مقابلات صحفية

مقابلة مع المعتقلة السابقة هنادة الرفاعي

حاورها: اسماعيل كردية

هنادة الرفاعي من محافظة درعا مواليد 23/6/1962 حاصله على بكالوريوس آداب جامعة كراتشي /باكستان وكانت تمارس مهنة تدريس اللغة الإنكليزية.
تقول السيدة هنادة: لم تكن لدي اهتمامات بالسياسية اليومية قبل الثورة ولكن كنت أتابع الشأن العام السوري كأي مواطن، هذا تغير منذ بداية الثورة وحصار درعا وأصبحت السياسة هاجس واهتمام لكل سوري وغدت مسألة حياة وموت وكرامة، كنت أعمل ضمن فريق إعلامي باسم الحورانية نرسل مقاطع عنف الأمن خلال المظاهرات السِّلمية وآثار التعذيب على أجساد المعتقلين والشهداء لكل المنظمات الإنسانية والقنوات الإعلامية بالإضافة للعمل ضمن منظمة مدنية لإغاثة اللاجئين. وبتاريخ 15/آذار 2012 تم اعتقالي مدة 7 أشهر في قبو فرع المخابرات الجوية بحرستا
كيف تقيّمين الحياة السياسية في سوريا قبل عام ٢٠١١؟
مجتمع تحت المراقبة والرعب والتهديد. منذ استيلاء الدكتاتور حافظ الأسد على السلطة في 1970 بدأ القمع المكشوف والعاري بعد تدخله في لبنان تجاه القوى السياسية اليسارية وبقيت الأحكام العرفية سيفاً على رقاب الناس إضافة الى تدجين المجتمع عبر منظمات اتحاد الفلاحين والعمال والشبيبة والمظليين إلى ما هنالك من آليات تدجين المجتمع السوري، بعد أحداث مدرسة المدفعية برز أكثر دور الأجهزة الأمنية في الضغط على أنفاس المجتمع وبدأت سوريا تدخل مرحلة الفساد والإفساد ولكن بعد أحداث عام 1982 أصبح المجتمع السوري يفتقر إلى الحد الأدنى من الممارسة السياسية وبدأت الاعتقالات تشمل القوى اليسارية والتيارات الدينية عندها أصبحت سوريا بمثابة الصندوق الأسود.
عملية اعتقالك كيف كانت وماهي ملابساتها؟
تم اعتقالي على حاجز طيّار بمدخل مدينة دمشق كنت أقود سيارتي عائدةً من مدينة النبك وكان برفقتي ضابطٌ منشقٌّ وصيدلاني وتم اقتيادنا جميعا إلى فرع الجويّة بحرستا حيث كتب على أحد جدران الزنزانة لا تسأل أين أنت فأنت في فرع الجوية حرستا وتمّ التحقيق معنا واحداً تلو الآخر بيدين مكبّلتين وراء الظهر وعيونٍ مطمّشةٍ وحشرٍ في الدولاب والضرب المبرح على أسفل القدمين وكنت استطعت رغم التطميشة على عيوني رؤية العميد محمد رحمون وهو يجلس على أريكة وقد لف ساقاً فوق الأخرى مستمتعاً بإهانتي وضربي على الدولاب من قبل عناصره وهو يتفحص موبايلي ورسائلي وبالطبع وجّهت لي تهمٌ كثيرةٌ منها التعامل مع الموساد والتواصل مع السفارة الأمريكية والتحريض بالكتابة على الفيس بوك لإسقاط النظام.
الحياة داخل السجن مليئة بالتفاصيل.. كيف كانت؟
السجن عالمٌ خاصٌ، الحديث عن حياة السجون أتصور من الصعب نقل الذي كان يحصل لأن العقل الإنساني لن يستوعب الذي يحصل في السجون الأسدية. هناك لا ليلٌ ولا نهارٌ، لا شمسٌ ولا قمرٌ، لا نعرف الوقت ولا اليوم وكنت قد حفرت روزنامتي الخاصة على الحائط المقابل لباب الزنزانة الأسود الكريه، كانت الرطوبة تملأ المكان وكان من الصعب تجفيف ملابسنا إن حالفنا الحظ واستطعنا غسيلها والنوم على الأرض القذرة كل تلك الشهور، وكانت وسادتي كيس من فتافيت الخبز اليابس وقد غزا جسدي القمل طبعا. المعتقلات رعب حقيقي وألمٌ وذلٌّ وقهرٌ حيث لا توجد خطوطٌ حمراء والإنسان لا قيمة له هناك، بعد الانتهاء من مرحلة التحقيق تبقى الأمور الصغيرة هي الأهم عند السجين مثل قطعة الخبز أو الحمام أو أن ينام دون سماع أصوات التعذيب وووو….آثار العزلة والضغط اليومي ربما ترافق حياته بشكل دائم.
لديك أخٌ ضابطٌ استشهد في المعتقل هل نستطيع أن نعلم منك ملابسات اعتقاله واستشهاده؟
أخي شهيدٌ تحت التعذيب، نايف الرفاعي قاضي عسكري برتبة نقيب تم اعتقاله بعد اعتقالي بأسبوع ولا أعرف هل كان اعتقالي السبب أيضا باعتقال أخي، لاحقاً عرفنا أنه تمّ رفع الحصانة عنه قبل اعتقاله بثلاثة أشهر حيث لم يكن من المرضى عليهم من قبل النظام بسبب مساعدته ومساندته للمعتقلين فقد كان شجاعا لا يهاب قول كلمة حق وكان يحلم بتحقيق العدالة ولكن للأسف لم يستطع هو ذاته الحصول عليها. قضى مدة تجاوزت العامين في سجن صيدنايا ثم تم ضربه حتى الموت هناك ولا نعرف أين دفنوه حيث لم نستلم جثّته وكنت أتلقى الكثير من الرسائل من معتقلين تمّ الإفراج عنهم بمساعدة أخي يمدحونه ومدينين له بحياتهم حتى ترفيعه في رتبته العسكرية قبل الثورة تأخر دورتين بسبب إصراره على محاسبة عساكر في القصر الجمهوري لضربهم رجلاً كبيراً في السّن فقط لأنه تجاوزهم بسيارته.
عند لحظة الاعتقال يتوقف الزمن بالنسبة للمعتقل كيف كنت تنظرين للعالم خارج السجن؟
الحرّية كلمة حلوة وعذبة في مرحلة الاعتقال وفي السجن هناك يصبح الانسان عارٍ أمام نفسه وقبل أي شيءٍ يحاول أي معتقلٍ أن يحافظ على انسانيته وأتصور هذه المهمة ليست سهلة لأي معتقل عالم السجن خاص جداً لأنه يعيش بوضع غير طبيعي وآثاره الجانبية تنعكس على كل سلوكه وكان السؤال اليومي الذي يدور بذهني وأعتقد بذهن كل معتقل هل يعلم العالم خارج أسوار المعتقلات ما نعانيه وهل بالفعل يجدّون لإيجاد حلٍّ لإخراجنا من هذا الجحيم؟
عملية إطلاق سراحك كيف كانت؟ وهل كان لديك أملٌ بالخروج من المعتقل؟
بداية الاعتقال كنت أوهم نفسي أنه كابوس وسأستيقظ لأجد نفسي في بيتي وبين أولادي ثم تيقّنت أنها الحقيقة وبدأت الانتظار علّ وعسى يخرجني أحد وبعد شهور بدأت أفقد الأمل وشعرت أنني سأموت في ذلك المكان ولن يعلم أحد أين أنا ثم جاء الفرج بتحويلي لمحكمةٍ عسكريّةٍ وبعدها للمحكمة المدنية وتم إطلاق سراحي وبعثت للحياة من جديد.
درعا مهد الثورة السورية ماهي الأسباب التي ادت الى تسليم درعا للنظام برأيك؟
درعا مهد الثورة السورية، قال عنها امرؤ القيس (فَلَمّا بَدَتْ حَوْرَانُ في الآلِ دونها نظرتَ فلم تنظر بعينيك منظرا)
قدر درعا أن تبدأ بأكبر الاحتجاجات والمعارضة ضد النظام والتي لم يشهدها تاريخ سوريا منذ 50 عاماً حيث بدأت الاحتجاجات في درعا بسبب قيام المخابرات باعتقال مجموعة من أطفال درعا بسبب كتاباتهم عبارات الحرية على جدران مدارسهم أما الأسباب التي أدت إلى الانكسار والتراجع يعود الى شدة القمع واستخدام النظام العقوبات والقصف على المدنيين والعامل الآخر هو عدم قدرة المعارضة على تهيئة الظروف المناسبة للناس للاستمرار في الاحتجاجات إضافة إلى الانقسامات التي حصلت داخل حاضنة الحراك والجيش الحر هذه الأسباب سهّلت للنظام الدخول في مفاوضات مع بعض الوجهاء وبعض الضباط المنشقين بالتعاون مع الروس لتشكيل لجنة مصالحات في محافظة درعا.
المرأة قدّمت تضحياتٍ كبيرةٍ ضمن الثورة السورية، هل تجدين تلك التضحيات ظلمت من قبل المجتمع السوري؟
لعبت المرأة السورية أدواراً متعددة في الثورة السورية، فمنذ الأيام الأولى للثورة كان لها بصمتها، وحتى قبل ذلك ذاع صيت الكثير من ناشطات الحرية مثل رزان زيتونة والأشهر الشابة “طل الملوحي” وغيرهن الكثيرات اللواتي ضحين بحياتهن من أجل الحرية. كثير من النساء اللّواتي اعتقلن في سجون النظام قدّر لهنّ النجاة وكتبت لهنّ حياة جديدة بمجرّد خروجهنّ من تلك المعتقلات، الّتي طالما أودت بحياة المئات من الشباب السوريّ، ولكن بعد الخروج من المعتقلات وجدن أنفسهنّ ملامات من قبل المجتمعات حيث يعشن بسبب العادات والتقاليد الّتي تحكم هذه المجتمعات وترمي بظلالها في التعامل مع المرأة، لا سيّما أنّ المعتقلات بمعظمهنّ في سجون النظام تعرّضن لانتهاكاتٍ جسديّة واغتصبن من قبل القائمين على الفروع الأمنيّة الّتي كنّ معتقلات فيها، حيث انتهجت القوّات الحكوميّة منذ الأشهر الأولى للحراك الشعبيّ سياسة العنف الجنسيّ بهدف ترهيب الحراك الشعبيّ وقمعه. ولقد وثقت “الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان” 52 حالة لنساء تعرّضن لعنف جنسيّ خلال فترة اعتقالهنّ، فيما قالت الشبكة إنّها تقدّر 7500 حادثة عنف جنسيّ ارتكب العديد منها بحقّ أطفال دون سنّ الـ 18.
العمل السياسي قبل انطلاق الثورة في سوريا كان معدوماً كيف ترين تأثير ذلك على مسار الثورة السورية؟
قبل 2011 كان الواقع السياسي في أزمة كبيرة نتيجة القمع المديد الذي طال الحجر والشجر هناك آلاف من المعتقلين الذين كانوا بسجون النظام من أغلب التيارات السياسية والقوى الموجودة في حالة موتٍ سريريٍّ نتيجة خروج معظمهم بروح انكسارية لا أمل لديهم في السياسة نتيجة الظروف الدي عاشوها في سجون تدمر وصيدنايا وعدرا وغيرها من أقبية وفروع الأجهزة الأمنية بالإضافة إلى عدم استطاعة تلك القوى لملمة ذاتها وبقيت الخلافات تنهش بجسدها وعندما حصل الحراك لم تسطع أن تقود ذلك الحراك لأسباب كثيرة منها عدم مصداقيتها عند الشارع السوري بالمقابل إن الحراك لم يستطع افراز هيئة أو قيادة تقود العمل بالشارع خلال الفترة الأولى من الحراك.
هل الخيار العسكري برأيك كان خياراً مفروضاً أم هو جاء بالسياق الطبيعي للثورات؟
أتصور القوى المتصارعة في الحدث السوري كان له دورٌ كبيرٌ في تحويل الصراع إلى صراعٍ مسلّحٍ من طرفي النظام وبعض قوى المعارضة ذات الاتجاه الإسلامي، كل طرف حاول الشد باتجاه العسكرة وخاصة بعد الذي حصل عند الهجوم على مفرزة الأمن العسكري في جسر الشغور فهذا التطور أدى بدوره الى قيام النظام بإدخال سلاحي الطيران والمدفعية وقوات الحرس الجمهوري إلى ساحة الصراع وتم تدمير المدن والقرى والبشر وبالمحصلة فإن ما حدث هو ظهور العشرات من الكتائب والمجموعات العسكرية التي لا أحد يعلم من أين يأتيها الدعم والتمويل وغاب الحراك المدني الحقيقي من الساحة السورية إما بالاعتقالات او الهروب إلى الدول المجاورة أو اللجوء إلى الدول الأوروبية.
تمّ انشاء منظماتٍ كثيرةٍ للعمل على ملفّ المعتقلين، هل وصلت هذه المنظمات إلى المستوى المطلوب منها؟
حول ملف المعتقلين تشكّلت عشرات المنظمات السورية الحقوقية والإغاثية، لكنّ معظمها أصبح بمثابة دكاكين للمتاجرة بالدم السوري، هذا لا يعني الجميع لأن هنالك منظمات حقوقية عملت بمهنيّةٍ وشرفٍ للدفاع عن حقوق المعتقلين.
يحزّ في نفسي القول أنّه عادةً يتمّ تدوير رأس المال لكنّ المنظمات والمعارضة أبدعوا بأعمالٍ نادرةٍ وهي تدوير البشر من المجلس إلى الائتلاف، من المنظمات النسوية إلى المنظمات الحقوقيّة وهكذا نفس الأشخاص إلى الآن، سابقا كان يمارسها النظام التدوير من محافظ إلى وزير إلى سفير ويبدو أن المعارضة السورية قد تفنّنت أكثر بهذا الموضوع، لا نريد دفن رؤوسنا في الرمل كالنعامة والتحدث فقط عن الإيجابيّات لنكن صريحين ونتحدث عن السلبيات أيضا وما أكثرها فقد أخطأنا في أمورٍ كثيرةٍ خلال العشر سنواتٍ التي مرّت.
المنظمات النسوية السورية كيف تقيّمين عملها وهل هي تسير في الطريق الصحيح؟
ما زلنا نحتاج إلى الكثير من الخبرة فنحن شعبٌ لم نمارس السياسة ولا تعلّمنا كيفية عمل المنظّمات المدنيّة، مع الأسف الشّلليّة وعدم الشّفافية طبعت معظم المنظمات النسوية، فهي لم تستطع الاستفادة من أخطاء القوى المعارضة التي كانت مدرسةً في التّسلط والمحسوبيات وتوزيع المهام حسب القرب أو البعد عن هذا التنظيم أو ذاك وهذا أثّر على كل دكاكين المعارضة السورية.
السيدة هنادة هل شعرت بالندم واليأس من كل ما وقع إلى الان؟
في الحقيقة لا أستطيع القول أنني أشعر بالندم واليأس ولا أريد أن أشعر بذلك، ولكن عندما نرى ما حصل في نهاية الأمر عندما أصبحنا قبائل وعشائر رغم كل تلك التضحيات من تشريدٍ وتدميرٍ لا بدّ من الشعور بالغثيان مما حصل فقد دفعنا ثمناً باهظاً لقيمٍ ساميةٍ طمحنا لتحقيقها ولكن لا زلنا نتخبّط في نزاعاتٍ دمّرت السوريين ودمّرت البلد دون أن نتقدّم خطوةً واحدةً في تحقيق ما كنّا نرجوه ولكن لا زال هناك أملٌ ننتظره.
ماذا تعني لك الثورة السورية ٢٠١١، وما هي رؤيتك للمشهد السوري الحالي؟
الثورة السورية 2011 بالنسبة لي تعني الكثير تتجلى فيها كل القيّم التي تستحق أن نفخر بها، فهي الحريّة والكرامة وحمل الروح على الكفّ لأجل قضيةِ شعبٍ ووطنٍ، ويحزنني أنّ الثورة السورية أنتجت ثورةً مضادّةً، نعم كانت ثورةً بكلّ معنى الكلمة ليس على الدكتاتور فقط وإنما ثورةً على المجتمع الفاسد الذي أفسده النظام المجرم طيلة 50 عاماً ثورةً على القيم والعادات البالية التي عشناها سابقاً، إنّ الحراك الثوريّ نبش عفونة المجتمع السوري وجعل هذا المجتمع والسلطة عاريان تماماً.
كلمةٌ اخيرةٌ توجهينها للمعتقلين وللمعتقلات المغيّبين في سجون النظام وسجون الفصائل الإسلامية؟
كلمتي لفرسان الحريّة: أتمنّى لهم الحرية قريباً، وأدعو العالم الحرّ الذي تعزّ عليه كرامة الإنسان التّدخل من أجل الإفراج عن كل المعتقلين والمعتقلات والمغيّبين في سجون النظام المجرم وسجون فصائل الظلام والقهر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى