إشكالات مجتمعية

طجججج..

حجم كفه يتناسب مع طوله الفارع رحمه الله، ذلك الشعور بالطيران في تلك المساحة الضيقة شعور بطئ، تماما كالمشهد الذي يتقصد به المخرج ابطاءه و تكثيفه ليبقى في ذاكرة المشاهد، هذا تماما ما شعرت به عندما تلقيت تلك الصفعة الصاروخية من جدي على حين غرة، وقتها ارتمت زوجة عمي فوقي لتحميني من تبعات تلك الصفعة، ولكنه هجم عليها وعلي بعكازه الخشبي القديم، أقسمت ذات يوم بأن أربعة (بنانير) شمخت في رأسها، لم أكن أدري حينها ما هو التصرف السيء الذي اقترفته لأنال تلك القيامة، كنت أصرخ تحت إبط زوجة عمي: “لك فهمني شو عملت؟”، فاشتعل غضبه أكثر لأنني بدأت سؤالي بكلمة (لك)، فانبطح رحمه الله على بطنه فوق المسكينة التي بدورها تنبطح علي، وحاول جاهدا امساكي كفرصة أخيرة
-أنا ولك يا بنت الكلب؟
-لك مو قصدي، لك أنا آسفة.
لكم أن تتصوروا المشهد الصاخب المضحك حينها، لم يؤلمني شيء إلا شعوري بالتمدد والانهراس وأنا تحت الكتل اللحمية المهولة تلك.
بعد أن خارت قواه المسكين، وافتعل الإغماء، استطعنا الإفلات لبعض الوقت من قبضته، هنا كان لابد من التفكير المطول بماهية تهمتي وبكيفية الإفلات من الصفعة التالية أو الانبطاح القادم، ومج رحمه الله كأس الماء دفعة واحدة وبات جاهزا ليقصف بلسانه كل نساء الأرض، الموشح نفسه كل مرة، ذات البداية والختام، نفس الاختناق عند تلك الشتيمة، ونفس السعال عند ذلك الحرف، لم أسمع شيء، هي نفس النشرة التي حفظت فصولها عن ظهر قلب، كنت فقط أرقب يديه ورأسه وعكازه وأحاول كتم انفجار ضحكتي.
-عم تتصوري؟ ولك بعتك عند المغضوبة عالحفلة مشان تتصوري؟
المغضوبة هي ابنة جارتنا أم يونس ذات الشعر المنكوش، فتاة في التاسعة، وكنت أكبرها بخمسة أعوام.
-ولك إنتي ما بتعرفي شو بيعملو بالصور يخرب بيتك، بشيلو راسك بحطو مكانو راس تاني و بصوروكي جنب شي كلب من كلاب الشوارع، وهاتي على فضايح بآخر عمرنا.
لم أذكر أن جارتي التقطت إلا صورة جماعية واحدة، كانت فرحة بالتأكيد بصحن التبولة والقالب الاسفنجي اليتيم، وكنا كثر، أم يوسف الصديقة الصدوق لجدتي، وكوثر بنت آذنة المدرسة، وعلاء الطفل ذو الثلاث أعوام.
حاولت زوجة عمي تهدئة جدي، ومطالبته بالصلاة على النبي، واستذكار الأوراد لأن بها شفاء للصدور، وتذكرت أن على الغاضب أن يغير من جلسته بحال الغضب، فاستحلفته أن يقوم ويتمشى، فكانت الجولة الثانية.
كانت الشهقة التي سقطت من بدلة أسنانه أثناء تفتيشه لأغراضي، كفيلة بأن تجعل شريط ذاكرتي لتذكر كل قطعة من أين اشتريتها وكل دفتر ما كتب فيه، راجعت بشكل جنوني قائمة ما أملك، فلم تسعفني الذاكرة باستذكار اي محرم أو ممنوع، صاح بأعلى صوته وهو يلوح بصورة في إطار بلاستيكي.
-ولك مين هاد؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
من شدة خوفي أعدت عليه السؤال وصحت: ولك مين هاد. .
ثم مسك شعري وألصق الصورة بوجهي.
أدخلني حبك سيدتي مدن الأحزان، هذا ما تسلل إلى سمعي ثانيتها وأنا ارى صورة كاظم الساهر مبتسما تلك الابتسامة الفتاكة، لاحت لي ربطة عنقه التي لا أذكر لونها الآن وتموضعت ابتسامته فوقها، فوق ربطة عنقه تماما .
أذكر أنني كنت أضحك ودموعي من فرط الضحك تنهمر على قميصي.
-لك هاد كاظم الساهر يا جدي، كاظم الساهر يا مرت عمي، عرفتيه؟
وكانت المسكينة رغم ذاكرتها الحادة ومتابعتها لكل ما يبث على التلفاز لا تعرفه.
أفكر أحيانا بأنه يحق لي جديا مطالبة هذا الساهر ببعض التعويضات لرد اعتباري ولو بشكل متأخر، ربما كنت من المحظوظات اللاتي لم يسبقهن للضحك سكين الحارة واتهام الساهر.

رنا كلَش
Latest posts by رنا كلَش (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى