عين على سوريا

السُلطة في السَلطة

يكفي أن تذكر هذا الوطن الممتد من البحر إلى البحر لترافقك الذاكرة لأسماء عشرات الآلاف من السجون وملايين من معتقلي الرأي متهمين بخيانة الوطن وإطالة اللسان ودعم المؤامرة الكونية على الشعب والقيادة الحكيمة.

بين الممالك والجمهوريات الملكية حكايات متشابهة، أقبية لمن طالب بالخبز والحرية، وقصور للإقامة “الجبرية” لأصحاب الفخامة والسيادة والحصانة والقرابة من راس السلطة أو ارصدة وميزانيات دول تنقل لبنوك أوروبا لإعالة اصحاب الفخامة على حياة المنفى في قصور أوروبا.

يتكرر المشهد وكأننا لم نصل بعد إلى القرن الواحد والعشرين مما يجعلنا نستحضر مؤامرات قصور العصور الوسطى والأحقية الإلهية التي منحت لدائرة الطغمة الحاكمة لتبقى لهم مرتبة فوق سقف باقي الشعب، والغريب أن بعض الشعب مؤمن بهذه الأحقية ويرى ” نفي” حافظ الأسد لأخيه رفعت تنازلاً عظيماً من القائد الخالد، وللكوميديا السوداء يحفظون الفضل للسيدة ناعسة شاليش التي حلت الخلاف بين نجليها عام ١٩٨٣ حيث قسمت بينهما سوريا خلال لحظات (حسب الرواية المعروفة) أنت لك السلطة ولأخيك خزينة الدولة، وما يزيد الغرابة اعتقال الكثيرين بتهمة تأييد رفعت الاسد على حساب حافظ بينما بقي رفعت حتى عام ١٩٩٨ يشغل منصب “فخري” كنائب لرئيس (الجمهورية) بينما يقيم في قصوره بين فرنسا واسبانيا والتي ورثها عن والده.

لفت نظري حديث عبد الحليم خدام النائب السابق لرئيس الجمهورية السورية أثناء مقابلة متلفزة وحديثه عن النصائح التي قدمها لرئيس الوزراء “المنتحر” محمود الزعبي حسب وصف خدام حين دار الحديث بينهم عن غضب حافظ الأسد على الزعبي، حين تم تسريب المعلومات عن رصيد باسل الأسد بعد موته بحادث سير والتي بلغت في بنوك النمسا فقط ١٣ مليار دولار بينما كانت موازنة سوريا ٣ مليار دولار والتي كان يعرف بها دائرة مغلقة من ضمنهم الزعبي.

“قال الزعبي سوف انتحر لكي أفضحهم فأجبته: واذا انتحرت ماذا سوف يحدث؟ هددهم بوجود جماعتك بالخارج، ليش تنتحر يا أبو مفلح قل لهم رح إحكي عن محمد مخلوف “يقول خدام.

طبعا وبعد هذا الحديث، بإمكاننا فهم طبيعة العلاقة بين النظام ومن يغرد خارج سربه من ضمن دائرته الضيقة ويبين سبب السكوت المتبادل بين خدام والنظام على الفضائح التي يعرفها كل منهم عن الآخر

هذه الرواية عن ” الخونة تحت سقف السلطة” تكاد تتكرر في جميع دول مشرقنا ومغربنا “العربي” مع غياب شبه كامل للمحاكم أو بوجود محاكم صورية تروج لنوم الحاكم اثناء ارتكاب الجريمة من قبل ” المنفي” أو في أسوأ الاحوال داخل قصر يأخذ دور المنتجع حتى نهاية حياة “المحكوم”.

بين رفعت الأسد وعبد الحليم خدام وأحمد عصمان ورامي مخلوف والوليد بن طلال وسعيد بو تفليقة وأحمد عز والأمير حمزة ابن الملك حسين، بالتأكيد مع وجود أمثلة نسيتها أو لم اسمع بها وما يجعلني متأكداً من وجودها أن هذا النوع من السجن والمنفى يأخذ شكل البروتوكول ويكاد يكون عرفاً لا نقاش فيه كما وجود السجون والمسالخ البشرية عرف وقاعدة لا نقاش فيها لمن يحاول المطالبة بحقوقه من أصحاب المرتبة الادنى حسب تصنيف وزارات “العدل” في ممالك وجمهوريات الظلام.

ما يجعل المواطن في بعض الأحيان يطالب بالتوزيع العادل “للسجون” والمساواة بين السجناء قبل المساواة بين الأحرار، في حين أن البعض الآخر من المواطنين يرى بهذا الشكل حكمة إلهية “فالبشر غير متساوين” ولكل منهم نصيبه في الحياة. والبعض يرى بما ذكرت شؤوناً داخلية لكل بلد وليس من حقنا التحدث عنها أو ابداء الرأي وبذات الوقت يستغرب صمت الشعوب عن المجازر التي تحدث في بلدنا.

والأسوأ مثلا في الحالة السورية حين يتحول بعض من ثار على السلطة الى سجان وجلاد جاهز لقص وخياطة تهمة تناسب من يخالفه. يطالبك باحترام خصوصية سجنه، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لمملكة الأمر الواقع التي يسيطر عليها بحيث يعتبر هذه الخصوصية المفترضة قائمة على إجماع شعبي دون رفض حتى ولو لـ ١٪ ممن يقع تحت سيطرته.

فئة رابعة تحدد لك مستوى الحريات في إعطاء الرأي بحيث يكون تحت سقف الله والمجتمع السائد مع تأكيده على احترامه حرية الاقليات (التي ارتبطت بالأقليات المعترف بها دينيا أو قوميا) وكأن النسبة الافتراضية لل ١٪ من باقي الأقليات الفكرية أو البيولوجية ليست من ضمن حسابات أبناء المجتمع الذي يسعى للحرية وفي أفضل الأحوال يقال لهم: انتظروا حتى ننتهي من أهدافنا الكبيرة ومن ثم ناقشونا بحرياتكم الفردية وإذا لم يساعدكم الزمن فحظاً أوفر لكم. ربما تكون المكرمة لأحفادك بالسماح لهم بالتفكير ومن ثم المطالبة بما يريدون على مقاييس الحرية في عصرهم. وهنا اذكر المحاضرة التي كان يلقيها ضابط أمن الدولة على كل من تم اعتقاله (يا حمار) لك الحق بالتظاهر لكن بعد انتهاء المؤامرة الكونية على الوطن.

ومتى تنتهي المؤامرة؟

تنتهي المؤامرة حين يتفق علماء الأمة على قضية من أتى أولاً، البيضة ام الدجاجة!

قمم

معزة على غنم

مضرطة لها نغم

تنعقد القمة

لا تنعقد القمة

لا، تنعقد القمة

أي تفو على أول من فيها

إلى آخر من فيها

من الملوك .. والشيوخ .. والخدم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى