عصير ثقافي

ياسمين والأجدب

من أجمل أيام الدراسة هي المناسبات الوطنية والاحتفالات، التي يتم عادة الاستعداد لها قبل أشهر، حيث تُنْظم القصائد والأشعار وتبدأ التدريبات المكثفة للفرقة النحاسية، وتحضير الأعلام ولجان الانضباط. كل شيء منظم ومجدول الى ما قبل الاحتفال حيث تبدأ الفوضى فيه.

عادة ما يبدأ يوم الاحتفال بالنشيد الوطني وعصا الموجه التربوي تسقط على رأس من يتمايل أو من ينظر يميناً أو شمالاً. “الوطن يتطلب الانضباط”، هكذا يردد.

بعدها تبدأ الخطابات الانفعالية والتمجيد بالإنجازات التي نسمع عشنها ولا نراها.

نحن في الصفوف الخلفية، الكسالى والمشاغبون، وعادة جميعنا من ضخام الجثة، يأخذنا الملل حيث نتقاذف الحصا والكلمات البذيئة، وحين يعلن مدير المدرسة بدء المسيرة نتقدم الجميع فنحن من سيقود هذه الجماهير الغفيرة ونحن من سيهتف ويمجد القائد.

ودائما ما نكون في كامل أناقتنا (وهي بدلات الفتوة الخاكية). في هذا اليوم نسرق العطور من دروج أخواتِنا، ونُصفف شعرنا. إنه يوم وطني واحتفال جماهيري ضخم. فاليوم نلتقي بطالبات المدارس الأخرى، ونهتف جميعا للوطن. نحن نبتسم لهنّ وهنّ يسبلن أعينهنّ ويتلفظن بكلمات لا نسمعها، ولكني أحدس أنهن يقلن: “أوف ما أزنخه” أو “تضرب بهالمنظر” ولكن ليس مهما، فالمهم أننا استطعنا لفت انتباههن.

 كان عامر من أشد المعجبين بياسمين. وفي الحقيقة، كنا جميعاً معجبين بها ومنبهرين بجمالها، ولكننا لا نستطيع التصريح بذلك لأن عامر كان شرساً وضخم الجثة، وهو شديد الغيرة على ياسمين التي لا تبادله نفس المشاعر.

 كنت مجبراً على أن أكون أنا مرسال الغرام، لكون ياسمين تمت لي بقرابة بعيدة وأستطيع زيارتهم متى شئت، فكنت أحمل الرسائل لها بعد أن أكتبها وهو يملي عليّ جمله غير المترابطة.

 للأمانة، لم تصل أي من تلك الرسائل لها، فمنذ محاولتي الأولى صرخت في وجهي بغير عادتها، فهي لا تتكلم إلا همساً، وقالت: “لا أريد رسائل من عامر…، لا وشو.. أنت من تجلبها يا فهمان.”

كنت أقنعه أنها تفضل عدم الرد للاحتفاظ بمشاعرها له إلى يوم ما، ولكنها معجبة بأسلوبه في الكتابة، فيضحك بفرح ويقول: “الحب يصنع المعجزات، الآن أنت تستحق سندويشة شاورما دبل.”

ترى هل كنتُ كاتباً مأجوراً؟!

عامر من الفاشلين في الدراسة وأكثرنا تعرضاً للعقوبة، وكونه من الراسبين في كل مرحلة لأكثر من سنه تم فصله. تطوع بعدها في الجيش، ولقدراته البدنية تحول للخدمة في أحد الأجهزة الأمنية، وطبعا بواسطة من والده الذي يعمل في نفس المجال.

لم نعد نراه كثيرا إلا حين يأتي في إجازة، مستعرضاً مسدساً يتدلى من خاصراته ويحدثنا بصوته الأجش العالي والبصاق المتطاير عن بطولاته في القبض على الجواسيس، الذين كما يقول إن أعدادهم بالمئات. ودائماً بطلب من عامر، يجب أن يتم الاجتماع في الزقاق المقابل لمنزل ياسمين.

لم نكن قد أنهينا المرحلة الثانوية حين تقدم عامر لخطبة ياسمين، لم يرفض والدها خوفاً من المشاكل والمضايقات التي قد يسببها أبو عامر، ولكنه طلب أن يؤجل الموضوع حتى تنهي ياسمين دراستها.

رغم ذلك فقد لبس عامر محبس الخطبة، وكان يتحدث عن ياسمين بقوله: “خطيبتي”. كنت قد سمعت عن حب من طرف واحد، ولكنني لم أسمع عن خطبة من طرف واحد.

هذا ما أراحنا من الاجتماع الإجباري عند منزل ياسمين، بل وكان يزعجه أن يشاهد أحداً ما يسير قريبا من منزلها لأكثر من مرة، فهي كما قال شرفه وعرضه الذي يجب أن يصونه ويحميه مثل دفاعه عن الوطن.

كنت أتوجل النظر إلى ياسمين ليس خوفاً من عمر، ولا من سلطته الأمنية، بل بسبب جرأتها حين تنظر إلي وتبتسم لي مسبلة جفونها، وخاصة بعد أن بدأت تنضج تفاصيل أنوثتها.

في السنة الأخيرة من المرحلة الثانوية، حين هبت نسائم الحرية وتحولت إلى براكين غضب ضد الظلم والقهر الذي عشناه، بدأ كل شيء يتجلى، أروحنا تتحرر من القيود.

شعور بالانعتاق، راحة بعد تعب، هواء بعد اختناق. خرجنا للشوارع دون لجان الاحتفال والانضباط، ودون فرق موسيقية أو كلمات معدة مسبقاً.

كانت ياسمين ذات الصوت الخفيض، ورغم قصر قامتها، تُرى من بعيد وهي تلقي الأشعار وتهتف. لقد كنا محقين جميعا حين كنا معجبين بها.

في الجهة المقابلة كان رجال الشرطة الحائرون يقفون مكتوفي الأيدي. ولم يستمر هذا المشهد طويلاً، فقد تقدمهم رجال الأمن مدججين بالسلاح .

لسعادتنا، فقد عرفت بينهم عامر صديقنا، رأيته يشير بيده نحونا، لابد أنه يحدث زملائه بفخرٍ عنا نحن أصدقاء الطفولة. ولكن حين مزقت ياسمين صورة القائد، اندفعوا نحونا كالكلاب المسعورة وهربنا.

حين نظرت خلفي، كانت ياسمين بحجمها الضئيل، تقف كجبل في وجههم، وقد أمسكوا بها. كان عامر هو من يصدر الأوامر. قررت العودة واقتربتُ منهم. كانت ياسمين الخجولة تنظر بتحدٍ الى عامر الذي بدا هو الضئيل. صرخ بفم مليء بالبصاق: “جاسوسة..خذوها الى القسم”.

صرختُ به: “عامر إنها ياسمين.. إنها خطيبتك.. ياسمين.. حب طفولتك.”

أشاح بوجهه عني. مالت ياسمين نحوي ففاحت بعطر الوطن وقالت: “أنا أحبك أنت …يا أجدب. تسمرتُ في مكاني.”

صرخ عامر بغضب: “خذوها.”

عنوةً سحبوها الى السيارة، كانت عيناها مليئتان بالتحدي نظرتْ خلفها حيث عاد الجميع للهتاف من جديد. نظرت إليهم بعيون مليئة بالحب.

وبصوتٍ أرتجت له الشوارع، صَرَخَتْ: “حـــــــريــــــــــــــــــــــة.”

Latest posts by المخرج السينمائي نزار الحصان (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى