إشكالات مجتمعية

الزواج المختلط عند الدروز… ثنائية الملة والعلة

لم أتوقع أن سيدة لطيفة ورقيقة ومحبة للحياة مثل السيدة فضيلة قد مرت بظروف صعبة مثل ظروفها وبقيت محافظة على ألقها ومحبتها، ولم أتوقع أن اختيار الإنسان لرفيق حياته، للشخص الذي يحبه قد يقلب حياته وحياة كل من حوله رأساً على عقب، ويجعله يدفع ضريبة هذا الاختيار عمره كله وليس هو فقط بل أبناءه وعائلته أيضاً، لم أتوقع بل كنت أعرف وأنا مثل معظمنا جئت من مجتمعات ذلك الشرق التي تحمل موروثها معها منذ مئات السنين ولا أحد يجرؤ على المساس بذلك الموروث المقدس.

السيدة فضيلة الشامي، سيدة سورية من السويداء تنتمي لطائفة الدروز الموحدين، وهي من السيدات القلائل اللاتي وقفن في مواجهة الموروث الاجتماعي السائد والذي يقضي بعدم ارتباط أو زواج الدروز من باقي الأديان أو الطوائف، وقد دفعت ثمناً لا يستهان به مقابل حريتها الشخصية وحقها في الاختيار.

” بعد صعوبات عديدة ورفض أهلي لي لأنني اخترت الزواج من مسلم سني، تبرأ والدي مني وهدر أخوتي دمي، وتم نبذهم من الجيران والمجتمع المحيط، بعدها حملت وولدت في سوريا وهنا كانت الصعوبة وهي تسجيل ابنتي، فأنا درزية وزوجي سني، إذا علي أن أسلم وأنطق بالشهادتين.”

لم تكن المشكلة مجتمعية ودينية فقط بل تمتد إلى الشق القانوني المتعلق بقانون الأحوال الشخصية والذي يمنع المرأة من تسجيل الطفل باسمها أو إعطائه الجنسية وغير ذلك من صعوبات أخرى، لذا ولأنني أحمل الجنسية من فنزويلا قررت السفر إلى هناك حيث أستطيع منح طفلي الجنسية وتسجيله بشكل قانوني”.

الزواج من طائفة أخرى مشكلة عامة:

لا يقتصر رفض الزواج من مذهب أو دين آخر على طائفة الموحدين الدروز، بل تعاني منها أيضاً باقي المذاهب مثل العلوية والإسماعيلية وغيرها، ولذلك لأسباب عدة أهمها أن المنظومة السياسية ودعمها للسلطة الدينية قامت بعزل مكونات المجتمع بناء على انتمائها الديني وعززت تقوقع المذاهب والأقليات على نفسها وخوفها من الآخر ورفضها له.

لذا يتلقى الأفراد هذا الموروث منذ صغر سنهم ويكون جزءاً من تعاملهم مع الأخرين بمعزل عن معرفتهم بالدين وتعاليمه أو جهلهم به، لتتطور إلى حالة من التميز النخبوي الطائفي تجاه باقي الأديان والمذاهب، ويصبح المثل القائل: “اللي ما بيأخذ من ملته.. يموت بعلته!!!” هو السائد بدعم من الطائفة والقانون….

كما لا تقتصر حالة الرفض على الفتيات بل يعاني منها الشبان أيضاً، فمن الصعب أن يتزوج من شابة من مذهب آخر، وينعت أولادهما ب “أولاد فلانة” حسب دينها، ولا يتم طلبهم للزواج أو قبول تزويجهم من عائلات أخرى.

محاولات الصلح شبه المستحيلة:

تتابع السيدة فضيلة حديثها: “بعد عشر سنوات من خروجي من سوريا وبعدما أصبح لدي طفلين، انفصلت عن زوجي، وقررت العودة إلى سوريا لمصالحة أهلي، لجأت إلى أشخاص لهم مكانة دينية واجتماعية لمساعدتي في ذلك وتقبل أهلي الوضع على مضض، إلا أن أخوتي لم يتقبلوا وغادروا المنزل لحظة وصولي، أخوتي الذين ضغط عليهم المجتمع ولامهم على خياري، واعتبرهم جبناء لأنني ما زلت على قيد الحياة، اختاروا المجتمع ولم يقفوا بجانبي.

والدتي أيضاً اختارت أخوتي الذين لن يعودوا إلى المنزل إذا كنت فيه، بعدها قررت أنني سأغادر ولن أعود، لأن أولادي بين أهل زوجي هم “أولاد الدرزية” والتي ليست منهم، وأيضاً بين أهلي هم “أولاد السني” الذي ليس منهم، لذا غادرت إلى مكان أفضل ومجتمع سيحترم أولادي ويحترمني بمن نحن عليه وليس من كان أهلنا وأجدادنا”.

استطاعت فضيلة أن تعود وتواجه عائلتها وتراهم للمرة الأخيرة، إلا أن النسبة العظمى من الفتيات اللواتي قررن الزواج من مذهب أو دين آخر لا يستطعن العودة إذ أن حياتهن في خطر ويمكن قتلهن بدم بارد لاستعادة شرف ومكانة العائلة، وهناك العديد من الحوادث التي تروى عن هدر الدم وصولاً إلى جرائم القتل بحق الكثيرات حتى لو بعد سنوات طويلة، وذلك بسبب الضغط الاجتماعي والديني الممارس على أهل الفتاة ليصل بهم الأمر إلى التخلص منها.

التخلي عن فكرة الزواج المختلط خوفاً على الأهل:

تقول حنين وهي فتاة أحبت شاباً من طائفة مختلفة: “في البداية رفض والدي ووالدتي الفكرة رفضاً قاطعاً، وبكت والدتي خوفاً من أن أهرب أو أذهب “خطيفة” كما يسمونها مع من أحب، وبعد الكثير من المحاولات معهما قبلا على أن نسافر مباشرة ولا نعود.

هنا أصبح الاختيار أصعب، أهلي وأصدقائي وكل ذكريات الطفولة والمراهقة أم من أحب، هل سيعتني بي مثل أمي؟؟ هل سيكون كتفاً اتكئ عليه كأبي؟؟ إن اختلفنا من سيساعدني ويخفف عني.

سيعرف الجيران عاجلاً أم آجلاً، وسيتم نبذ أخوتي وأخواتي، ولوم أمي لأنها لم تربني تربية صالحة، وأن والدي ضعيف لأنه لم يتخلص مني بعد.

وبعد تفكير عميق قررت التخلي عمن أحببته كثيراً لأحمي عائلتي “.

من جهة أخرى يصبح الزواج المختلط مقبولاً ومبرراً إذا كانت العائلات من أصحاب النفوذ والسلطة والمال، وخاصة إذا كانت عائلات سياسية أو ذات مكانة مرموقة في المجتمع.

حالياً يحاول العديد من الشباب والفتيات التخلص من المعتقدات المجتمعية القديمة وتبني أفكاراً جديدة تخاطب العقل والمنطق، وتعزز الحرية الشخصية وحرية الاختيار، وذلك بعد أن تم الانفتاح على خيارات جديدة مثل معرفة الآخر واحترامه دون النظر إلى خلفيته دينية كانت أم اجتماعية.

لذا أصبح الزواج المختلط حالة متكررة ولا تعاني من الرفض في مجتمعات معينة وعادة تكون بعيدة عن المدينة أو المنطقة الأساسية لتواجد الطائفة، أو كما ذكرت في حالة النفوذ والسلطة، إلا أنه مازال يمثل كابوساً للعديدين من حاملي الموروث الاجتماعي.

وكما تحاول منظمات المجتمع المدني في مواجهة قوانين الأحوال الشخصية والسلطة الدينية أن تجد حلاً لهذه المشكلة التي كلفت الكثيرات حياتهن وبقيت غصة في حياة آخرين فهي تقدم حلولاً من بينها تمكين المرأة وتوعيتها وتوعية المجتمع حول العادات المتوارثة وإعطائها حقوقها من خلال التعديل على قانون الأحوال الشخصية وطرح الزواج المدني كحل أساسي وممكن.

وعلى ما يبدو فأن الخوف من الزواج المختلط أو الزواج من خارج “الملة” سيبقى مسيطراً على معظم المذاهب والطوائف إلى أن يتم تكريس احترام الحرية الشخصية وخصوصية الاختيار بعيداً عن السلطة الدينية والسياسية…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى