مقابلات صحفية

مقابلة مع الناشطة السياسية ثورة كردية، عضو الهيئة الإدارية في تنسيقية النمسا

حاورها: مؤيد غنام

تفاصيل الحصار والنزوح، اعتقال زوجها ووفاته تحت التعذيب في المعتقل، مسؤولية تربية الأولاد لوحدها، ومتابعة مشوار العمل السياسي الداعم للثورة من بلاد اللجوء في النمسا، في حوار مع الناشطة ثورة كردية، عضو الهيئة الإدارية في تنسيقية النمسا.

بدايةً من هي ثورة كرديه في سطور؟

أنا ثورة كردية، من مواليد مدينة سلمية التابعة لمحافظة حماة. انتمى الي اسرة متوسطة الدخل كان جلَّ اهتمامها العمل السياسي. خريجة كلية التربية وعلم النفس (قسم رياض أطفال). أكسبني اعتقال اشقائي القوة والإصرار على تحمل المسؤوليات ومتابعة دراستي اضافة الى انخراطي في العمل في سنٍ مبكرة لإعالة أسرتي مادياً. وانضمت للثورة منذ أيامها الأولى.

حدثينا عن اعتقال زوجك الدكتور رضوان برهان، كيف تعاملتِ مع الموقف؟ وما هي الأثار التي نتجت عن اعتقال الدكتور رضوان واستشهاده تحت التعذيب؟

في الحقيقة جاء اعتقال زوجي بعد نزوحِنا بستةِ أشهر من مدينة الزبداني على أثر قصف مُركز على جميع انحاء المدينة، واستقرارنا في منطقة بلودان التابعة لمدينة الزبداني. بعد هدنة تم الاتفاق عليها بين الثوار والجيش، قررنا أنا وزوجي الذهاب الى مدينة الزبداني لإحضار بعض الحاجيات من شقتنا، وكانت برفقتنا ابنتي الصغيرة ذات الثمانية سنوات، وفي طريق العودة تم ايقاف زوجي على الحاجز من قبل الجيش، ووسط بكاء ابنتي العالي وشهقاتها المؤلمة لنفسي، أُخرج زوجي من السيارة وأُخذ الى مكان مجهول. عدت مع ابنتي بعد ساعة ونصف من الانتظار الى منزلي لأجد نفسي ضائعةً في ظلمة الوحدة والخوف من المجهول. بعد أيام قليلة نفضت غبار اليأس وتابعت حياتي مع فتياتي الثلاث في ظلِ حصار اقتصادي قاسٍ وصعب فُرض على المنطقة بالإضافة للانقطاع الكلي للكهرباء والماء. ابنتي الصغرى وبسبب ما حصل لوالدها تأثرت نفسياً لدرجة انها انطوت على نفسها غير مكترثة بما يحدث حولها حتى مدرستها. كنت أحاول جاهدة أن أعيدها إلى ما كانت عليه حتى نجحت بهذا.

في رحلة الحصار التي فرضت على الزبداني والنزوح إلى بلودان، كيف استطعتِ البقاء صامدة مع ثلاثة أطفال في جو يعمه القصف والخطف والاعتقال وصعوبة تأمين أبسط مستلزمات الحياة؟

لم تكن الحياة مع فتياتي الثلاث بعد اعتقال زوجي سهلة، فقد اضطررت للعمل كمدرسة للصف الاول الابتدائي في مدرسة متهالكة تقع على حدود منطقة بلودان يحيط بها الجيش. خلال عملي الذي لم يستغرق سوى ثلاثة أشهر فقط، تعرضت للاستجواب من قبل ضابط في استراحة الرئيس التي تقع قرب المدرسة والذي حاول استفزازي ليأخذ مني بعض المعلومات، ناهيك عن التهديد الذي وُجه لي من قبل بعض المتشددين في مدينة الزبداني. أيضاً إحدى صديقاتي التي تم اعتقالها أرسلت لي من سجن عدرا رسالةً تفيد بأن الأمن سألها عني كثيراً وبتُ مهددةً بالاعتقال لذلك اضطررتُ للمكوث في بلودان وعدم مغادرتها خوفاً من اعتقالي على الحواجز خارجها. فيما بعد، أُجريت لي تسوية وتم اخراجي من المنطقة الى دمشق.

في شهر آذار عام 2015، ظهرت صور قيصر للعلن، ومن بين آلاف الصور كانت الصدمة أن صورة زوجي من بينها. زاد خوفي على فتياتي وحاولت جاهدةً أن أخفي الصورة عنهن، وبعد تفكير طويل قررت الرحيل بصحبتهن عبر رحلة الموت الى أوروبا. كان القرار صعباً بالنسبة لي، ولكن لا خيار آخر لدي، فإما أن نموت معاً أو أن أعتقل وأموت مثل والدهن. لذلك كنت مصرة على ايصالهن الى بر الأمان والبدء في مرحلة جديدة من حياتهن في النمسا.

في آواخر الثمانينات وأوائل التسعينات كنت عضو الاتصال السري لحزب العمل بين المعتقلين وقيادة الحزب في الخارج، حدثينا عن دورك والمخاطر التي واجهتك؟

أجل، أوكلت لي مهمة خطرة جداً وكلنا يعرف ماذا يحدث لشخصٍ يحمل رسالة من الخارج للسجن وماذا سيكون مصيره. كنت أطلق على نفسي اسم المراسل السري. أوصلت عشرات الرسائل أو ربما أكثر الى معتقلي حزب العمل الشيوعي في صيدنايا وأيضاً نقلت منهم الكثير من الرسائل للخارج. أنت تدرك مدى خطورة الأمر. كنت أعيش الخوف، بل الرعب الحقيقي في كل مرة وأنا أعلم أن أسرتي لن يكون باستطاعتها تحمل أعباء اعتقالي. كنت في بداية العشرينات من العمر، ومؤمنة جداً بالقضية التي اعتقل مئات الشباب لأجلها. وهنا أريد أن اذكر لك حادثة طريفة حدثت معي بعد مظاهرة الأمهات والزوجات التي قمن بها في حي المهاجرين للمطالبة بالمعتقلين.

كان لدي موعد مساءً مع الدكتور عبد العزيز الخير لكي أسلمه رسالة من صيدنايا، لطالما كنت خجولة وصامتة عندما كنا نتبادل البريد، كنتً فقط استمع له ولتحذيراته. وفي ذلك المساء على غير العادة كنت أضحك وصافحته بسعادة، نظر الي وقال: “واضح تأثير المظاهرة عليكِ”.

الآن أعرف أن أغلب معتقلي حزب العمل الذين خرجوا من صيدنايا لا يعلمون من كان يوصل لهم الرسائل.

حدثينا عن إضرابك عن الطعام ضمن حملة الأمعاء الخاوية أمام مبنى الأمم المتحدة في فيينا وهل استطاعت هذه الجهود حصل النتائج؟

بالنسبة لإضرابي الذي قمت به عن الطعام وانضمامي لحملة الأمعاء الخاوية ضد القصف الروسي الأسدي على أهلنا في إدلب وللمطالبة بالمعتقلين. أعتبر هذا الاضراب هاماً جداً حيث أنني استطعت من خلال تواجدي أمام مبنى الأمم المتحدة مع عدد من المتضامنين معي إيصال رسالة أهلنا بالداخل وأن أكسب تضامن العديد من العاملين في المبنى. كان الإضراب مجرد رسالة الى المجتمع الدولي الذي سكت عن جرائم الاسد وحلفائه.

ما هي رؤيتك للمشهد السوري؟

في الحقيقة المشهد السوري ضبابي بعد عشر سنين من عمر الثورة، للأسف الوضع يزيد تعقيداً في ظل غطرسة الأسد وضعف موقف المعارضة التي لا نبرئ مسؤولياتها تجاه السوريين وتجاه القضية السورية ككل، فقد كانت أسوأ ممثل لأنبل قضية وانتهى بها الأمر الى مجموعات مرتهنة لصالح الخارج. كلنا يدرك أن سوريا تحولت إلى ساحة صراع بين الدول الاقليمية والدولية وأضحى المشهد نتيجة تقاطع مصالح عدة قوى أكثر تعقيداً وهذا حقيقةً سينتج حلاً صعباً ناهيك عن وجود الفصائل المسلحة في مدينة إدلب والاقتتال فيما بينها من جهة وبين نظام الاسد وروسيا من جهة أخرى.

وطبعاً لا يمكن أن ننكر أن اللاعب الأول في سوريا هي الولايات المتحدة وليس روسيا وإيران، والذي زاد الأمر سوءاً أيضاً موقع سوريا الجيوسياسي وقربها من إسرائيل إضافة الى المكون الكردي الذي يطالب بالانفصال لإقامة دولة كردية ناهيك عن الانتخابات الرئاسية التي تضغط على أهلنا في الداخل وخاصة في مناطق النظام والجوع الذي يعاني منه الجميع وأزمة المخيمات.

بالرغم من أن السوريين أصبحوا رهناً للتسويات والصراعات الإقليمية والدولية بسبب لعنة الجغرافيا وتضارب مصالح الدول أرى ان أغلب اللاعبين السوريين على المستوى المحلي سواءً كان المعارضة أو النظام فقدوا القدرة على التأثير في المعادلة السياسية.

هل تشعرين بالندم أمام هذا الثمن الباهظ الذي قدم؟

لم ولن أندم على مطلب الحرية والكرامة كنت أعلم أنا والكثيرات من الثائرات أن طريق الحرية مُعبد بالدم منذ أول رصاصة صُوِبت نحو صدورنا العارية. إن سوريا بحاجة إلى دماء وتضحيات كثيرة لكي تُنظف من هذه العائلة المجرمة والعصابة التي تحميها. فمن رزق الحرية لا يستطيع العودة الى العبودية ومن لا يستطيع التضحية بشيء لا يمكنه تغيير أي شيءٍ أبداً.

هل من رسالة تودين توجيهها من خلالنا للمرأة السورية؟

السيدة السورية التي تحملت الكثير وتعرضت لكل أشكال العنف والقمع والاعتقال والاغتصاب والقتل والتي كانت الضحية الأكبر لما جرى ويجري فيما يحدث بسوريا، وحملت على كاهلها عبء إعانة أسرتها في ظل غياب المعيل وعانت القسوة والشدة، هي اسطورة في التحمل والصبر.

أقول لها أنك أثبتِّ للعالم أجمع أنك قادرة على تحمل مسؤولياتكِ وأنا مؤمنة بدوركِ الكبير في بناء سوريا المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى