رأي

عبادة الشعار: البنك “الإسلامي” أنموذجاً

في تاريخنا الإسلامي تُعدّ حادثة رفع المصاحف على الأسنة والرماح في حرب صفين أوّل استغلال ناجح “للشعار الإسلامي” الذي حصد نتائجه معاوية بن أبي سفيان، فتربع حاكماً مطلقاً أعواماً عديدة على رقاب نفس الأفراد الذين جَرَوا وراء ذلك “الشعار” وتعبّدوا له، ظناً منهم أن فيه خلاصهم وسعادتهم.

واستمرت رحلة استغلال “الشعار الإسلامي” جيلاً بعد جيل إلى وقتنا الراهن بالآلية نفسها والخطوات عينها مع فارق واحد ألا وهو أن طموحات من ذكرنا وآماله كانت جساماً امتدت لتمسك بقرني إمبراطورية مترامية الأطراف، بينما طموحات من هم أمامنا اليوم لا تعدو أن تكون ضرباً من ضروب “الكُدية” والاستعطاء، لإنفاق سلعة، أو لاصطياد زبون. ولا عجب أن بتنا نرى ونسمع عن مسحوق “زمزم” للغسيل الآلي واليدوي، وشراب “مكة كولا” المنعش والمهضّم، ومستشفى “الطب الإسلامي”، والسمك “المذبوح على الطريقة الإسلامية”، وأخيراً وليس آخراً البنك “الإسلامي”، والتأمين “الإسلامي”، والصيرفة “الإسلامية”، والصكوك “الإسلامية”، وهلمّ جراً وسحباً وعتلاً.

وإنصافاً للتاريخ، وإن كان التاريخ لا ينتظر إنصافنا، نقول : إنّ فكرة البنك “الإسلامي”، أو البنك “اللاربوي” انطلقت في الأساس بدافع وهمٍّ إيديولوجيين، من رحم “الإسلام السياسي”، أو “لإسلام الحركي”. هذا الإسلام الذي نفخت فيه الروح حركة الإخوان المسلمون في مصر بقيادة الأستاذ الإمام حسن البنا، وقد أخذت هذه الحركة، ومثيلاتها في العالم الإسلامي، على عاتقها محاولة عملية أسلمة شاملة للمجتمع من تحت، تمهيداً لقيام دولة “إسلامية”، يَزَعُ الله بسلطانها ما لا يزعه بقرآنه، فنتج عن ذلك سعي مُلحّ لإيجاد “بدائل إسلامية” لكل منحىً من مناحي الحياة، وبدأت الدراسات تتوالى لتبحث وتؤصل تأصيلاً “إسلامياً” الاقتصادَ والمجتمعَ والتشريعَ أي “القوانين: الجزائية والمدنية والدستورية”، والقصة والرواية والمسرح، وصولاً إلى “أسلمة المعرفة”، وعلى رأسها العلوم الإنسانية، والاجتماعية.

وفي هذه الأجواء انبثقت فكرة إيجاد بنك “إسلامي”، وكان من أوائل روادها، إن لم يكن رائدها الأول الدكتور المرحوم عيسى عبده المقرَّب من الأستاذ الإمام البنا، واستمرت محاولات إنشاء هذا البنك منذ نهاية الأربعينات إلى أن تكللت بالنجاح التام في أواسط السبعينات، وفي أثناء هذه الرحلة “رحلة المشروع من الفكرة إلى التطبيق والتنفيذ” ازدلف “الاستغلال الشعاري” إلى “الهم الإيديولوجي” فتزاوجت “الإسلامية المصرية” و”الرأسمالية الخليجية” وأنجبا بنك دبي “الإسلامي”، وبنك فيصل “الإسلامي”، وبيت التمويل الكويتي إلخ، واستقطبت هذه البنوك “المتدينين” بفئتيهم : الفئة التي تحرص على التزام تعاليم الإسلام شكلاً ومضموناً، والفئة التي تعبد “الشعار الإسلامي” بما هو “جسد” و”صورة” و”ظاهر” و”حرف” بغضّ النظر عن الروح والمضمون والباطن والمعنى.

ولما اكتشفت البنوك الأجنبية ذلك، راح بعضها يلعب اللعبة ذاتها، وفي كل مرة أعلن بنك تقليدي من هذه البنوك الأوربية أو الأمريكية أنه افتتح نافذة أو منصة “إسلامية” كبّر المطبّلون من خبراء الاقتصاد “الإسلامي”، لهذا الفتح الاقتصادي المبين، والنصر الإسلامي العزيز، على اعتبار أن هؤلاء الغربيين يرجعون إلى ربهم جبراً وقهراً بعد أن لمسوا بأصابعهم كلها نجاعة الاقتصاد الإسلامي والحلول المالية الإسلامية، التي نأت بنفسها عن ذلك الانهيار الاقتصادي المريع الذي يتعرض الغرب له منذ عام 2007.

وفي هذه الأثناء صعد منظرو البنك “الإسلامي” بالاختلاف بينه وبين البنك “التقليدي” إلى الذروة. ولعل أهم فارق بيّنه هؤلاء، سوى أن “التقليدي” مسؤول عن الانهيار المالي الحالي، هو أن “الإسلامي” يقوم على مبدأ “المرابحة” في العقود الجائزة شرعاً، فينهض بوظيفة الوساطة المالية دون عزل المخاطرة، بينما يقوم البنك “التقليدي” على مبدأ القرض الربوي فقط، مهما تعددت صوره وأشكاله، بين تسهيلات ائتمانية، أو سحب على المكشوف، أو سند..
ونحن هنا لن نتجانف عن الواقع إن قلنا إن هذا التفريق مجرّد كلام معسول، ذلك أن نظام “المرابحة” في العقود حين أجازته الشريعة، فإنما أجازته باعتباره نشاطاً تجارياً استثمارياً، ولكنها لم تُجِزْه ليغدو ذريعة وتحايلاً وتمويهاً لعملية هي في جوهرها وأصلها وفصلها ووصلها “قرض”، لأنّ النتيجة ستغدو، كما سيتبيّن لنا في هذا المقال، أفظع وأفدح من “الفوائد البنكية”، وهذا ما يُدخل “المرابحة” في باب ما يراه أرباب البنك الإسلامي أنه “الربا”، الذي لا نبتغي له توسيعاً ولا تضييقاً، أكثر مما تدخله “الفائدة”، لأن مناط تحريم الربا هو “الظلم” النابع من الاستغلال {فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون} البقرة: 279، ولا شكّ في أنّ “المرابحة” في البنوك الإسلامية أكثر ظلماً واستغلالاً من “الفائدة” في البنوك التقليدية.

أما الفروق الحقيقية بين البنكين فهي ، كما أراها، ما يلي:
الأول: أنّ للبنك “الإسلامي” هيئة رقابية شرعية تسدد مساره وتهديه سواء السبيل، وأما البنك التقليدي فما له من هاد.
الثاني: أنّ البنك “الإسلامي” ليس بنك تنمية.
الثالث: أنّ البنك “الإسلامي” أقل رحمة من البنك التقليدي.
أولاً: أدوار هيئات الرقابة الشرعية:
لقد حرصت البنوك الإسلامية على اختيار هذه الهيئات من الأسماء العلمية المشهورة في عالم رجال الدين والمتدينين، وهي أسماء محترمة ومقدرة، لأنها ذات تاريخ عريق في العلم والتعليم والتأصيل الفقهي لمستجدات الحياة، ولا سيما المالية منها، لكنْ إذا كان البنك “الإسلامي” يدفع لهم رواتبهم بالدولار لا بالعملة الوطنية، فليس من أجل عيون الفتاوى الخارقة، ولا الحلول الشرعية المذهلة التي يقدمونها لعمليات هذا البنك، بل للأدوار التالية التي تقوم بها هذه “الهيئات”:
– أما الدور الأول: فهو دور “البرستيج” التكميلي التزييني لـ “الشعار الإسلامي” المطَمْئن لقلوب المؤمنين أن هذا البنك، فعلاً، بنك إسلامي.
– والدور الثاني: هو دور “المتغاضي” الساكت عن الحق، وعن كشف ما تراه هذه “الهيئات” نفسها أنه مخالفات شرعية ترتكبها هذه البنوك “الإسلامية”.
– والدور الثالث: هو دور “الممثل الإعلاني الإشهاري” الذي يستنفر كل المساحات المتاحة له من لقاءات عامة وخاصة، وخطب ودروس وكتب ومقالات وفتاوى ونصائح وإرشادات ومواعظ وعِبَر، في تكديس توكيدي يزيّن لجمهور المؤمنين الدخول في حظيرة قدس البنك “الإسلامي”، والتنعم بأجواء “الحلال” الدافئة الوثيرة البضّة التي تسيل البركة من أعطافها وأردانها، على خلاف البنك التقليدي “الربوي” العقيم الذي مُحقت البركة منه، فلم يهنأ متعامل معه في يوم من الأيام.
– أما الدور الرابع: فهو دور “المحامي” عن هذا البنك، والمدافع عنه، والمسوّغ لمجمل أدائه، ودور “الآسي” المسكِّن لآلام المشتكين من المتعاملين الذين يكتشفون أن هذا البنك يأخذ منهم “أرباحاً = فوائد” أكثر من البنك التقليدي.

ويهمني هنا أن أبين وأفصّل في دور “التغاضي والسكوت” الذي تقوم به هذه “الهيئات الرقابية الشرعية”.
فمن الواضح أن البنوك “الإسلامية” لا تنهج نهجاً مصرفياً يختلف في مضمونه عن نهج البنوك التقليدية، سوى في تبديل المصطلحات فقط، فـ “الربح” في البنك الإسلامي هو نفسه “الفائدة” في البنك التقليدي، بدليل أنّ البنك الإسلامي لا يستخدم مؤشرات خاصة به لتحديد نسبة “الربح” في العمليات التي يجريها، بل يعتمد معدلات “الفائدة” العالمية والمحلية في صعودها وهبوطها حذو النعل بالنعل، من مثل معدلات فائدة “ليبور السائد بين البنوك في سوق لندن ” أو “البرايم ريت”، لكن “هيئات الرقابة الشرعية” تتغاضى عن ذلك، بل تسوّغه وتحامي عنه “1”!

ومن الأدلة على أنّ هذه الهيئات لا دور لها سوى “السكوت والتغاضي”، أن البنوك “الإسلامية” لا تحترم قرارات المجامع الفقهية، ولا تقيم وزناً لتوصيات هيئات الرقابة الشرعية نفسها، فقد أجمعت هذه المجامع والهيئات على تحريم:
أ – التورق المنظم.
ب – المرابحة في سلع دولية.
غير أن معظم البنوك الإسلامية لا تحترم هذا التحريم، ولا تلقي له بالاً. لأنها إذا فعلت فسوف تقف وتنهار. ورغم ذلك فإنّ هذه “الهيئات” إذا تكلمت فإنما تتكلم من باب رفع العتب، وتأبى نزع صفة “الإسلامية” عن هذه البنوك لحاجة في نفوسها، أو بتعبير أدق “في جيوبها”.
ومما يثلج صدور أرباب البنك “الإسلامي” هو أنّ هذه الهيئات الشرعية مصابة بداء “الولاء للشكل” في حكمها على العقود، وهذا ما يتيح لها حرية الحركة بطريقة لا تختلف شروى نقير عن البنوك التقليدية، فبإمكانها حينئذ أن تمارس البيع أو الشراء بشكل صوري وافتراضي، لا بشكل حقيقي واقعي، أو أن تدمج عدة بيوع في بيع واحد، وأن تتعامل في الأسواق الدولية على ذلك الأساس، وبودي هنا لو يتم الاطلاع على المناقشات التي دارت حول صكوك “نخيل” الإسلامية التي أصدرتها شركة “نخيل” التابعة لشركة “دبي العالمية”، ومعنى كونها إسلامية؟ هذا المعنى الذي لا يعني شيئاً على الإطلاق، وهذا المعنى الذي لم يعصم الشركة من الغرق في بحر الإفلاس، على خلاف كل أوهام الاقتصاديين الإسلاميين الذين لم يتفقوا على تكييف فقهي أو شرعي لهذه الصكوك!!!

أما أنفع بركات هذه “الهيئات” فاختلافها الدائم فيما بينها في تأصيلها وتكييفها وفهمها للعقود، وهذا ما يتيح للبنوك الإسلامية اللعب على جميع حبال هذه “الهيئات”، أما الدعوات والمناشدات لتلافي هذا الاختلاف فلا أظن أنها ستذهب سوى أدراج الرياح، وبإمكان أستاذنا الدكتور البوطي أن يفرد بحثاً خاصاً بعنوان “سبل إمكانية التجانس في الفتاوى المالية في أعمال هيئات الرقابة الشرعية” “2” لكن سُبُله هذه لن تجد لها على أرض الواقع من سبيل، فالأمر لا يحتمل إلا الصورة الراهنة من الاختلاف وعدم التجانس.
ثانياً: البنك الإسلامي ليس بنكاً تنموياً:
نظرياً لا شيء يمنع من انخراط البنك الإسلامي في عملية التنمية بكافة صعدها وصورها، والمنظرون والمروجون للبنك الإسلامي ذوو الأفكار المخملية يرددون دائماً آمالهم وأمانيّهم في الدور التنموي الذي يمكن أن يؤديه هذا البنك، لكن عملياً وواقعياً لم ولن يكون هذا البنك كذلك، وهذا ما فصّله “أولفيه روا” في كتابه “تجربة الإسلام السياسي” حيث عقد فصلاً تحت عنوان: “الاقتصاد الإسلامي بين الأوهام والبلاغة”، وخلاصة ما أورده في هذا المجال بعد دراسة ميدانية أعرضه في النقاط التالية:
1 – لم يهدف إنشاء البنك الإسلامي إلى تغيير المجتمع، وإنما إلى اجتذاب زبائن جدد من نوعية خاصة.
2 – والمسوغ الذي اتخذته هذه البنوك هو أنها لا تجنب الزبون الإثم فحسب، بل إنها توفر له ربحاً أكبر.
3 – وبما أنها موجودة في بلدان ذات اقتصاد مترنح، ومعدلات تضخم مرتفعة، فإنها لا تستطيع أن تستمد أرباحها من الإنتاج الصناعي، بل ينبغي لها أن تقدم أرباحاً تفوق نسبتها نسب التضخم. لذا لا تجد أمامها سوى المضاربة والعمليات القصيرة الأمد.
4 – “والحال أنّ المضاربة تفضي عاجلاً أم آجلاً إلى الإفلاس، والأمثلة على إفلاس المؤسسات المالية “الإسلامية” لا تحصى. فمصرف الريان [الإسلامي] الذي تأسس في مطلع الثمانينات في مصر، على أساس مبدأ اقتسام الأرباح كان يقدّم مداخيل تتراوح بين 24 و30%، في حين أنّ مصارف الدولة كانت تقدم 13%، وسرعان ما تبيّن أنّ مثل هذه المداخيل كانت تستمد من المضاربة في الأسواق العالمية، فقد كان النجاح المؤقت الذي حققته المصارف الإسلامية يعود إلى لعبها على ما هو غير مستقر في الأسواق الغربية “سوق الذهب في شيكاغو، مثلاً، بالنسبة إلى مصرف الريان”، وحين تعاكس الظروف “أزمة وول ستريت في تشرين الأول/أكتوبر عام 1987″ يقع الإفلاس”.”3″

وهذا ما حدث لـ “مصرف الاعتماد والتجارة الدولية، BCCI وهو مصرف إدارته باكستانية ورساميله إماراتية، وقد أحدث إفلاسه هزة في العالم الإسلامي عام 1991”.”4″
وإذا أراد القارئ أمثلة أخرى أزيده بذكر مأساة بنك “التقوى” الإسلامي الذي تولى رئاسة هيئة رقابته الشرعية الدكتور القرضاوي، وكان أحد أهم المستثمرين فيه، وقد تورط هذه البنك في مضاربات كبيرة في إندونيسيا وماليزيا، وكانت النتيجة انهياره وإفلاسه بمجرّد حدوث الأزمة المالية في تلك الدول في أواخر التسعينات من القرن الماضي.
ثالثاً: البنك “الإسلامي” أقل رحمة:
أن يكون هذا البنك رحيماً فهذا من ثامن المستحيلات، لأنّ الفضيلة الوحيدة التي قام على أساسها غدت كرباجاً يلهب ظهور متعامليه، وهذه الفضيلة هي أنّه لا يفرض فوائد على المستحقات المتأخرة، وبما أن هذا المبدأ يرهق ميزانية هذه البنوك، ويؤثر سلباً في منافستها للبنوك التقليدية التي تفرض فوائد معينة على المستحقات المتأخرة فقد ابتدعت البنوك الإسلامية لنفسها مجموعة من الحلول التي لا يمكن أن أصفها بالإسلامية على الإطلاق، لأن فيها ضرراً أكبر من دفع فوائد التأخير، ولأن فيها تحايلاً عبر اللعب بالمسميات.

الحل الأول: رفع هوامش الربح خوفاً من المماطلة، وبذلك يغدو التمويل عن طريق البنك الإسلامي أعلى كلفة مقارنة بفوائد البنك التقليدي. فتتحول “المرابحة” إلى “مذابحة”، والمذبوح هنا هو ذلك المضطر المسكين، المحاصر بتهديدات مشايخنا وبوعيد علمائنا، وبتسويغاتهم القائلة: إذا كان دينك وإسلامك عزيزاً على قلبك فيجب أن تدفع أكثر، فهذه ضريبة “الحلال” التي يهون عندها كل مرتخص وغال!!!
الحل الثاني: المبالغة في طلب الرهونات والضمانات والتشدد في إعطاء فرص التمويل للعملاء خوفاً من التأخر في السداد، مما يجعل تعامل البنك الإسلامي محصوراً في فئة من الناس تتوفر لديهم ما يتطلبه التمويل الإسلامي من الضمانات الممتازة، وهذا ما يؤدي إلى جعل المال {دُولةً بين الأغنياء}، خلافاً لمقاصد الإسلام وأهدافه الحريصة على أن يكون المال دُولة بين جميع الطبقات!
الحل الثالث: هجر المبدأ القرآني القائل بإنظار المعسر، وتعطيله تعطيلاً تاماً، وهنا نجد أن مدة الإنظار لدى البنك التقليدي أطول، أما البنك الإسلامي فيسيّر الأمور في قسوة على قسوة، ويسارع إلى تنفيذ الحجوزات والرهون، حتى يتلافى الخسارة، وفي هذا إيقاع ضررٍ بالغ بالعميل يفوق أضعافاً مضاعفة ما يترتب عليه من دفع الفوائد على تأخير سداد المستحقات في البنك التقليدي، كما ذكرنا.
الحل الرابع: توجهت هيئات شرعية أخيراً في عدد من البنوك الإسلامية إلى اللعب على المسميات ففرضت “غرامات” تأخير على المتعثرين في السداد بدلاً من أخذ “فوائد”، وقد أوجبت تلك الهيئات صرف تلك الغرامات في أعمال الخير للخروج عن دائرة تحريم “الفوائد”. وهذا الحل فضلاً عن كونه “حيلة” واضحة وصريحة يخالف مرة أخرى المبدأ الإسلامي في التعامل مع المعسر، فبدلاً من الترفق به يصليه غرامات مالية، ثم يدعي أنه سيصرفها في وجوه الخير!!! هلاّ صرفها على المعسر ذاته!

على أن بعض البنوك الإسلامية عندما تقوم في بعض الأحيان برعاية بعض أعمال الخير، فهي ترفقها بدعاية إعلانية، وتغطية إعلامية، تفوق في تكاليفها ما قدمته لهذه الأعمال، وفي هذا مخالفة واضحة وصريحة للمبدأ الإسلامي في عمل الخير القائم على الإخلاص والكتمان بحيث لا تدري شمال الإنسان ما أنفقت يمينه، لكن تصرفات البنك الإسلامي تأبى الانصياع لتعاليم الإسلام، وتشمس وتجمح أمامها.
ومما تقدم يتبين لنا أن البنك الإسلامي إسلامي جداً حينما لا تعود عليه إسلاميته بضرر، لذا فليس له في الواقع من الإسلام سوى “الشعار”. شعار يُمجد تمجيداً باهتاً رخواً متكاسلاً. شعار قد تصلبت شرايينه وتكلّست فقراته. شعار يُعبد من دون الله، ويُراعى على خلاف مصلحة البشر! لذا لا يتوقعنَّ أصحاب البنك “الإسلامي” منّا الاستسلام البليد لهذا “الشعار”، ولا التقديس الأعمى له، أما إذا أرادوا أن تكون بنوكهم إسلاميةً بحق وبجدارة فليس أمامهم سوى أن يحولوها إلى جمعيات خيرية تقدّم القروض الاستهلاكية من خلال مبدأ “القرض الحسن”. أما ما سوى ذلك فهو مجرد تلاعب وتحايل واستثمار منافق.
الهوامش:
1- أحيل القارئ هنا إلى المقال الموجود على الإنترنت للباحث الاقتصادي الدكتور أسامة قاضي بعنوان: “لماذا تستخدم المصارف الإسلامية أسعار الفائدة كمعيار للحساب والتقدير؟”
2- انظر: د. محمد سعيد رمضان البوطي، كتاب: قضايا فقهية معاصرة، دار الفارابي. دمشق، ط1، 2009م.
3- انظر: أولفيه روا، تجربة الإسلام السياسي. ص 136، ترجمة: نصير مروة. دار الساقي لندن ط1 سنة 1994.
4- المصدر نفسه.
جمعية الأوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى