مقابلات صحفية

مقابلة مع المعتقل السابق عبد الكريم حمدون

حاوره: اسماعيل كردية

عبد الكريم منذر حمدون من مدينة حماه مواليد ١٩٨١ خريج جامعة البعث حمص اختصاص أدب عربي. ناشط في الثورة السورية اعتقل لمدة ٦أشهر في فرعي الأمن السياسي والأمن العسكري في مدينة حماة.

عبد الكريم انت ابن شهيد في أحداث حماه.. كيف كان تأثير ذلك على مسار حياتك؟
استشهاد أبي على يد جيش الأسد في الثمانينات كان له أثر سلبي جدا في حياتي حيث كنت دائم الشعور بالظلم وكان عندي دافع دائم للانتقام من كل ما يخص السلطة القائمة من أفرع أمنية وسلطوية مجرمة. كنت أكرههم وأعتبرهم السبب في حرماني من نعمة الأبوة، وكنت أدرك حجم الظلم والقهر الذي تعيشه بلدي سوريا حتى وصلت لدرجة من عدم الانتماء لهذا البلد، اذ كنت أعتبر سوريا لهم وليست لنا.
الاعتقال.. كيف كانت ملابساته؟
اعتقلت في شهر آب من عام ٢٠١٢ بعد بداية الثورة بحوالي سنة ونصف مع بداية العمل المسلح ضد أجهزة النظام المجرم من طرف الثوار. وكنت قد شكلت مجموعة مسلحة تتبع للجيش السوري الحر المؤسس حديثا، وقد كنت في مهمة على أطراف مدينة حماة في منطقة عسكرية تتبع لجيش الأسد المجرم وكنت أعمل على زرع عبوات ناسفة تستهدف أرتال النظام التي تتوجه بشكل يومي لاقتحام أحياء المدينة حيث يرتكب أفظع الجرائم بحق المدنيين العزل والمتظاهرين السلميين وقد تم اعتقالي أثناء زرعي للعبوات الناسفة من خلال عميل للأمن السياسي يعمل كسائق سيارة أجرة على حاجز مؤسسة الأعلاف الكائن في حي طريق حلب في مدينة حماة.
حدثنا عن فترة السجن. وتفاصيل يومك في المعتقل.
دخولي لزنزانة الفرع في أول يوم كان الأصعب حيث تم تعذيبي على الحاجز لمدة ساعة من الضرب والإهانة ريثما وصلت سيارة الفرع لنقلي للفرع ومن ثم وصلت للفرع مطمش العينين لا أرى شيئا ولا أعرف من يضربني ولا أسمع سوى الإهانات اللفظية والركل بالأرجل. تم تجريدي من ملابسي كإجراء كي لا أكون قد أخفيت سلاحا فرديا رغم تفتيشي على الحاجز جسديا ومن ثم تم ركلي لداخل الزنزانة التي لا تتعدى مساحتها العشرة أمتار مربعة وحينها رأيت منظرا مريعا ومرعبا. حوالي الأربعين معتقلا ضمن هذه الزنزانة الضيقة حيث لا هواء ورائحة الدم والقيح تملئ المكان. الدم السائل من المعتقلين الذين يخرجون للتحقيق ويعودون منه وجراحهم تسيل منها الدماء والقيح، وضمن هذه الغرفة الصغيرة مكان لقضاء حاجة المعتقلين مكشوف وفيه حنفية ماء للاستنجاء من فضلاتنا وهي نفسها لنشرب منها الماء غير الصالح للشرب. لا أنسى طعم الماء المشبع بالكبريت الحامض،آهات وأنين وأوجاع، حتى الصراخ ممنوع والطعام لكل معتقل نصف رغيف مع أربع حبات زيتون فقط.
هل ما حدث في عام ١٩٨٢ في مدينة حماه برأيك كان ثورةً أم تمرداً يخص تنظيم الإخوان المسلمين؟
ما حدث في الثمانينات في مدينة حماة هي هبة شعبية مسلحة لا علاقة لها بتنظيم الإخوان المسلمين أبدا. فالطليعة المقاتلة التي قارعت النظام كانت على خلاف كبير مع جماعة الإخوان المسلمين كحركة سياسية، والطليعة المقاتلة كانت من أبناء المدينة، وكان عملها ردا على جرائم سابقة قام بها النظام بحق أبناء المدينة منذ عام ١٩٦٤، حيث اقتحم الجيش السوري مدينة حماة وهدم فيها مساجد وقتل خيرة أبناءها واعتقل منهم ما يقارب ١٥٠٠ شاب ورجل.
تتهم حماه من قبل النظام بأنها مدينه مغلقه راديكالية. هل من الممكن أن توضح لنا كيف هي الحياة السياسية ضمن الشعب الحموي؟
الممارسات بحق أبناء المدينة كانت بسبب مواقفها من تسلط البعث المجرم على المجتمع السوري عموما وعلى مدينة حماة خصوصا بسبب وجود نخبة سياسية وعسكرية من أبنائها ممن كان لهم دور مهم في الحياة السياسية السورية عموما، وكانوا بيضة القبان في رسم سياسات سوريا خارجيا.
مدينة حماة لم تكن يوما مغلقة وراديكالية أبدا. فيها نخب مثقفة ونخب فنية وقامات أدبية كبيرة وعلمية وفيها أحياء كاملة للأخوة المسيحيين الحمويين الذين يعيشون فيها مع إخوتهم المسلمين وانا شخصيا ابن حي مختلط بين المسيحيين والمسلمين. إنما تم تشويه مدينة حماة بشكل ممنهج ليكون الحموي مكروهاً في أوساط السوريين ولتكون حماة درسا لكل حركة تمرد قد تتحرك لاحقا في سوريا.
حدثنا عن زملائك في المعتقل، علاقتك بهم وموقفٌ لا يمحى من ذاكرتك مع أحدهم.
كان لي صديق في المعتقل فلسطيني سوري قد لازمني طوال فترة اعتقالي في الأمن السياسي، مدة ثلاثة أشهر، ومن بعدها تم تحويله لأفرع مدينة دمشق ولم يعد هناك خبر عنه. لازلت اتواصل مع اهله من فترة لأخرى وأسأل عنه ولا خبر عنه كمئات الآلاف من المفقودين في سوريا. كان دمثا جدا وكانت أخلاقه عالية، كان خريج اقتصاد جامعة حلب. اعتقل بسبب نشاطه الإغاثي لعائلات شهداء المظاهرات السلميين. كان دائما ما يغفو على كتفي وأنا أحدثه عن خروجنا من المعتقل وأبث فيه الأمل، كان يبتسم ابتسامة يأس في آخر يوم له في الأمن السياسي قبل تحويله للموت في أفرع دمشق. كان يقول لي: “لو يخرجوني أرى ابنتي مدة ساعة وأعود للمعتقل لآخر حياتي.” كانت أمنيته الوحيدة أن يرى ابنته التي لم يرزق بغيرها، اسمها طلة كان ينطق اسمها بغصة وحرقة.
بما انك ابن شهيد، هل كان الانتقام هدفك أم أمر مختلف؟
الانتقام كان رغبة عندي قبل قيام الثورة السورية، إنما بعد الثورة فقد اكتمل الوعي السياسي عندي، وقد أصبح هدفي هو تحرير كامل التراب السوري من هذه العصابة المارقة التي تعيث في المنطقة فسادا وإجراما. عصابة أقلوية سلطوية طائفية قذرة.
سؤال عن شخصيه من رجال حماه اتهم ب ١٩٨٢ بالإرهاب وتم التمثيل بجثمانه من قبل النظام السوري وهو بسام أرناؤوط. كيف كانت هذه الشخصية وماذا فعل ضمن انتفاضة ١٩٨٢.
بسام أرناؤوط اسم لا يمحى من ذاكرتي. كان الحديث عنه قبل الثورة أشبه بالجريمة. كان بطلا شعبيا لكن في سر ووجدان كل مواطن حموي شريف. لا أعرفه شخصيا، إنما كنت أسمع عنه القصص والحكايات عن مواقفه الرجولية والوطنية ضد عصابة حافظ ورفعت الأسد المجرمة كان قريبا من وجدان الحمويين. تم اعتقاله صدفة على يد شرطي وتم التمثيل بجسده الطاهر حيث ربط بدبابة وسحب بها في كل احياء مدينة حماة ليكون عبرة لكل صوت حر ضد عصابة الأسد. بكل فخر بسام أرناؤوط رجل بحجم وطن، بسام أرناؤوط سوري حموي أصيل.
برأيك، البندقية كانت طريقاً لابد من خوضه أم فرضاً على الثورة خارج إرادتها؟
العمل المسلح والكفاح المسلح طريق لابد من خوضه مع عدو لا يعرف إلا لغة الحديد والنار مع نظام قتل وارتكب مجازر لا تعد ولا تحصى على مرأى المجتمع الدولي قاطبة دون أي موقف حقيقي منهم للجم هذه العصابة. فكان لابد من الكفاح المسلح لحماية اهلنا من إجرامهم.
هل أصابك الندم؟
في طريق النضال والثورة لن ولا أندم فطريقنا طريق من سبقنا من الشهداء. هي النصر أو الموت في سبيل الله والوطن.
من هو المعتقل؟
المعتقل هو ناج من الموت المحتوم بانتظار موت أو حياة جديدة. المعتقل هو من كتبت الأقدار له عمرا جديدا مليئاً بالانتظار والترقب.
ما الذي عنته لك الثورة عند انطلاقتها؟ ووصولها فيما بعد الى حال يشبه النكسة؟
الثورة هي الحياة فلا حياة بلا حرية وأما نكستها فهي طبيعية وهي كبوة جواد ولكل جواد كبوة. الثورة تمرض ولا تموت.
هل من رسالة تود أن توجهها للمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني حول العالم بخصوص ملف معتقلي الرأي في سوريا؟
أوجه رسالة لمنظمات حقوق الإنسان في العالم أجمع أن هناك في سوريا مئات الآلاف من المعتقلين الذين ينتظرون الموت. فلا تنسوهم ولا تتركوهم لمصيرهم في مواجهة الموت الزؤام على يد عصابة الأسد. هم أولى ملفات حقوق الإنسان دوليا .المعتقلون في قلوبنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى