إشكالات مجتمعية

الحجاب وسوق العمل في بلدان اللجوء والمهجر

لم تكن تالا تعرف عندما وصلت إلى أوروبا مع عائلتها، وتحديداً إلى ألمانيا، بأن أيامها لن تمر بسهولة وأن ارتدائها للحجاب سيصبح العائق الأساسي في كل ما تفعله على صعيد حياتها العملية وفي الدراسة وأيضاً على صعيد تكوين الصداقات، وستصبح أينما ذهبت هي الفتاة المحجبة التي ينظر إليها بعين الريبة والشك.

بعد ازدياد حدة الجدل القائم حول الحجاب وارتدائه وخاصة في الدول الأوروبية التي شهدت تواجداً واضحاً للمسلمين بدءاً من الستينات بسبب هجرة العمالة، وفي السبعينات حين ازداد عدد اللاجئين السياسيين بسبب الأنظمة الاستبدادية في عدد من البلاد، ومؤخراً حركة اللجوء الواسعة التي صدرتها الحروب وحالة عدم الاستقرار والأمان في الكثير من البلدان أهمها سوريا.

وقد أثار هذا التواجد الكثيف الذي حمل مفاهيم وعادات مختلفة حفيظة المجتمعات الأوروبية وخاصة المجتمع الألماني، إضافة للحكم المسبق الذي تم أخذه عن ارتداء الحجاب وربطه برفض الاندماج بالمجتمع الغربي كما تم ربطه من جهة أخرى بالإرهاب والإسلام السياسي.

تالا الصباغ ذات 23 ربيعاً، سورية مقيمة بألمانيا منذ 8 سنوات وتحمل الجنسية الألمانية، انتقلت وعائلتها للإقامة في فرانكفورت مغادرين دمشق في 2013 حين كانت في الخامسة عشر.

عانت تالا من العزلة في المدارس النظامية بداية ونظرة الطلاب الآخرين إليها بسبب الحجاب لمدة خمس سنوات ولم تستطع أن تحظى بأصدقاء، ولم يقتصر الموضوع على الطلاب بل مدرستها أيضاً والتي بجانب اللطف المصطنع حاولت كثيراً تغيير رأي تالا بالحجاب.

في السنة الأخيرة من دراستها قبل الانتقال إلى الجامعة توجب على تالا أن تعمل سنة كاملة في مجال تختاره فاختارت المجال الصحي، وقامت بالتقدم إلى 12 مستشفى تم رفضها في 11 مستشفى منها بسبب ارتدائها الحجاب، وتم قبولها في مستشفى واحد بسبب حاجتهم لها، لكن ومن جديد عانت من الكثير من المواقف المحبطة ورفض المرضى لها بحجة أن الحجاب يحمل الجراثيم وينقل العدوى!!!

تحديات التوجه إلى سوق العمل:

كأية فتاة في مقتبل العمر قامت تالا بالبحث عن عمل خلال العطلة الصيفية، جهزت سيرتها الذاتية مع صورتها الشخصية والتي كانت كافية ليتم رفضها في كل أماكن العمل المحتملة.

وبعد جهد تم قبولها للعمل في محلات H&M لتعمل لمدة شهر كامل ملئ بكل أسباب التعب والضغط النفسي، بسبب رفض العملاء التعاطي معها وغيرها من المواقف المزعجة والتنمر لتتوقف عن العمل بعدها.

يحق في ألمانيا لصاحب العمل أن يبرر رفضه للمتقدم على أساس ارتدائه لزي ديني كما تم تصنيف الحجاب.

وتشير الإحصاءات أن العمل في المدارس لهو شبه مستحيل بالنسبة للمرأة المحجبة كما العمل في خدمة الزبائن أو القطاع الصحي حيث تصل نسبة أرباب العمل الراغبين في مقابلة العمل مع المرأة المحجبة إلى 4,2 % من نسبة أرباب العمل ككل ، أما بالنسبة لقطاعات أخرى مثل الهندسة يعد التقدم إلى عمل أسهل نسبياً.

وتلعب المنطقة دوراً هاماً إذ أصبحت برلين أكثر تقبلاً لتواجد المحجبات في سوق العمل من فرانكفورت مثلاً، ولكن لايزال الموضوع يحمل بعض التعقيدات والصعوبات.

انتشار ثقافة التخلي عن الحجاب مقابل الحصول على عمل:

كان السؤال الأهم التي تواجهه يومياً شابة مثل تالا: “هل تفكرين بالتخلي عن الحجاب مستقبلاً بعد أن تنهي دراستك لأجل زيادة فرصك في الحصول على العمل؟”

“حالياً لا أظن ذلك، فالحجاب بالنسبة لي ليس جزءاً من العادات والتقاليد أو الفروض الدينية، بل أصبح أكثر من ذلك، أنه جزء من شخصيتي، من حريتي الشخصية في اتخاذ القرار، جزء من تميزي، لست شابة متحجرة التفكير بل على العكس أنا شابة عصرية قادرة على الانسجام بسلاسة في بيئة علمانية.”

ومن أكثر الأمور التي كانت تواجه تالا أيضاً هي رأي أصدقائها السوريين في الحجاب، فالمعظم كان يؤيد فكرة التخلي عن الحجاب لاندماج أفضل وتسهيل الأمور في مجتمع مثل المجتمع الألماني.

الآثار النفسية والإجتماعية :

بعد سنوات من الإحباط والمعاناة ومواجهة الرفض والقوانين، عانت تالا من الاكتئاب مثلها مثل الكثيرات اللواتي يعانين بصمت نتيجة تمسكهن بحريتهن في اتخاذ القرار، كما عانت من نوبات الصداع المستمرة. توجهت إلى طبيبة نفسية ألمانية، لتتفاجئ أيضاً بعدم اهتمام الطبيبة بحالتها ومحاولة متابعتها كنوع من الواجب تجاه عملها.

ومع كل التحديات استطاعت أن تحول الاكتئاب والشعور بالانعزال والوحدة إلى الأعمال الفنية وتفريغ طاقتها في الرسم والفن.

وختمت قولها: “أمنيتي هي الخروج من أوروبا بعد انتهائي من دراستي، لا أعرف إلى أين، لأنني غريبة أينما ذهبت، مصطلح الوطن لم يعد موجوداً، حتى سوريا أصبحت بعيدة ولا تغدو سوى بعض من ذكريات الطفولة، لا أدري ما سأفعله غداً.”

حالة الضياع والإرباك التي يعيشها العديد من السوريين وغيرهم في المجتمعات الأوروبية نتيجة لرفض هذه المجتمعات للكثير مما حمله اللاجئ معه، رغم محاولاته للاندماج وأن يكون عضواً فاعلاً ليست بالقليلة وإنما هي حالات تستدعي التوقف عندها ومحاولة استيعابها وإيجاد الحلول لها.

وأقول لصديقتنا تالا: من أجمل الأشياء التي يمكن أن نكونها هو أن نكون متميزين، ندافع عن تميزنا، نحب ما نحن عليه، ولا نستسلم، وأنت قمت بترجمة هذا التميز بلوحاتك وفنك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى