رأي

الفجوة فيما بين الجيل (x) والجيل (z)

إن ما تعنيه الهوة أو الفجوة بين الأجيال هو وجود اختلافات فكرية واجتماعية بينها، نتيجةً لاختلاف مستوى التطور والتقدم الذي ينشأ معه كل جيل، ووجود هذه الفجوات بين الأجيال ليست بالظاهرة حديثة العهد وإنما بدأت بالتنامي والوضوح مؤخراً نتيجةً لتطور العلم وأدوات البحث في هذا المنحى، فالهوة التي نتحدث عنها هي مشكلة مزمنة عايشتها كل الأجيال ونلاحظ ذلك في أن كل جيل غالباً ما يقول عن الجيل الذي يأتي بعده بأنه جيل هابط، غير مسؤول، انعزالي، لا يُعتمد عليه… إلخ.

قضيةٌ كهذه القضية تعد من أخطر القضايا التي يمكن أن تصيب المجتمعات بالتفكك الذي قد يؤدي إلى تخلف هذه المجتمعات، فالمجتمعات التي تحد من تطور أجيال المستقبل وتوجههم نحو ما اعتادت عليه بأن يكون صالحاً وسوياً تبقى متخلفة وبعيدة عن النمو العلمي والفكري والثقافي الذي يمكن لهذه الأجيال أن تقود المجتمعات نحوه.

الفوارق الاجتماعية بين الأجيال وأثر التقدم التكنولوجي فيه: 

مع مرور الزمن والتغير الدائم لأفكار وحاجات البشر باستمرار، ينسى الآباء مثلاً في كثير من الأحيان أنهم كانوا أطفالاً وأبناءً يتذمرون من أوامر الآباء وتوجيههم ويجدون فيها إجحافاً من الآباء بحقهم وتقليلاً من شأنهم، فيما يغيب عن أذهان معظم الأبناء ايضاً أنهم سيقفون يوماً ما في ذات المشهد أمام أولادهم، يفرضون عليهم ما يرونه أنسب لهم في كل شيء ويحددون لهم ما الخطأ وما الصواب.

وبين تناسي أو نسيان الآباء وفكر الأبناء، يتجدد استمرار المشكلة طالما بقيت الحياة في طور التجدد، ورغم أن لكل عصر خصائصه وكلٌ يرى أن عصره يعتبر أكثر حساسية من غيره، فإننا نرى أن عصرنا فعلاً يتمتع بخصوصية فريدة ساعدت في تباعد الفجوة بين الجيلين بسبب ما دخل في عصرنا الحديث من تطور متسارع لم تشهد له الحقب الماضية مثيلاً، وأيضاً ما نشهده من تقارب في الزمان والمكان، وإلغاء لعدة حواجز، وإشباع ٍ للكثير من الحاجات، كان للتكنولوجيا الفضل الأكبر فيها حين حوّلت العالم إلى قرية صغيرة.

وتعد الفجوة العمرية أكثر الفجوات تأسيساً للاختلافات اللاحقة، فبقدر ما يبتعد جيل الآباء زمنياً عن جيل الأبناء تتسع الفجوات الأخرى وتضيق مساحة الالتقاء الفكري والثقافي، ففي الماضي كان الزواج بسن مبكرة أمرا اعتيادياً، لكن بدأ الأمر بالاختلاف مع مرور الزمن إذ كانت الأجيال السابقة تحرص على تزويج أبناءها عند سن البلوغ، ثم في أجيال لاحقة بات الزواج في سن أكبر أكثر اعتيادية بسبب اتساع الرقعة السكانية والتباعد الفكري والثقافي وتنوع المصالح والأسباب التي تحث الشبان على الاقدام على الزواج.

ففي أجيال سابقة مثلاً، كانت العائلة الواحدة تزوج جميع أبناءها في منزل الأب ولم يكن على الابن أن يحمل الكثير من المسؤوليات كي يكون أباً. أما في جيلنا بات على الشاب أن يكون متحصناً بالكثير من المسؤوليات والقدرات كي يقدم على الزواج، وإن تزوّج أخّر الإنجاب ريثما تتحسن أموره المادية، على عكس الجيل السابق جيل “يأتي الولد وتأتي رزقته معه”.

إن جيل التكنولوجيا مختلف بشكل أكبر عن الجيل الذي يسبقه من نواح ٍ اجتماعية وفكرية عدة. فمثلاً، يقول هاري بيرد البالغ من العمر ١٨ عاماُ وهو أحد مؤسسي شركة future labs للاستشارات التسويقية: “إن أبناء الجيل (z)قد تمكنوا في سن مبكرة جداً من وضع أنفسهم في طليعة العالم من خلال تسيدهم التكنولوجيا، ولم يعودوا كما الأجيال السابقة بالحاجة إلى الاجتماع في غرفة أو في مدرسة أو حتى في ملعب للتمكن من فرض أنفسهم اجتماعيا وبشكل ملحوظ، حيث يمكن للفرد فيهم من غرفته أن يصل لآلاف الأشخاص أو حتى ملايين في العالم من تغريدة على (twitter) أو عبر فيديو قصير على تطبيق (TikTok) على عكس آبائهم من قيل لهم بأن العالم ربما سيراهم لكن لن يسمعهم.

التكنولوجيا والتعليم بين الجيل (z) وآباءهم:

التكنولوجيا بالنسبة للجيل (z) ليست مجرد أداة، وإنما هي جزء اعتيادي مهم من حياتهم اليومية، فليس من السهل مثلاً بالنسبة لهم أن يتخيلوا العالم من دون (YouTube) حيث يمكنهم اكتشاف العالم بأكمله بصرياً وسمعياً من خلال أجهزة رقمية في المتناول.  وقد غير ذلك أساليب التعليم بشكل كبير حيث كان الجيل (x) قد بدأ للتو في الانتقال من الكتب إلى الويب، وبالمكافحة لإيجاد توازن بين العالمين والاعتماد بشكل أساسي على الكتب المدرسية والمحاضرات، لكن أطفال الجيل(z)  مختلفون، فهم لن يتعلموا بشكل فعال من الجلوس في مقاعدهم للقراءة أو الاستماع فقط، ولكن لديهم تفضيل ملحوظ للتعلم بصرياً من خلال مقاطع الفيديو التعليمية، ومشاركة تجاربهم مع الآخرين أو من خلال اكتساب الخبرة العملية عن طريق إجراء التجارب على الإنترنت واستخدام (الواقع الافتراضي) كلما أمكن ذلك، وحيث يتمتع ​​جيل أباءهم أيضاً بقدرة أكبر على البحث عن المعلومات بدلاً من انتظار ظهورها، فنشأ جيل التكنولوجيا منغمساً أكثر في عالم تداهمنا فيه المعلومات من جميع الاتجاهات، ويمكننا توقع وصولها إلينا بطريقة مباشرة دون أي جهد يذكر.

ومع ذلك، لا يعني الأمر أن أطفال الجيل (z) ليس لديهم مفهوم لدور المعلم الرئيسي في تعليمهم، فقد تكون وفرة المعلومات في متناول أيديهم مربكة بدون التوجيه المناسب، وهذا ما يقودنا إلى حقيقة أن هنالك دائماً العديد من الجوانب التي يمكن لها أن تؤثر سلباً على المستوى التعليمي بالنسبة لهذا الجيل، لذا حاولت بعض نقابات طب الأطفال حول العالم بوضع جملة من المعايير المتعلقة باستخدام الأطفال للأجهزة الإلكترونية، وشددت على ضرورة منع الأطفال منذ الولادة إلى عمر السنتين على أقل تقدير من الاتصال بأجهزة الكومبيوتر أو الهواتف الذكية وتحديد مدة تتراوح من ساعة إلى ثلاث ساعات كمدة كافية لاستخدام الإنترنت للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث وست سنوات. وعلى الرغم من ذلك، فإن الأطفال انغمسوا في العالم الرقمي المليء بالمحفزات، والمحمل بثروة كبيرة من المعلومات (الضارة والمفيدة) وبقدرة تفاعلية عالية للغاية، وهذا ما جعل عقولهم مدمنة على التكنولوجيا، وجعلهم غير راضين بالإيقاع البطيء الذي يميز عالمهم الواقعي وأساليب التعليم التقليدية المستخدمة.

التأثير النفسي لنشأة الجيل (z) في خضم صخب التكنولوجيا 

يُعتبر جيل التكنولوجيا الأكثر وحدةً بين الأجيال بحسب أبحاث قام بها مركز (cigna) العالمي للخدمات الطبية، نظراً لارتباطهم الشديد بالهواتف الذكية والإنترنت والعالم الافتراضي، كما يُعتبر الجيل الأكثر عرضة أيضاً لضغوط نفسية مزمنة، نتيجةً لازدياد عنف السلاح وحدة الخلافات السياسية وقضايا الهجرة وكثرة التقارير عن التعرض للمواقف العنصرية والتحرش الجنسي المنتشرة في العالم ومن حولهم، والتي من شأنها أن تؤثر مباشرةً على مستقبلهم، فالجيل (z) يشعر بضغط أكبر حيال هذه القضايا أكثر من الأجيال الأخرى، وهم أيضا أكثر عرضة لمشاكل نفسية وجسدية مباشرة نتيجة لهذه المواقف العصيبة.

وتعد التكنولوجيا عاملاً مباشراً في الصحة النفسية لهذا الجيل نتيجةً للفجوة بينهم وبين جيل آبائهم حيث توفر التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي لهم شعوراً بالترابط حتى عندما لا يكونون متصلين فعلياً، وشعوراً بالاستقلالية قد يؤدي إلى مزيد من الوحدة والاكتئاب، ولأنهم الجيل الأول الذي يمتلك هذا الكم من التكنولوجيا في متناول أيديهم فمن غير المؤكد أيضاً ما الذي قد ينتج عن استمرار التكنولوجيا في تأثيرها على صحتهم العقلية، وهذا ما كان سبباً في ابتعاد أهلهم عن ما يدور في خاطرهم من مشاكل وهموم أغلقت في وجههم أبواب التواصل، حيث يجهل جيل الألفية كيفية توظيف التكنولوجيا في مصلحة توطيد العلاقة بين الجيلين، أي الأبناء وأهاليهم.

وليس هذا كل ما في الأمر، فقد أكد بحثٍ قام به مركز American Psychological Association (APA)  الأمريكي عن جيل التكنولوجيا، أكد بأن أبناء هذا الجيل هم الأكثر احتمالية للحصول على العلاج إذا ما كانت لديهم مشاكل فعلية، وأنهم أيضاً الأكثر طلباً للمساعدة وتقديماً للدعم ومساندةً لبعضهم البعض في التحدث عن مشاكلهم على نطاق واسع، فليس من المستغرب أن  يجد هذا الجيل أنهم على استعداد للبحث عن العلاج أو عن غيرهم من المهنيين عندما يحتاجون إلى المساعدة، ومن المشجع أن نلاحظ حين يشعرون بضغط شديد وهائل، أن الكثير منهم يعملون على إيجاد موارد لمساعدتهم على التأقلم والتحسن.

كيف يجب أن نتعامل مع هذا الجيل كآباء؟ 

يعتبر هذا الجيل أكثر تنوعًا وتميزًا من أي جيل سابق، كما يعتبر جيلًا منعزلاً بسبب الكم الهائل من الوقت خلف الشاشة، الوقت الذي يستمتعون به بدلاً من الوقت الذي يقضونه في تفاعلهم مع العالم الحقيقي من حولهم. لذا، يجب على الآباء تغيير أسلوب الأبوة والأمومة مع التعلم من أطفالهم أيضاً حول أسلوب حياتهم وخياراتهم وتفضيلاتهم وطريقة تفكيرهم. ومن الضروري بالنسبة لهم، بصفتهم أحد الوالدين المسؤولين عن تربية وتوجيه هذا الجيل، السماح لهم باستخدام التكنولوجيا (ضمن حدود معينة)، أي من الضروري بالنسبة لك كوالد عدم إجبارهم على تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشة، ولكن تحويله إلى شيء مثمر، من خلال تشجيع طفلك على الاستفادة من معرفته التقنية من خلال التدريب، والعمل الحر، والعمل عن بعد، والتعلم عبر الإنترنت، وورش العمل، وما إلى ذلك. بهذه الطريقة، لن يفعلوا شيئًا مثمرًا فحسب، بل قد ينتهي بهم الأمر بتعلم مهارات جديدة مع كسب المزيد من المعرفة، كما سيساعدهم أيضًا في التعرف على مستقبلهم وعلى الخيارات الوظيفية المختلفة المتاحة كي يتمكنوا من تحليل وخلق مسارهم إلى حياتهم المهنية، وفي نفس الوقت يجب ألا تتهاون في تشجيعهم على التواصل مع العالم الخارجي، كإشراكهم في الأنشطة التي تتطلب التفاعل مع الناس من خلال المكالمات الهاتفية أو التفاعلات وجهاً لوجه. حتى المهام الروتينية، مثل شراء البقالة أو طلب الطعام يمكن أن يقوموا بها، ويمكن مكافأتهم على الوظائف التي يقومون بها بحيث ذلك يشجعهم على تحمل مسؤولية هذه المهام، فضلاً عن إشراكهم في أنشطة عائلية قصيرة، على الرغم مأن أطفال الجيل (z) لا يحبذون حقًا قضاء الكثير من الوقت مع العائلة، لكن هذا لا يعني أنهم لا يريدون الاستمتاع بوقت العائلة على الإطلاق، فمثلاً، يمكنكم إنشاء لحظات عائلية صغيرة لأطفالكم كي يتمكنوا من البقاء على اتصال معكم ومع أفراد الأسرة الآخرين، مثل التحدث معهم في نزهة سيراً على الأقدام في وسط المدينة أو قضاء الوقت في تناول وجبة طعام في مكان ما، أو حتى مجرد نزهة في الطبيعة ستكون لطيفة ومرحباً بها، كما يمكنكم أيضًا التفاعل مع أطفالكم من خلال الأنشطة التي يحبون القيام بها مثل التسوق عبر الإنترنت أو الألعاب أو مشاهدة (Netflix)، أو غيرها من العروض عبر الإنترنت كي يشعروا أنكم تحاولون فهم جيلهم بطريقتهم، ويعد ذلك إظهاراً للرغبة في تغيير أنفسكم وفقًا لاهتماماتهم وهي طريقة جيدة جدًا لبدء التواصل الصحيح والبقاء كمشاركين في حياتهم.

About Post Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى