عن اللجوء والهجرة والاندماج

قرص الفلافل V.S ورق التواليت

كثيرا ما يخيل إلينا، نحن وافدو هذا العالم الأشقر الجديد، عندما نسمع بمفردة الاندماج قرص الفلافل، ربما لأن أغلب الألمان يعرفون عن فتنة مطبخنا أكثر مما يعرفون عنا. لطالما حاولت مراقبة الجو العام لكل اجتماع انتركاسيوني يحدث، وكنت أخلص الى نتيجة شهية، وهي أن ذائقة بطوننا تقربنا لمعدة الآخرين، ولكن هل هذا يكفي؟؟؟؟

أتذكر ذلك السؤال الذي مسحت به أنفي تلك السبعينية الألمانية عندما فاجأتني بسؤالها: “هل لديكم محارم تواليت في سوريا؟”، كان لابد لي في تلك اللحظة أن أكتم صوت المرحاض (السيفون) في أذني وأن أفتعل ابتسامة ناصعة وأجيب.

السؤال لم يكن الوحيد من نوعه من حيث الجهل أو التجاهل لما نحن عليه، لقد كانت المواقف والقصص التي أشعرتني بأن لهذا العالم الأشقر تصورا يريد له الإعلام أن يبقى في الأذهان وأن يبعد كل ما هو حقيقي أو واقعي في زمننا هذا .

مطالبتي بأن أرسم تراثي وحضارتي متمثلة بجمل يمشي الهوينى في الصحراء القاحلة، أشعرتني بأن هنالك خللاً في أذهان البعض في تصور ماهيتنا أو تخيل حضارتنا.

النشاطات الاجتماعية النسائية التي باتت تكثر هنا وهناك، تحت مسميات عديدة، منها إفطار الاندماج، لقاء سيدات الاندماج وغيرها، لم تكن تعدو عن مجرد لقاء صباحي فيه الكثير من القهوة والحلويات وبعض الدردشة الخجولة أحيانا، مع بقاء كل كوكب بمعزل عن الكوكب الآخر. هو طبق يجمع الشعبين وعند انتهائه ينفض كل صاحب شغل الى مشغلته ويعود كل ساكن إلى دياره.

بقي ذلك السؤال السيفوني الراكب على جمله المنهك يعتصرني لوقت طويل، وكنت أتحين كل الفرص لأرفع في كل مناسبة يافطة تحت عنوان: “لدينا ورق حمام أيها السادة”، ثم اكتشفت بأن التبرير ومحاولة تغيير الصورة الخاطئة لا يتم في هذه الصورة الرثة حتما، لابد من طرق أخرى، تحور مسار الفهم من المعدة إلى الروح والعقل، ثم قادني التفكير إلى البدء بالخيط الذي يعنيني والذي أنتمي إليه: (النساء).

حاجة نساء الأرض للبوح التعبير هي حاجة مشتركة بين جميع بنات هذا الجنس اللطيف، ولأن حاجز اللغة قد يمنع الكثيرات من مجرد المحاولة أو الرغبة بالحديث، ولا شيء يستطيع فض ذلك العجز اللغوي والجغرافي بين الشعوب كالفن، الفن الذي وإن اختلف صناعه ومبدعوه، يبقى شيئا إنسانيا مشتركا، له خصوصية بعيدة عن طلاسم اللغات وتعقيدات القواعد، فكانت فكرة أن أجمع حواء الشقراء والسمراء على طاولة واحدة، وبيد كل منهما ريشة وألوان وورقة فكرة طريفة ومثيرة.

لم أكن أتوقع خروج ذلك اللون الرائع من تلك التوليفة الرقيقة، لقد كان اختفاء الحارس من على حدود البلدين يجعل من الطاولة البنية مساحة أرض مشتركة، أرض تسمع فيها همسة إعجاب ونظرة تشجيع، لم يكن حجاب هيفاء يثير شفقة ناتاليا، ولم يكن وشم بيريت يستدعي تساؤلات سعاد .

الاندماج ليس وصفة سحرية أو برنامج تأهيلي أو تهجين صناعي كما يتبادر لأذهان البعض، الاندماج أن يؤمن كل طرف باختلاف وتفرد الطرف الآخر، ولن ننكر أن عامل الوقت له دوره في فك كثير من الشيفرات المغلقة بين الطرفين.

رنا كلَش
Latest posts by رنا كلَش (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى