مقابلات صحفية

مقابلةٌ مع الناشطة السياسية والمعتقلة السابقة لينا وفائي

حاورها: اسماعيل كردية

التقت القبضة بحوار مع السيدة لينا الوفائي معتقلة الرأي السابقة في سجون النظام السوري من سنة 1987الى سنة 1990. قضت فترة الاعتقال في فرع فلسطين ذي السمعة السيئة.
لينا الوفائي من مواليد محافظة حمص عام 1959، حاصلة على بكالوريوس في الهندسة المدنية، مارست الهندسة لتاريخ خروجها من سوريا عام 2013، وفي ألمانيا بلد اللجوء عملت كمساعدة اجتماعية ومترجمة لمساعدة اللاجئات/ين في ألمانيا منذ عام 2015 .

العمل السياسي فترة الثمانينات والتسعينات كان ضرباً من الجنون والتحدي واتسم بالسرية التامة، حدثينا كيف كنت تواجهين الخوف من الاعتقال؟
في ثمانينيات القرن الماضي وإثر الصراع على السلطة بين النظام والاخوان المسلمين، قام النظام بتشديد قبضته الأمنية وراح يلاحق بالاعتقال أي معارض له، وفي ذلك الوقت بدأت علاقتي مع حزب العمل الشيوعي، لم يكن لدينا وهم بأننا سنغير النظام مباشرة، وكنا نعرف أن الثمن الذي ندفعه كبير. كان رفاقي ورفيقاتي يعتقلون واحداً تلو الآخر، وكنت أتوقع أنه سيطالني يوماً، هل هذا يعني أني كنت مغامرة؟ أعتقد لا، وانما كانت قناعتي أن أحداً يجب أن يقول لا.. لا لكل أشكال الاستبداد، حتى لو لم تكن النتيجة التي يرجوها قريبة، كان يجب أن نعلن موقفنا الرافض من أجل التاريخ كي لا يقال يوماً أن كل السوريين رضخوا بصمت. كان لديّ طفلة وهذا كان يجعل أثر الاعتقال أكثر سوءاً، ولكني كنت مؤمنة بما أقوم به. ما زلت حتى الآن أرى أن الحظ ساعدني بأن ابنتي كانت وبالصدفة في عطلتها الصيفية تزور جدّتها وجدّها عندما أتوا لاعتقالي، وذلك جنّبها هذا المنظر، كانت أكبر مخاوفي هو اعتقالي أمامها.

الاعتقال… كيف كانت ملابساته؟ وهل اختلف الأسلوب الذي انتهجه النظام فترة الثمانينات والتسعينيات عن الاسلوب بعد الثورة؟
في حملة 87 التي شنها فرع فلسطين على الحزب، قرروا جلب زوجات قيادة الحزب كرهائن، وعليه كان قرار اعتقالي ليس بناءً على علاقتي بالحزب والتي كانوا يعرفونها من تقاطع معلومات معتقلين سبقوني، وإنما كرهينة لزوجي المطلوب. جاؤوا بعد منتصف الليل، صدفةً كنت خارج المنزل، كنت ألتقي زوجي المطلوب، قرروا انتظاري، فاحتلّوا المنزل، عدت مساءً ووجدتهم بانتظاري، قاموا بطلب دوريّةٍ حملتني إلى الفرع بعد أن قاموا بإغلاق عيني بعصبةٍ سوداء. حال وصولي بدأت حفلة الاستجواب مع كل ما تحمله من وسائل لتحصيل المعلومة، تعرضت للتعذيب بالدولاب ومن ثم بالكهرباء استمر ذلك لساعات. لم أخض تجربة الاعتقال بعد الثورة، ولكن ممّا سمعته أعتقد جازمةً أنّ ما تعرّض له المعتقلون والمعتقلات الآن يفوق كثيراً ما خضناه. اختلف في زمننا مستوى التعذيب وفق التّهمة والانتماء، ووفق حجم المعلومات المطلوبة من المعتقل/ة، فقد تعرّض على ما أعتقد الإسلاميون/ات لتعذيبٍ أشدّ ممّا تعرضنا نحن- معتقلو ومعتقلات اليسار- له، واختلفت أيضا ً شدّة التّعذيب حسب حجم المعلومات المطلوبة، فلم نتعرّض جميعاً لذات الشدّة منه، وهذا لا ينفي طبعاً بعض التعذيب المجاني دون معلوماتٍ مطلوبةٍ، وبسبب انتقاميٍّ فقط يعود لطبيعة النظام الانتقاميّة. شكّلت الثّورة خطراً أكبر بما لا يقاس على وجود النظام، ولهذا وبسبب طبيعته الإنتقامية التي تحدّثتُ عنها سابقاً، تعرّض معتقلو ومعتقلات الثورة إلى شدّةِ تعذيبٍ أقسى، أودت بحياة الكثيرين/ات منهم/نّ.

فرع فلسطين سيء السمعة.. كيف كانت ظروف المعتقل والعلاقة بين المعتقلات؟
ثلاث سنواتٍ في غرفةٍ في قبوٍ تحت الأرض، لا يصلها ضوء النهار ابداً، تضاء ليل نهار بمصباحٍ كهربائيٍّ، تهويتها عبر نافذةٍ تطلّ على ممرّ الفرع الذي يصل بين غرف التّعذيب، مما دفعنا أغلب الوقت لإغلاقها وسدّها ببطانيّاتٍ كي لا تصل إلينا أصوات وصرخات المعذبين/ات. ليس هناك فسحة تنفسٍ في باحات السجن بشكل دوري ونظامي، فقد نبقى بدون فسحة التنفس هذه أشهر طويلة قد تصل أحيانا ً لستة أشهر، لا نملك أية وسيلة اتصالٍ مع العالم الخارجي، فليس لدينا راديو أو جريدة -حتى لو كانت الجريدة الرسميةـ وليس لدينا كتب، “حصلنا على مجلة العربي في الفترة الأخيرة بعد إضرابين عن الطعام”. أغلبنا غير مزارات، فنحن لا نملك حق الزيارة، ومن استطاع أهلها زيارتها كانت بالواسطة، كثيرات منا كنّ أمهات، ولم يكنّ يملكن أية أخبارٍ عن أطفالهنّ. في ظل هذه الظروف وفي غرفةٍ صغيرةٍ مغلقةٍ كنّا مجموعة من النساء، سوريّات ولبنانيّات، من خلفياتٍ وتهم ٍمختلفةٍ، في مساحةٍ ضيقةٍ وضمن شروطٍ حياتيّةٍ صعبةٍ. تراوح عددنا خلال السّنين الثلاث فبلغ في بعض الأحيان أربعين، وتناقص في أخرى ليصل العشرينات. السجن عالم الصغائر، عالم الحياة اليومية الضيّقة التي تثير مشاكل تافهة، مشاكل لا يعانيها الإنسان عادةً في حياته العاديّة، ففي الحياة العادية قد يسبب لنا وجود شخصٍ ما ضيّقاً بلا مبرر، ربما طبيعته الشخصية، أو صوته، ولكن نكتفي أن نبتعد عنه في السجن لا نملك هذه الرفاهية. ولكن رغم ذلك استطعنا أن ندير شؤوننا بأفضل صورةٍ ممكنةٍ، تقاسمنا النّقود والطعام والملابس التي تأتي بالزيارات القليلة المتاحة، لم تخلُ حياتنا من بعض المشاحنات، ولكنها لم تخلق عداواتٍ دائمةٍ، ولم تتدخل إدارة السجن يوماً ما في حلّ أيّ مشكلةٍ بيننا، وهي كانت عندما تفعل ذلك في المهاجع الأخرى للرجال حولنا، يكون تدخّلها بتعذيب طرفي المشكلة وضربهما. وقتٌ طويلٌ ولا إمكانية لأيّ طريقةٍ لصرفه، لا قراءة، لا راديو، لا جريدة، ولا أقلام أو كتب، كنّا نستعيد حيواتنا بالروي، ونستمع جيداً لبعض، نروي قصصنا وقصص عائلاتنا ونعيد رويها، نعمل هدايا من عمل يدويٍّ لأحبّاء لا نعرف إن كانت ستصلهم، ونغنّي، نغنّي آلامنا، و نغنّي للحياة ونرقص، نرقص أملنا بعودةٍ للحياة وللأحبة وللفرح.

بعد مرور سنواتٍ على الخروج من المعتقل كيف تقيّمين العمل السياسي؟
إذا كان السؤال هو هل ما زلت أومن بالعمل السياسي بعد السجن، فالجواب قطعاً نعم. قد أكون لا أرغب أن أُعتقلَ مرةً أخرى، ولست على استعدادٍ لخوض التجربة ثانيةً، وقد يكون هذا ما دفعني لمغادرة سوريا بعد الثورة، ولكنّي ما زلت أومن أنّ لا حلّ في سوريا إلّا بالوصول إلى الديمقراطية، إلى سوريا دولة المواطنة المتساوية لكلّ مواطنيها ومواطناتها، بغضّ النظر عن الجنس واللّون والعِرق والقومية والاثنيّة والدّين والطّائفة، وأن ذلك لا يتحقّق إلّا عبر النّضال السياسيّ السّلميّ.

المعتقل يتغلغل في تفاصيل الحياة… أين كان الرّجل بتلك التفاصيل؟
بالنسبة لي كان الرجل، رجلي الخاص، معي بالزنزانة التي بجواري، لذلك لا أستطيع عكس تجربتي على الأخريات، اعتقلنا أنا وزوجي بذات الفترة، بفارق أسابيع قليلةٍ، فقد اعتُقِلتُ قبله وكرهينةٍ له، عند اعتقاله جرّوني لغرف التعذيب ليواجهوني به، بعد أيامٍ أنزلوه للزنازين المنفردة، وكنت ما زلت في إحداها، سمعت صوته وعرفت بمجيئه، حاولت أن أعلمه بوجودي أيضا ً، فترة أشهرٍ كنت أنا في الجماعيّ وكان هو في الزنزانة، كان يفصل بيننا جدار، كنا نتحدّث بلغة المورس، هو يطرق الجدار وأنا أعيد لفظ الحرف والكلمة. بعد فترةٍ تمّ نقله إلى زنزانةٍ جماعيّةٍ، ولكنّها لم تكن تحوي على حمّامات، كان يستخدم حمام المنفردات ثلاث مرات يومياً، وكنت أراقبه من ثقب في الباب. تبادلنا الرسائل بمساعدة أحد السجّانين، تمكّنت من زيارته مرّاتٍ قليلةٍ. لذلك كان لتجربتي طعم خاص، فقد كان حاضراً ويعيش في تفاصيل يومي، ولطالما حاولنا أن نتخيّل أنّنا سويّةً في منزلنا ولسنا في السجن.

كيف تقيّمين أدب السّجون إذا صحّ التّعبير وخصوصاً أن عدداً من المعتقلين السّابقين قدّموا أعمالا ً أدبيةً تخصّ المعتقل مثل الشاعر فرج بيرقدار والكاتب بسّام يوسف؟
لم أقرأ كلّ أدب السّجون، ولكن لي مع ثلاث كتبٍ حكايات خاصة أودّ أن أرويها. الأولى كانت مع رواية “أنت جريح” للكاتب التّركي أوردال أوز، قرأتها للمرة الأولى قبيل اعتقالي، تأثّرت بها جدّاً، حتّى أنها رافقتني وأنا أخضع للتعذيب، فقد كنت أخاطب جسدي كما يفعل بطل الرواية وأطلب منه أن يتحمّل ولا يخذلني، أعدت قراءتها في السجن مرّةً أخرى، إذ تمّ نقلنا لفرع التحقيق العسكري قبيل الإفراج عنا، وسمح لنا بالقراءة، أول كتاب استعرته من المكتبة كانت رواية “أنت جريح”، أعدت قراءتها فأحسست أنها لم تستطع أن تعبّر عما خبرته، من أحاسيس أثناء التعذيب أو أثناء التأقلم مع الإقامة في السجن. الكتاب الثاني كان “حمامة مطلقة الجناحين” لفرج بيرقدار، كانت زوجي يهرب أوراق الكتاب أثناء زيارتي له في سجن صيدنايا، وكنت مسؤولة أن أقوم بإعادة كتابتها نقلاً من أوراق الدخان الصغيرة التي كانت تكتب عليها، إعادة نقلها لدفتر، كنت أعيش كل لحظة في الكتاب، وأنتظر زيارتي في الشهر الذي يليه لأحصل على أوراق جديدة، كنت اشعر أنها تكتبني بدلاً من أن أنسخها. كثيرٌ من تفاصيلها كانت تعنيني، وكل تفاصيلها كانت تهمني. الرواية الثالثة هي “دوار الحرية” لمالك داغستاني، الرواية تتحدّث عن المرأة بالنسبة للسجين، فهي رواية تتحدث عن تخيلات السجين للمرأة، عندما قرأتها شعرت بالذنب، وندمت على كل رسالة من زوجي لم أتفاعل معها كما يجب، عن كلّ لحظة أضعتها وانا أنتظره دون أن أعيد قراءة كلماته، وقد اعترفت له بذلك، وكان قد خرج من السجن حينها بعد قضائه ١٥ عاماً فيه. أدب السجون بالعام يعتبر مهماً، لكسر حاجز الصمت، ليعرف الآخرون ما الذي تعرضنا له، وكي لا تمرّ هذه الانتهاكات دون أن توثّق، أدب السّجون لا يوثّق الانتهاكات فقط، وإنّما يسجّل مشاعر وأحاسيس السّجين وما تعرّض له من شدّةٍ وعذابٍ نفسيٍّ وجسديٍّ.

يوم الإفراج… كيف كانت تفاصيله؟
بعد ما يقارب ثلاث سنواتٍ أرادوا نقلنا لسجن دوما، وتمّ ذلك عبر فرع التّحقيق العسكريّ. في دوما رفضوا استقبالنا لعدم توفّر الأمكنة، في رحلة الذّهاب عبر دمشق كنّا نغني، كنّا نشعر أنّ مجرّد النّقل للسجن المدني هو نصف إفراج، في العودة كنّا محبطات، وكنّا نبكي، السجّانة المرافقين أخبروا بذلك كمال يوسف مدير فرع التحقيق العسكري، استقبلنا وسمع قصصنا، ووعد بإعادة التّحقيق معنا ورفع أسماءنا للقيادة من أجل محاولة الإفراج عنّا، وكان ذلك. كنا 12 فتاة، تمّ الإفراج عنّا على دفعاتٍ ومجموعاتٍ، مجموعةٌ يوميّاً، أخيراً بقينا ثلاثة، أنا واثنتان، إحداهما لن يتمّ الإفراج عنها وقد أخبرت بذلك عبر استدعاء أهلها، تأخّر الإفراج عنّا يومين، كانت ساعات انتظارٍ طويلة وصعبة، فنحن لا نعرف أن كنا سنبقى مع صديقتنا التي لن يفرج عنها، أم سنلحق بالباقيات. حين خرجنا من السجن، كنت وصديقتي نبكي، نبكي صديقتنا التي خلّفناها خلفنا والتي سبب بقائها عدم الإحساس بفرحة الافراج. توجّهت فوراً إلى كراج التكسي، وسافرت إلى حمص، كنت أودّ أن أرى بسرعةٍ أمّي وابنتي، اضطررت أن أنتظر يوماً كي أرى ابنتي ذات السبع سنوات، فقد كانت في إجازة الصّيف مع أهل أبيها، ذهبت وراءهم ولم تكن في المنزل، عندما عادت وقالوا لها أمك هنا لم تصدق ذلك، حال رأتني ركضت مسرعة واحتضنتني، كانت ترتجف كورقة. المرأة في العمل السياسي تدفع فاتورةً أكبر وهذا ما حدث بعد انطلاق الثورة السورية وتعرّض النساء لأبشع أنواع التعذيب وخصوصاً الاغتصاب هل انصفت الثورة تضحيات المرأة الكبيرة؟
تاريخياً لم يتم إنصاف المرأة، إذ طالما كانت في الخلفية، ولا يتم تقدير تضحياتها. ولم تخرج الثورة السورية عن ذلك. حال انطلاق الثورة كانت المرأة في الصفوف الأولى، تظاهرت وعملت في الإغاثة، ساعدت بتشكيل التنسيقيّات، ولكن حالما تمّ تشكيل التشكيلات السياسية المعبرة عن الثورة، تم دفعها للخلف، فتمّ تغييبها عن مراكز صنع القرار في البدء، ليصار بعد ذلك -ونتيجة ضغط نضال النساء السوريات والدعم الدولي لهنّ- إلى إعطائها بعض المواقع، لكن مع محاولة لتهميشها والحدّ من دورها. ما زالت المرأة السوريّة تناضل لإيجاد دورها، وللوصول إلى مراكز صنع القرار، فشكّلت لذلك عدّة تنظيماتٍ نسائيّةٍ ونسويّةٍ، تعنى بتمكينها وبالنضال من أجل حقوقها في دستور سوريا المقبل.

يوجد منظماتٌ نسويّةٌ متعددةٌ تتناول قضايا المرأة السورية… ما تقييمك لعمل هذه المنظمات؟
غيّبت الدكتاتورية العمل السياسي والمدني طويلاً في سوريا، فبعد أن أحكم النظام السوري قبضته الأمنية، واعتقل معارضيه وزجّهم سنيناً طويلةً في السّجون، استكان الشعب السوري فلم يعد هناك أيّ عملٍ سياسيٍّ أو مدنيٍّ مستقلٍّ يذكر، باستثناء بعض المنظّمات النّسويّة التي ظلّت تناضل مستغلّةً الهامش الضيق الذي استطاعت التحرّك فيه. حاول الشعب السوري الخروج من ثباته بُعَيد استلام بشار الأسد للحكم عبر المنتديات ولجان أحياء المجتمع المدني، لكنه سرعان ما عاد للاستكانة بعد تعرّض محاولاته هذه للقمع. بعد الثورة السورية سارع الشعب السوري لتشكيل أحزابه وتيّاراته ومنظّمات المجتمع المدني، ومنها كانت المنظّمات النّسويّة والنسائية، لم تخرج هذه المنظمات عن الحالة العامة التي كانت عليها كل التشكيلات السورية، فقد اختلفت وتخالفت بعض الأحيان، لكنّ عملها جميعاً يصبّ في تمكين المرأة السورية وفي النضال من أجل حقوقها. عانت التّنظيمات السوريّة كباقي التشكيلات السّورية السّياسيّة والمدنية، من بعض الإشكاليّات التي تتعلق أولاً بأن ليس لدى الساحة السورية إرث في النضال السياسي والمطلبي، فكانت في كثير من الأحيان بعيدةً عن الشّارع السّوري وعن الإشكالات الحقيقيّة للمرأة السورية. كان بعض هذه التنظيمات نخبوي، وبعضها الآخر حاول جاهداً التّوفيق بين احتياجات المرأة السورية ورغبات المموّل. لكن أغلب هذه التنظيمات حاولت جاهدةَ العمل ضمن القاعدة الشعبيّة، وتواصلت مع المرأة السوريّة حيثما وجدت في المخيّمات وفي مناطق النّزوح، كما في كل المناطق السوريّة المسيطر عليها من قوى أمر واقع مختلفة. خصوصيّة النّضال النسوي في سوريا وفي ظل عادات وتقاليد تضهد المرأة عبر التاريخ، إضافة إلى ما عانته سوريا من الدكتاتورية، يجعل الطريق أكثر صعوبة، فليس كل من خرج ثائراً في الثورة السورية يرى معنا أهمية وضرورة حصول النساء على حقوقهنّ، لذلك فإنّ طريق نضال هذه المنظمات طويل، وهي تعرف ذلك، ولكنّها لا تيأس، وإنما تبحث عن الطرق الصغيرة التي فتحتها الثورة لتسير بها وتوسّعها. ربما لا تتكامل هذه المنظمات في عملها، وربما لا تنسّق دوماً سويّةً، ولكنّ نضالها بالاتجاه نفسه، يخلق تراكماً.

الثورة السورية…ماذا عَنَت لك؟
بعد أن أنهى النظام بالقمع ظاهرة المنتديات، وانتهى الحراك السياسي والمدني الذي حاوله الشعب السوري بُعيد استلام الأسد الابن، عاد المجتمع إلى ركوده السياسي، ولم تستطع النخبة التي حاولت عبر اعتصام هنا أو هناك تحريك الشارع. حتى جاء الربيع العربي وفتح صيرورةً جديدةً، وبدأت المظاهرات في المدن السورية المختلفة، بالنسبة لي كنت أرى حلمي يتحقق، كنت أرى الحلم الذي انتظرته طويلاً وعملت من أجله سنين طويلة يتحول إلى حقيقة، لم أصدق، تابعت التظاهرات وأنا اتنقّل على قنوات الأخبار ووسائل التواصل الاجتماعي، شاركت فيها في مدينتي حمص، لم أنم في الأيّام الأولى خوفاً من أن يفوتني خبر هام، ولكنّ النظام صمد. وبدأنا العمل السياسي والمدني، فشاركت بتشكيل تيّار مواطنة منذ الفترة الأولى للثورة. للأسف طال طريقنا، وصمد النظام بمساعدة حلفائه، وتحوّلت الثورة شيئاً فشيئاً إلى العسكرة نتيجة القمع، خلق السلاح شروطاً جديدة، فتحوّلت الثورة إلى حربٍ أهليّةٍ ذات امتدادات إقليميّةٍ ودوليّةٍ، وصار يجب البحث عن وسائل جديدة للنضال فرضها الواقع. شخصياً اتّجهت إلى جانب العمل السياسيّ إلى النّضال النّسويّ، إمّا عبر تنظيمات مجتمعٍ مدنيٍّ، أو عبر الحركة السياسيّة النّسويّة السّوريّة التي كنت من مؤسّساتها.

كيف تقيّمين عمل الأحزاب ضمن الفترة الواقعة بين 1980 و1995؟
بعد انتهاء الصراع بين النظام السوري والإخوان المسلمين، استطاع النّظام فرض سيطرته الأمنية عبر القمع المعمّم، فتراجع العمل السياسي في سوريا. لم يستكن السوريّون تماماً، فتحوّل العمل السياسيّ المعارض إلى العمل السّريّ، عبر تنظيماتٍ صغيرةٍ لا تنتشر على الأرض، كان الثمن كبيراً، فتعرّض الكثيرون للاعتقال لسنين طويلةٍ، قليلاً فقليلاً تراجع حتّى هذا العمل السّريّ، وبدأت السّاحة تفرّغ تماماً من أي عملٍ سياسيٍّ منظّمٍ.

أريد السؤال عن معتقلاتٍ غيّبهم الموت “زهرة كرديّة، فاديا شاليش، مي الحافظ، راغدة حسن” … كيف تصفين حضورهم وغيابهم؟
بالنسبة لي هنّ رفيقاتي، يحضرن دوماً عند كل ذكرى، مثلاً اعتدنا أن نحتفل معاً بذكرى الإفراج عن بنات حزب العمل من دوما والذي كان في 26\11، كان احتفالنا السّنوي اجتماعاً لنا نحن رفيقات الماضي، وصديقات الأيّام الصعبة، فاديا ومي كانتا معاً دوماً، والآن كلّ ما مرت الذكرى نتذكرهما، ونتذكّر رفيقتنا وصديقتنا “سميرة خليل” التي غيّبها الاستبداد مرةً أخرى، إثر اختطافها من قبل تنظيماتٍ إسلاميةٍ مستبّدةٍ من الغوطة الشرقيّة، والتي لا نعرف مصيرها حتّى الآن. صديقاتنا حاضراتٌ دوماً، حاضراتٌ في ذاكرتنا وسيذكرهنّ التّاريخ كجزءٍ من النّضال السّياسيّ للمرأة السورية.

كيف تقيّمين المشهد السّوريّ الحالي؟
للأسف تحوّلت الثّورة السّوريّة كما أسلفت سابقا ًإلى حربٍ أهليّةٍ ذات امتداداتٍ إقليميّةٍ ودوليّةٍ، فسوريا اليوم مقسّمةٌ إلى مناطق نفوذٍ تخضع كلّ منها لسيطرة قوى أمرٍ واقعٍ مدعومةٌ من قوى إقليميةٍ أو دوليةٍ، تتحارب فيما بينها، تشكّل بمجملها ثورةً مضادّةً في مواجهة طغمةٍ حاكمةٍ. تراجع الحراك المدنيّ، وأصبح العمل المدنيّ إغاثيٌّ أو تنمويٌّ، ولكنّي أؤمن أنّ الثّورة السّوريّة فتحت أفقاً للمستقبل، ولا يمكن العودة ابداً إلى ما قبل عام 2011، وعلى الديمقراطيّين الآن تجميع قواهم من أجل العمل لاستغلال هذا الأفق المفتوح، والعمل من أجل سوريا دولة ديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية.

كلمة توجهينها للمنظّمات المسؤولة عن قضايا المعتقلات النسويّات.
كناجيةٍ من المعتقل، وقد ذكرت سابقاً أنّ ما تعرضت وتتعرض له معتقلات الثورة يفوق جدّاً كلّ ما خبرناه نحن سابقاً، كناجية ومن تجربتي أستطيع القول أنّ تبعات الاعتقال لا تنتهي عند الخروج من المعتقل، فعندها يبدأ تحديات أخرى، من إيجاد عملٍ إلى استعادة العلاقة مع المحيط. شخصيّاً كان أهلي ومحيطي الاجتماعي داعماً لي، ولكنّ هذا لا يتوفّر لكلّ المعتقلات، لذلك أتمنّى من هذه المنظمات ألا تقسر عملها ونضالها من أجل الإفراج عنهنّ، رغم أهميّته، ولكن أن تقدّم لهنّ العون والمساعدة وتحتضنهنّ بعد الخروج من المعتقل، فهي بذلك فقط تستطيع مساعدتهنّ ليكنّ شخصياتٍ فاعلةٍ في مجتمعها من جديد.

About Post Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى