عصير ثقافي

وززززززززززززز!

قبل موتي بسنة، أي قبل ثلاث سنوات من الآن، حلمت بشي غريب وتكرر هذا الحلم، حتى أصبح كابوساً.

كان حلمي: أنني أستفيق على ضجيج أسمعه لأول مرة، شيء ما يشبه يوم القيامة، ولكن ببطء شديد جداً، فكنت أستطيع أن أدخن سيكارة كاملة، وأنا أراقب كيف يتصافح شخصان بحرارة وهما ينافقان بعضهما البعض. في الحلم لاشي يتغير لبطئ الزمن، كنت أنتقل من مكان الى آخر، والبشر يتحركون ببلادة .

وجدت تسلية جلبت لي السرور، بأن أقف على أنوفهم، فأحرك أقدامي كما لو أني أكتب رسالة، أو أقف على أرنبة الأنف أدغدغها فأشعر بقشعريرة أجسادهم، وما أن تتحرك يدهم البطيئة تجاهي، حتى أكون قد طرت الى آذانهم… و زز….ززز وهكذا أنف.. أذن ..أنف وهم يصفعون وجوههم… وأنا ووزز…وززز

يا لمحدودية عقولهم .

هذا أيضا ممل، البشر بحياتهم وتفكيرهم كائنات مملة. لابد أن أجد لي أصدقاء من أمثالي .

البشر يتهموننا بالقذارة ويقرفون منا لا لشيء، إلا لأننا نختار القمامة وززز.. زز. وما العيب في ذلك؟ هم فقط يتبجحون بالحرية الشخصية وحرية الإختيار. بينما يكفينا فخراً أننا لا نكيد لبعضنا ولا نخفي كل القمامة داخل رؤوسنا مثلهم.

نعم نحن الذباب لدينا عوالمنا الخاصة وعواطفنا الصادقة، ونستطيع أن نفهم بعضنا دون أن نتكلم. يكفينا أننا نفكر بطريقة نقية و نعبر عن رغباتنا بحرية، ثم أني مع الذباب أستطيع تربية أطفالي تربية صالحة بعيدة عن شرور البشر.

ويستمر حلمي حيث لا أجد الذبابة المناسبة، فأقرر الزواج من فراشة، فتشترط علي إحضار 80 من النوق البيض، وأن أكتب عنها قصيدة غير مسروقة من الفيس بوك، فأسافر بحثاً عن النوق البيض. وفي الطريق يحدث أن تصدمني طائرة عسكرية عائدة من مهمة ألقت فيها الصواريخ على أطفال يبحثون عما يسد رمقهم .

كان من الممكن أن اتفادى هذه الطائرة، ولكن حين سمعت قائد الطائرة يتحدث بفرح كيف نجح في إنجاز المهمة، أربكني كلامه وجمدت في مكاني من حقارة التفكير البشري فصدمتني الطائرة ومت ….ززززز.

في هذه اللحظة دائما ما أستفيق، لأعود الى طبيعتي البشرية الحقيرة، كما قالت ذبابة حلمي.

حين نظرت في المرآة، لم أستطع أن أحدد ماهيتي. فكرت: “أأتقبل الواقع؟ أم أذهب وأعيش تتمة الحلم؟”

لو كان الخيار بيدي بأن أكون إنسانا أو ذبابة، لاخترت أن أكون إلهاً، يقلب البشر ذباباً والذباب بشراً، ولكني سأظلمهم، وفي هذه الحالة لن أكون إلهاً، فمن صفات الإله أن لا يظلم وأن يكون عادلاً.

أنا الآن في هذا المكان الضيق المظلم منذ ما يقارب السنتين. ولكن ما جعل دماغي الذي تحلل يعود بي الى ذلك الحلم اللعين هو طفل دفن قريباً بجانبي، وعلى الرغم أن هناك الكثير ممن قد دفنوا قبله، إلا أن أحداً منهم لم يجرؤ على الحديث عما يحدث في الخارج، ربما بسبب خوفهم من الأجهزة الأمنية التي قد تعتقل ما بقي من أهلهم الأحياء هناك.

حدثنا الطفل بعيون غائرة من الحزن وقلبٍ محطم، عن حروب مازالت تجري هناك، عن موت يحصد الأبرياء، وعن أطفال ماتوا جوعاً في أوطانهم، وآخرين خنقتهم الغازات الكيميائية السامة، والعطش، ودخان مصانع الأسلحة، وتجار الأعضاء البشرية.

أتعبه الكلام وخنقتنا حشرجات صوته، فغفى بجانبي وهو يردد:

سأخبر الله بكل شيء….. ســــــأخبر الله بكل شيء…….ســـــــــــــأخبر الله بكــــل شــــــــــــيء.

Latest posts by المخرج السينمائي نزار الحصان (see all)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى