عين على سوريا

القبيسية، تبشير أم سياسة؟

نحن الآن في مرحلة من الانحطاط التاريخي، الذي ينعكس على كافة مجالات الحياة، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، مرحلة الديكتاتوريات الكهلة المرهقة، وبدلية الثورات أو الحركات المراهقة، التي ستفشل، لطالما افتقدت إلى الوعي الثوري وإلى ثورية الوعي، ولا يمكن لحراك أن ينجح عند كونه أسوأ من الوضع الذي يتحرك ضده أو “مجازا” يثور ضده.
من معالم الانحطاط التاريخي استتباب نظم الظلم الاجتماعي، الذي ينعكس على العمل السياسي وعلى ترتيبة توزيع الثروات، كما أنه ينعكس على الوضع الاجتماعي، وبالأخص على وضع المرأة، التي أرغمتها الترتيبات الدينية، إن كانت سلفية أو صوفية أو نقشبندية أو غير ذلك، على الاستقالة من دورها الاجتماعي، الذي يجب أن يكون بشكل طبيعي موازيا لدور الرجل.
لاحتواء الهاربات من الحياة والمتوجهات إلى الآخرة، توجد مراكز أسر ومعتقلات ذكورية، حيث يقضي فيلق النسوة مرحلة الاعتقال والأسر بين ممارسة الصلاة وبين السرير خلف الحجاب وفي المعطف الكحلي التي تتوارى به القبيسية عن الأنظار في طريقها إلى المهجر السماوي، كل ذلك يجري تحت سماء ما يسمى “الدعوة” إلى الله، التي يجب على المرأة ممارستها، كما يمارسها الرجل، انها المساواة الدينية، فعليها أن تجد معراجا لروحها التواقة إلى المغفرة، المغفرة من ماذا؟ ولماذا؟ وأمام من؟ الله يحول الإنسان إلى ناقص مجرم، وبعد ذلك يريد منه الاستغفار وتحرير الذات من ربقة الذنوب، وأي ذنوب هذه ؟؟؟ولماذا يتحول الانسان إلى مذنب بمجرد انه ولد؟؟؟
قافلة المذنبات المستغفرات تسير تحت مختلف الرايات، منها راية القبيسيات، التي انطلقت من سوريا، وأحدثت لها محطات في مختلف الدول ومنها الأردن، تحت اسم الدعويات المغلقات والمنغلقات على ذاتهنّ، والتي تشبه إلى حد ما قصور الحرملك العثمانية، الانغلاق والاغلاق، هو الصفة المميزة لكامل قوافل القبيسيات، التي تسمى في لبنان السحريات، وفي الكويت بنات البيادر، الخ!
الانغلاق والاغلاق هو من أهم القواسم المشتركة بين القبيسيات، ومن القواسم المشتركة أيضا بعض العزوف عن الزواج طلبا للعبادة والتقرب من الله، وكأن الزواج يبعد الانسان عن الله!! ثم الميل إلى طبقة الأثرياء وصانعي القرار، ميول أثار حفيظة المسؤولين عن الأمن السلطوي، والأمن الديني كالسلفية وحركات الاسلام السياسي الجهادية الأخرى، فالقبيسيات من منظور نسبي هي حركة دينية مشكوك بأمرها دينيا وسياسيا واجتماعيا.
اقول سياسيا لأن الحركة ازدادت انتشارا وقوة بعد عام ٢٠٠٠ في سوريا، واجتماعيا لأن الحركة اجتذبت انتباه الكثير الناس، خاصة بسبب ولوج القبيسيات في طبقة الأثرياء وفي نفس الوقت ممارسة الدعوة التقشفية، صلة الوصل بين القبيسيات والسلطة كانت المؤسسة الدينية والشيخ البوطي، الذي تبنى القبيسيات، ولم يترك مناسبة الا وأبدى اعجابه بهم، لأنهم يحفظون عن ظهر قلب صحيح الامام البخاري سندا ومتنا، وصحيح الامام مسلم سندا ومتنا، أعتبر الشيخ البوطي هذا الانجاز فريدا من نوعه في هذا الزمان، والذي لم يتحقق في أي زمن كان !!!
يمكن القول، على أن الحركة القبيسية، التي نشأت على يد الآنسة منيرة القبيسي المولودة عام ١٩٣٣، تمثل تقريبا نسخة نسائية عن حركة الاخوان المسلمين، نشأت حركة القبيسيات في أوج انتشار الحركة الاسلامية في سوريا في ستينات القرن الماضي، ومنيرة القبيسي كانت تلميذة مفتي الجمهورية الشيخ كفتارو، ويمكن القول أيضا على أن التركيز مبدئيا على الأوساط الثرية ساعد الحركة على الانتشار، اذ أن الطبقة الثرية وجدت طريقها بعد عام ٢٠٠٠ إلى السلطة أيضا، السلطة التي مارست حماية القبيسيات وأعطت التراخيص لمدارسهم، التي يتجاوز عددها أربعين مدرسة الآن، والمال الذي مكنهم من بناء المدارس، وتمويل أشياء أخرى جاء من مصادر مختلفة منها حفلات التحجيب والتبرعات ، والمال أولا وأخيرا يجر المال، المدرسة أصبحت مركز ربح وريع ولم تعد مركز خسارة مادية، كما أن ممارسة الوساطة بما يخص التزويج أصبح من المصادر المادية المهمة للحركة، التي أصبحت تنفق أقل مما تقبض!
يقال ان القبيسيات حركة “دعوية”، أي انها ليست حركة” سياسية ” وهذا لا يمت إلى الحقيقة بأي صلة، عدم تدخل القبيسيات مباشرة في السياسة لا يعني عدم تأثيرهم على السياسة، فهم أولا وأخيرا الاحتياطي الذي يغذي الاخوان المسلمين بالكوادر ماديا وبشريا، بالرغم من وجود خلافات بين الاخوان والقبيسيات، لا أعرف قبيسية أصبحت شيوعية إلى جانب انتمائها القبيسي، وانما أعرف العديد من الآنسات المواليات للإخوان من القبيسيات، وتنظيمهم الهرمي وخلاياهم العنقودية، التي تمثل أهم القواسم المشتركة مع الاخوان، فالقبيسية مؤهلة لتكون إخونجية وغير مؤهلة أن تصبح سورية قومية.
تتميز البنية الهرمية بالانصياع التام والكامل إلى الآنسة الأكبر وبالنهاية إلى الآنسة منيرة، التي تصطف في صف الآلهة، من حيث تقديسها والخضوع الكامل لها، بنية لا تمت لما يسمى ” ديموقراطية” بأي شكل، من هذا المنطلق يمكن تصنيف الحركة بأنها معادية لأي تطور تحرري أو أي تطور ديموقراطي، انها رديف للاستبداد السلطوي السياسي، الذي يدعي المدنية، وقربهم من السلطة يماثل قرب الشيخ البوطي من هذه السلطة، له ما يريد وللسلطة ما تريد، خدمة متوازية متكاملة متبادلة، هدفها هو التحول إلى الواقع الذي نعيشه، والذي يتمثل بتسلط ديكتاتوري ذو قواعد تمتد من الأرض إلى السماء !.
من الجدير بالذكر، أن القبيسيات يسيطرون على حوالي ٤٠٪ من المدارس الخاصة في دمشق، وهذه المدارس، التي تسمى “الدار” مثل دار الفرح في المهاجرين أو دار النعيم في المزة، ودار المجد، الخ، وكل هذه المدارس تبتعد توجيهيا عن الاستقطاب، بحيث يجد معظم رجال الدين الاسلامي الحركة ومدارسها قريبة منهم، وبعيدة عنهم بآن واحد، قريبة من البوطي ومن أعدائه وبعيدة عنهم جميعا، بنية هلامية تلوي رقبتها أمام الجميع، وذلك لتسيطر على الجميع.!
لا تعرف الحركة القبيسية مرجعية فقهية معينة، وهذا ما يجعل رجال الفقه والدين يتهافتون إلى التقرب من الجماعة القبيسية بهدف تملكها والسيطرة عليها، كما أن التنظيم الهرمي المحكم جذب رجال الدين إلى الحركة، بقصد توظيفها في خدمتهم، وكون الحركة تمثل احتياطيا غير مستقطب، جعل منها هدفا مهما لرجال الدين التقليديين والباحثين عن مؤيدين، القوة المادية للحركة جذبت العديد من المؤسسات الدينية التقليدية، كما أن النفوذ السلطوي جعل الحركة جذابة جدا لمن يريد التقرب من السلطة، ناهيكم عن التخصص النسوي للحركة، الذي لامثيل له في الحركات الاسلامية الأخرى التي يغلب عليها الطابع الذكوري.
لا تقتصر جاذبية القبيسيات على ما ذكر، وانما تتعدى ذلك إلى الجاذبية العلمية، فالقبيسيات لا يرفضون العلم قطعا، والكثير منهم هم من المتعلمات الحائزات على شهادات علمية عالية، نسبة المتعلمات منهم أعلى من نسبتها عند الحركات الاسلامية الأخرى، من هذه الناحية، اخترقت حركة القبيسيات حاجز الجهل التقني، وأصبحت حركة لها طابع علمي لا يمكن تجاهله، بالرغم من ذلك تبقي الحركة القبيسية النقيض الأكثر تطرفا للحركة العلمانية، عندما يريد المواطن السوري انشاء مدرسة مدنية تبشر بالعلمانية، يصطدم بصعوبة استصدار الترخيص، الذي هو من المستحيلات، وكيف هو الحال مع القبيسيات ومدارسهم ؟، والسماح لهم بإعطاء دروس في العديد من المساجد، يستصدرون الترخيص بدون أي عقبات … انهم متمكنون في هذا المجال من لوي رقبة السلطة ؟؟
برر البوطي تمكنهم من لوي رقبة السلطة، بكونهم يمارسون الدعاء المستمر للرئيس الأسد، دون التطرق للسياسة، وهل يمكن اعتبار الدعاء المستمر لسياسي هو رئيس الجمهورية على أنه ليس تطرق للسياسة ؟؟نعم انه تطرق واضح جدا، انه دعاية لجهة سياسية معينة، واتخاذ لموقف داعم لهذه الجهة، البوطي قال، ان ولاء القبيسيات للرئيس لا غبار عليه، الا أن هناك من يضيف إلى ذلك بالقول، ان للشيخة الكبيرة منيرة القبيسي علاقة مع المخابرات السورية وعلاقة مع عائلة الرئيس، كل ذلك يمكنه تفسير بعض الأمور، في حين تبق أمور اخرى غامضة!.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى