مقابلات صحفية

ماذا لو حكمنا الإسلاميون؟ مقابلة مع الباحث نواف الركاد

حاوره: عمر حمزة

استدرجني خيالي نحو أمرٍ ممكن الحدوث في مرحلة ما بعد حكم الأسد، وهو احتمالية وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في سوريا عبر انتخابات رئاسية وبرلمانية ومن ثم استفتاء شعبي حول دستور سوري جديد صوتت الأغلبية فيه على انتفاء مدنية الدولة وإعلان سوريا كجمهورية إسلامية.

في حوار مع الكاتب والباحث السياسي “نواف الركاد” سنحاول أن نجد إجابات حول عدة قضايا وأوجه ومسائل، إذا ما تحقق السيناريو المفضي الى سوريا إسلامية.

في البداية، ما هي احتمالات وقوع هكذا سيناريو، أي صعود الإسلاميين للسلطة في سوريا؟ هل تعتقد بوجود قاعدة شعبية كبيرة لهم في الشارع السوري، قد تمنحهم هكذا فرصة؟

أولاً، أرغب أن أشكر أسرة القبضة على إتاحة هذه الفرصة وكذلك أن أتوجه بالتحية إلى قرائها أينما كانوا.
في الحقيقة استوقفتني المقدّمة لأنّها تكرّر كارثة تدمير ثورة يناير المصرية حيث جرت الانتخابات البرلمانية والرئاسية قبل صياغة والاستفتاء على دستور البلاد، الأمر الذي قوّض التطور الطبيعي والتسلسل المنطقي لانبثاق الدولة الجديدة القائمة على مفهوم العقد الاجتماعي، ما يمكن تشبيهه بوضع العربة أمام الحصان ما أدّى إلى تحطّم العربة والحصان. لأن بناء الدول يتعاكس آليّا مع الهدم، ففي الهدم تثور الشعوب لإسقاط السلطة التنفيذية أولا ثم تقوم بحلّ البرلمان ثم إلغاء أو تعطيل العمل بالدستور، وفي البناء يختار الشعب سلطة مؤقّتة (تعمل وفق إعلان دستوري مؤقت) تشرف على صياغة الدستور من قِبَل مجموعة من أهل الاختصاص والعلم (دون تدخّل حزبي) ثم يستفتى عليه شعبيا وبعد ذلك يصار إلى تحديد جدول زمني لانتخابات برلمانية وفي النهاية انتخاب السلطة التنفيذية (سواءً من قلب البرلمان إن كان النظام برلمانيا أو مباشرة من الشعب إن كان النظام رئاسيا أو نصف رئاسي).
وجوابا على السؤال، لو عدنا إلى عصر زهوة الديمقراطية في سوريا في حقبة الخمسينات وتحديدا انتخابات عام ١٩٥٤ النيابية (أي بعد ١٢ عاما من التشكيل والترويج والانتشار) من تشكّل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا لوجدنا النتائج كانت كالتالي:
حزب الشعب ٣٠ مقعدا من أصل ١٤٢ أي ما نسبته ما يزيد عن ٢١ %، والحزب الوطني ١٩ مقعدا أي ما نسبته ما تزيد عن ١٣ %، وحزب البعث ٢٢ مقعدا أي ما نسبته ١٥ %، وجماعة الإخوان المسلمين ٤ مقاعد أي ما نسبته ٢.٨% من مقاعد البرلمان.
لكن هل بقي الإخوان على نسبة ٢.٨% من الشعب السوري حتى الآن؟ الإجابة قطعا لا، وللأسباب التالية؛
أوّلا: رعاية الولايات المتحدة الأمريكية للأسلمة وإعادة الروح للمسيحية واليهودية حول العالم في حقبة صراعها مع الشيوعية، الأمر الذي ظهر لاحقا في السبعينات بإطلاق أنور السادات أيدي الإسلاميين ليقبضوا على التعليم والإدارات وصعود الأحزاب الإسلامية في تركيا العلمانية العسكرية بقيادة نجم الدين أربكان وازدهار تيار الصحوة السعودي لدعم الجهاد الأفغاني ضد السوفييت في الثمانينات.
ثانيا، المدى الزمني الطبيعي لانتشار فكر الإخوان عالميا وليس سوريا فحسب، فثمانون عاما ليست كاثني عشر عاما.
ثالثا، حالة المظلومية التي استثمرتها الجماعة بسبب تلقيها ضربات موجعة على يد نظام الأسد ونظام السيسي، التي رفعت رصيدها.
رابعا، إمساكها إدارة الملف السوري من بابه إلى محرابه خلال فترة الثورة السورية وبالذات العمل الخيري والإغاثي والجهادي، الأمر الذي سهّل لهم نشر فكرهم في صفوف الشباب.
وأخيراً، ظهور النموذج التركي الذي جذب ملايين العرب.
كل ما سبق يفيد بأن نسبة الإخوان في سوريا تغيّرت كثيرا، ولكن في المقابل ظهرت مساوئهم في السياسة والإدارة بشكل كبير وقد توضّحت أكثر بالذات في الأعوام الثلاثة الأخيرة لأسباب نذكر منها:
– فشلهم الذريع بإدارة القضية السورية.
– ظهور مدى قابليتهم للاستسلام والتبعية للتركي في تفاصيل كإرسال مقاتلين سوريين إلى الخارج لخدمة المصالح التركية.
– توضّح مدى رفضهم مبدأ الشراكة بالسلطة ونفيهم للديمقراطيين واستئثارهم الشديد بقيادة المعارضة وملف التفاوض.
– تعاليهم الواضح على السوريين وعدم مكاشفتهم لإبقاء صنع القرار بأيدي مجموعات سرية.
– انكشاف ملفات فساد الإسلاميين عموما والإخوان خصوصا، كشراء عقارات ومنتجعات ومشاريع سياحية في غير بلد كما فعل قادة فصائل إسلامية وقادة سياسيين ينتمون إليهم.
– فشل النموذج التركي في اختبار الديمقراطية الحقيقية من خلال هيمنة حزب العدالة والتنمية على الحياة السياسية في تركيا وتصدّره كالحزب الواحد (العادة السائرة في الشرق الأوسط).
ولما سبق كله لا أتوقع صعود الإسلاميين للسلطة في سوريا، وإن حصل ذلك فبنسبة هشّة قابلة للإطاحة بها في أي انتخابات قادمة.

هل سيتحقق مفهوم المواطنة في ظل هكذا دولة؟ بمعنى آخر هل سيتساوى جميع المواطنين أمام تلك الدولة في الحقوق والواجبات وهل ستقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع؟

لو افترضنا قيام دولة إسلامية في سوريا (دستورا وسلطة) فحتما ستنتفي كل معاني المواطنة المتساوية، لأن الدولة الحديثة تقوم على مبادئ راسخة كفصل الدين عن الدولة وتكافؤ الفرص بين المواطنين بصرف النظر عن دينهم وأصلهم ومنبتهم العرقي، أمّا والحال أننا في دولة إسلامية فذلك يفضي حتما إلى منع غير المسلمين من قيادة الدولة والتمييز الضريبي بين المواطنين على أساس جزية وزكاة ومنع النساء من القيادة والقضاء، وبالتالي ستنشأ لدينا دولة للمؤمنين بالإسلام ولها رعايا من أهل الذمة من غير المؤمنين، تُعلي من شأن الذكور وتحط من شأن الإناث، عندها ستكون الدولة منحازة للدين والجنس ولا تقف على مسافة واحدة من الجميع.

كيف ستتعامل هكذا دولة بنظام حكم اسلامي وقانون اسلامي مع مسألة الحريات.. صحفية كانت سياسية أم فردية وحتى جندرية؟

في دولة إسلامية (كجمهورية إيران) لا وجود للحريات العامة كالحق في التظاهر السلمي والاعتصامات وحرية التعبير وإنشاء النقابات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني وغيرها، فالفقه الإسلامي يزدري التعدّدية عبر تأويل أعوج لنصوص القرآن الكريم (كل حزب بما لديهم فرحون) سورة الروم ٣٢، و(الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) سورة الأنعام ١٥٩.
وبالتالي فالجماعات الإسلامية التي توارثت الفقه الإسلامي العتيق لا تؤمن بتعددية الأفكار لاعتقادها بأن ذلك يضعف شوكة الدولة ويودي بوحدة جماعة المسلمين إلى الفرقة والتشتت، وكل هذا الفقه كان لخدمة سلاطين وخلفاء المسلمين لمنع منازعتهم الحكم.
(انظر التجربة الإيرانية، تجربة طالبان، تجربة جبهة النصرة في إدلب).
وأمام هذا العنوان العريض تنتفي بطبيعة الحال حرية الصحافة والحريات الفردية، ليغدو حتى شرب الأركيلة ممنوع في المقاهي.

في ظل عراقيل فقهية اسلامية ومحددات تخص الاقتصاد، يضبطها الشرع ك: تحريم القروض بفائدة (الربا)، تحريم صناعة الكحول وتجارتها، تحريم زراعة التبغ وبيعه، تحريم اقامة الحفلات الغنائية، والنشاطات الرياضية والترفيهية المختلطة، رفض أريحية في اللباس والسلوك قد يبديها السواح، وغيرها الكثير.. فكيف سيكون شكل الاقتصاد في سوريا؟

سيكون الاقتصاد السوري موجّها حيث يتحكم المخططون المركزيون للحكومة في عناصر الإنتاج أو يمتلكونها، ويتحكمون في توزيع المخرجات. عندها سوف يتلاشى القطاع الخاص وتنشأ طغمة أوليغارشية فاسدة جديدة (أسوأ بكثير من فاسدي الائتلاف المعارض) حيث يمتلكون كل موارد الدولة كما حصل في إيران الملالي التي يمتلك فيها بعض المسؤولين جزرا سياحية كاملة في المالديف وأكثر من نصف الشعب يرسف في العوز والفاقة.
من ناحية أخرى سوف يكون الاقتصاد السوري معزولا عن الاقتصاد العالمي ما يجعل فرص نموه أضعف بكثير منها في حالة انخراطه في المجموعة الدولية، ناهينا عن عيش الاقتصاد على أنماط ريعية بدائية في ظل التطور الهائل للاقتصاد ودخوله عصر الرقمنة والأتمتة، وقطعا سوف يحرم الدولة من دخل السياحة الرافد الأكبر للناتج المحلي الإجمالي في بلدان البحر المتوسط.

ما مدى تقبل الأقليات في سوريا لهكذا نظام، وحتى وان قبلته بحكم الأمر الواقع فما هي التداعيات المستقبلية لذلك؟

لن تكون الأقليات السورية أكثر سعادة من الأقليات الأفغانية والإيرانية، وبالتالي سوف تتعرض الأقليات لظلم حقوقي كبير وسوف يكون المستقبل قاتما محتملا ثلاث خيارات؛ الأولى تمرد هذه الأقليات وطلبها الانفصال عن الدولة والثانية الاستسلام والخضوع على أمل قدوم دولة خارجية لإنقاذها والثالثة الهجرة ومغادرة البلاد.

وفقا للمفهوم الأصولي فالعلاقات الدولية لا تخضع الا لقاعدة أساسية واحدة (دار الاسلام – دار الحرب) فهل من الممكن تطبيق ذلك في عصر تغير في وجه الدولة وطبيعتها في كل العالم تقريبا ؟ وكيف ستكون العلاقات الدولية لسوريا في ثوبها الاسلامي مع جاراتها في الشرق الأوسط وباقي دول العالم؟

إن أصبحت سوريا دولة إسلامية فأغلب الظنّ أنّها سوف تتعرض للعزلة السياسية وقائمة طويلة للعقوبات الدولية بسبب انتهاكها لحقوق الإنسان، وبالتالي فسوف يكون نشاطها ونفوذها الدولي ضعيفا معتمدةً على قوى كبرى لحمايتها وعلى شبكة من الميليشيات في المنطقة لتحقيق بعض أهدافها.
عندها ينشأ التناقض الكبير بين دولة توتاليتارية (شمولية) في الداخل ومراوغة وضعيفة في الخارج.

يروج الاسلاميون لمقولة غدت شعبية مفادها: أي أحد هو أفضل من العسكر ألم تجربوا دولتهم العلمانية لعقود؟.. ما مدى نجاعة هكذا مقارنة وهكذا مقولة؟

مقولتهم فاسدة لأنها تقوم على منطق فاسد، فالنظم العسكرية أو السلطوية الحاكمة في المنطقة قائمة على الاستبداد وقمع الحريات والاتّكاء على سلطات دينية تبرر سلوكها وعلى نصوص دينية دستورية تستمد منها رضاء الشعوب، وهذا مناقض لجوهر العلمانية القائم على ثلاثية (الحرية، النسبية، العقلانية).
ولو أخضعنا نظم العالم المستبدة كلها نجدها تخالف المبادئ الثلاثة، فكل سلطة تقف على أرضية أيديولوجية سواء كانت قومية أو شيوعية أو عسكريتارية فهي لا تقبل نسبية الحقائق وبالطبع تقمع الحريات ولا تمارس العقلانية في سلوكها السياسي، إذاً والحال هذا لا يوجد نظام علماني في العالم غير ديمقراطي بالضرورة. لهذا فنظام الصين الشعبية والاتحاد السوفياتي ونظام الأسد والسيسي كلها غير علمانية لأنها قامت بالأساس على أيديولوجيا أرضية مثلها مثل أي دين سماوي ومخالفة هذه الأيديولوجيا توجب العقوبة كعقوبة من يعارض أي دين سماوي.
أما لو راقبنا نشأة الفكرة العلمانية في أوربا (موطنها الأصلي) نجد أنها ترافقت مع تطور فكرة الديمقراطية، تنهضان معا وتسقطان معا ثم تنهضان معا مجددا، حتى وصل العالم الحديث إلى شكله الراهن علمانيا يؤسس للنسبية والحرية ويتيح تداول السلطات وفق هذا المفهوم.

ما مدى معقولية قيام مشروع إسلامي ديمقراطي؟

الإسلام ينتمي إلى حقل الأديان والديمقراطية تنتمي إلى أشكال الحكم السياسي، وبالتالي فهما من أسرتين مختلفتين، تماما كما نقول ما هو مجموع تفاحتين وثلاثة برتقالات؟ فالإجابة قطعا لن تكون خمسة تفاحات وبرتقالات.
الإسلام دين شأنه شأن كل الأديان جاء لوظيفتين اثنتين فقط: الأولى: حل اللغز الوجودي وطمأنة الإنسان لمصيره بعد الموت، والثانية: وضع خارطة طريق للإنسان للنجاة والخلاص من العقاب والفوز بالجنة.
أما الديمقراطية فهي شكل حكم يقوم على التعددية السياسية والثقافية وضمانة حقوق الإنسان وصيانة الحريات العامة وتساوي كل أفراد الدولة في الحقوق وخضوعهم لنظام قانوني واحد لا تمييز فيه وقاعدة تداول وفصل السلطات.
وفي ظل أي نظام سياسي في الحياة يختلف معيار تحديد المواطن الصالح والمواطن الرديء عن معيار الإنسان الصالح والشرير وفق معايير الإيمان والأديان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى