تحقيقات وتقارير

ضريبة العمل الصحفي في الشمال السوري.. انتهاكات متكررة بحق الصحفيين

احتلت سوريا المركز 173 عالمياً في التصنيف العالمي لحرية الصحافة والإعلام الصادر عن منظمة مراسلون بلا حدود عام 2021. ويبدو هذا الترتيب متوقعاً في ظل واقعٍ أمني مخيفٍ جعل من عمل الصحفي مهمةً انتحارية ضمن ظروف الملاحقات الأمنية والتعرض لخطر القصف على الجبهات وسياسة كمّ الأفواه التي تمارس بحق الإعلاميين في مناطق سيطرة النظام ومناطق المعارضة على حدّ سواء.

وبحسب مركز سمير قصير للدفاع عن الحريات الإعلامية، سجّل عام 2020 انتهاكاً واحداً على الأقل في الشهر بحق الإعلاميين العاملين في مناطق سيطرة المعارضة السورية، وتنوعت هذه الانتهاكات ما بين الخطف والاستهداف المباشر، والقتل والضرب والتهديد والاعتقال وحجب المحتوى الالكتروني. فيما توثق الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 33 صحفياً في مناطق المعارضة على يد الفصائل المناهضة للنظام السوري منذ اندلاع الثورة السورية في آذار 2011.

بالحديث عن العمل الصحفي والإعلامي في مناطق سيطرة المعارضة السورية، يمكن تصنيف العاملين في المجال الإعلامي هناك إلى أربع فئات رئيسية:
1- مراسلو القنوات والمنصات الإعلامية الغربية والعربية، ومعظمهم يدخل من الجانب التركي بعد الحصول على تصريح عبور من السلطات التركية لا تتجاوز مدته عادةً الأسبوع.
2- مراسلو القنوات السورية المعارضة والموجودون أساساً في الشمال السوري.
3- الصحفيون المستقلون، ومعظمهم من الناشطين والمواطنين الصحفيين والمدونين.
4- الناطقون باسم القنوات الإعلامية الرسمية التي تمثل المعارضة الموجودة في الشمال على اختلاف توجهاتها (إسلامية، معتدلة، متشددة)

مخطئ من يظن أن التقييد والقمع بحق الصحفيين هو من قبل نظام الأسد المجرم وقواته فقط. الانتهاكات المرتكبة بحق الصحفيين في الشمال السوري تزداد يوماً بعد يوم خصوصاً في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام (النسخة المودرن الكيوت من جبهة النصرة)، ولا تُستثنى مناطق سيطرة ميليشيات ما يُعرف بالجيش الوطني من الأمر.

حوادث كثيرة تم تسجيلها على مدى سنوات في تلك المناطق نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر اعتقال الناشط كنانة هنداوي من قبل عناصر (هتش) على خلفية إعداده تقريراً عن مخيم كفر لوسين. قبل تلك الحادثة بأسابيع قليلة، تعرض الناشط والمصور مصطفى أبو عرب للضرب على أحد حواجز الهيئة بعد رفضه الانصياع لأوامرهم.

آخر بدع هيئة تحرير الشام كانت اعتقال الصحفية نور الشلو واتهامها (بقضايا أخلاقية) ومن ثم الحكم عليها بالإعدام ليتم الإفراج عنها لاحقاً بعد حملة شنها ناشطون وحقوقيون للإفراج عن الصحفية التي تبيّن فيما بعد أن كل ما وُجّه لها من تهم كان كاذباً.

ولم تقتصر الاعتقالات وممارسات كم الأفواه على الصحفيين السوريين فحسب، بل شملت صحفيين أجانب كان آخرهم الصحفي الأمريكي بلال عبد الكريم الذي قضى ستة أشهر في سجون الهيئة قبل أن يتم الإفراج عنه في شباط/ فبراير الماضي دون أي إيضاح أو توجيه تهم واضحة استدعت اعتقاله طوال تلك المدة في سجون هيئة تحرير الشام، والتي وصفها تقرير منظمة مراسلون بلا حدود بأنّها “صيادٌ للصحفيين في شمال سوريا”.

تحدث الناشط الإعلامي يوسف عبد الجبار والمقيم في الشمال السوري للقبضة عن ظروف عمل الصحفيين في مناطق المعارضة السورية، ووصف الإجراءات الممارسة بحق الصحفيين بأنها تكاد لا تختلف عما يقوم به النظام السوري مع كل من ينطق حرفاً لا يعجبه أو يعارض مصالحه. ويضيف عبد الجبار: “لا يكاد يمرّ شهر إلا ونسمع به عن انتهاك يحصل بحق أحد زملائنا سواءً بالاعتقال، أو الاغتيال، أو الخطف، أو الضرب والتهديد. حتى اليوم هناك ما لا يقل عن عشرة ناشطين إعلاميين في سجون حكومة الإنقاذ الممثلة بهيئة تحرير الشام، وثلاثة صحفيين تم إيقافهم من قبل عناصر الجيش الوطني أثناء عبورهم من أو إلى تركيا دون توجيه أي تهم واضحة لهم ودون السماح لذويهم بالاطمئنان عليهم، والبعض منهم أتم الستة أشهر في سجون تلك الميليشيات دون أي معلومة عن مصيره.”

يُذكر أن مناطق سيطرة المعارضة السورية في الشمال السوري تتوزع بين هيئة تحرير الشام وقوات الجيش الوطني المدعوم تركياً. وتسود حالة من الفوضى والفلتان الأمني تلك المناطق حيث تنتشر العصابات والخطف بهدف الابتزاز والحصول على الأموال أو بهدف إسكات بعض الأصوات المعارضة لممارسات تلك الفصائل وتخويف آخرين بهذا الفعل. في ظل التعامي الكامل من قوات الهيئة وقوات الجيش الوطني ومن يدعمهما في إشارة واضحة على الموافقة الضمنية على كل ما يحصل من انتهاكات تطال الأصوات الإعلامية في مختلف مناطق الشمال السوري، في حملة أقل من يقال عنها أنها حملة ممنهجة ضد شبان وشابات ساهموا على مدار أعوام في توثيق جرائم الحرب المرتكبة من كافة الأطراف ودفعوا الثمن غالياً في سبيل إيصال الصورة والواقع حول ما يحدث في تلك البقعة الجغرافية التي صارت مرتعاً للزعران والمتطفلين على الثورة بمختلف خلفياتهم السياسية والدينية والإجرامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى