يروق لي كما يروقني اسمه (ماجدولين)، أذكر مرة أنني دخلت أمام لجنة النسوة الفاحصات بعد أن وضعت نصفه على وجهي، وتقصدت تقبليهن وطبع بياضي على وجوههن وأكتافهن وأغطية رؤوسهن، سمعت واحدة منهن تهمس في إذن جارتها بشتيمة من العيار الثقيل، ولم يخفين اكتشافهن للطلاء السميك الذي طليت به وجهي، وأمي لم تكن لتتقن فن إخفاء نظرات الوعيد، لذلك كان لابد أن ألتقي وجوه الملائكة التي هبطت حينها من فرط دعائها علي.

لم تغب عن مخيلتي جملة صديقتي التي كانت تتباهى في كل مرة بلونها الأبيض الندي عندما قالت: سوف ترقدين لوقت طويل في بيت عائلتك، رب السماء لم يمنحك لوني، أتمنى أن تحل معجزة ويجبر خاطرك.

 في الحقيقة لم يكن لدي خاطر مكسور ولم أكن أعترض على لوني الأسمر، لقد كنت سعيدة في كل كشرة تصعد على محيط شفتي كلما دخل مبتاعو الخضار إلى بيتنا، وكنت ماجنة الفرح كلما اصطنعت الحول في عيوني أمامهم، لقد كنت أعرف كيف أدير لعبة الشراء في محيط داري وأسيطر على تجارة الخضار المنتقاة ببطش، وكنت أحيانا أشفق على أمي التي كانت تعييها قصصي وألوان تمردي وبشرتي، كانت المسكينة تعود متورمة القدمين بعد رحلة البحث والتنقيب في محال العطارة والأعشاب عن وصفة تصبغ جلد ابنتها وتجعله(شق اللفت)، مرة عادت بمحلول أخفت عني اسمه وماهيته، لأكتشف بعد أيام أنه مصنوع من زيت النمل، تخيلت النملات يقرفصن ويتغوطن ليخرجن لي ترياقا أتحول به إلى بيضاء لا يشوبها كدر، كسرت الزجاجة المليئة بتأوهات المساكين الصغار، وأقمت ثورة عريضة أهمدتها صفعة واحدة.

عاتبة، كنت عاتبة على الله، وكنت أخاصمه وأعقد حاجبي في وجهه كلما انزويت معه على نفس الوسادة، لم يكن عتبي عليه أن خلقني بجلد ليس أبيض، لقد كنت أعاتبه أن جعل للبشر جلودا وعيونا مختلفة، كنت أسأله بماذا كان يفكر عندما أختار أن يلونني بلون لا يحبه البقية، وكنت أعتذر منه وأرسل له استغفاري كي يغفر رعونتي وغضبي، لطالما كان بيني وبينه فيما سبق علاقة تعدت علاقة الخوف والرهبة، كنت أحبه وظننت بأنه أحبني، ولكن لربما كان مزاجه سيئا عندما رسمني.

 كان لابد لي أن أتزوج لأنهم قالوا لي بأن بيت الأنثى الأخير هو بيت زوجها، مقبرتها بيت زوجها، مآلها لبيت زوجها، لذلك طليت وجهي، وغششت محبي اللعب بكرات الثلج وتجمدت.

سوداء زرقاء، تلك الجملة التي يحلو لصديقتي ترديدها عن نفسها في كل جلسة نسائية، تلك الجملة التي يتم بها تصنيف النساء المغايرات لما يشتهي الجمهور الشبق لتماثيل الرخام، والتي يستبعد بها البائسات التي لم يسبغ عليهن الإله بنعمة الانتماء لصحن الرز بالبازلاء، لم تكن في الحقيقة صديقتي سوداء ولا زرقاء كما تقول عن نفسها، لقد كانت أنثى تملك عيونا ثاقبة وجسدا أسمر وقلبا ينبض، وأعود الى صحن العدس الذي أستبعد حجارته السوداء وأرميها، ويضحك في وجهي اسمرار كل حبة وتتحول الحبات الى وجوه غامزة، وأتحسس وجهي وأرسل له قبلة في المرآة، ويتمطى الثلج في قلبي وأرمي العلب الزهرية والاصباغ في سلة المهملات، كلهم كبروا، البيضاوات منهن تحولن الى كتل متعبة ذابلة، ودكاكين العطارين أغلقت، وتم إطلاق سراح بقية النمل المقرفص، وبقيت حقيقة واحدة، ان وجهي الأسمر يشرق كل صباح، يقطر منه العسل البني كل صباح، وأعود لضم الحجارة للعدس حتى لا يفرقهما إلا الموت، وابتسم للمجدرة التي تشتهيني بصمت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى