مقابلات صحفية

مقابلة مع المعتقلة السابقة فاتن علوش

حاورها اسماعيل كردية

التقت القبضة مع السيدة فاتن علوش ابنة الزبداني التي عايشت الثورة السورية في مدينة الزبداني بكل مراحلها. السيدة فاتن حاصلة على ماستر لغة فرنسية، مارست مهنة التدريس في سوريا وهي من مواليد 1981، اعتقلت من قبل أجهزة الأمن السورية وهي ابنة عبدالله علوش المعتقل منذ عام 2013 الى هذه اللحظة.

أنت ابنة الزبداني وأريد أن أوجه سؤالي الأول عن مدينة الزبداني والمراحل التي مرت بها منذ انطلاق الثورة السورية إلى لحظة إعادة سيطرة قوات الأسد عليها؟

قصة الزبداني كقصة أيّ مدينةٍ ثارت ضد النظام مع اختلاف التفاصيل. كانت الزبداني من أولى المدن السورية التي التحقت بركب الثورة مناصرةً أهلنا في درعا ومطالبةً بالحرية والعدالة. في البداية كانت المظاهرات مقتصرة على بعض الشبان، وشيئاً فشيئاً ومع انكسار حاجز الخوف أصبحت المشاركة في هذه المظاهرات بالآلاف وخاصة بعد سقوط أول شهيدٍ في الزبداني الشهيد “حسين زليخة”، يومها خرجت الزبداني عن بكرة أبيها هاتفين بإسقاط النظام، وكَسْرِ حاجز الخوف مع سقوط أول قطرة دم. وكلّما ازداد النظام إجراماً ازدادت العزيمة والإصرار لدى أهالي المدينة.

مع بزوغ فجر اليوم التالي للمظاهرات، كان رجال الأمن يأتون مدجّجين بالسلاح لاعتقال كل من شارك. ويخرجون بعدها من المعتقل بعزيمةٍ وحقدٍ أكبر على هذا النظام.

كان في المدينة اتّجاهان بالتفكير، فالبعض كان مع استمرار المظاهرات السلميّة وآخرون كانوا يرون بالتسليح خياراً أفضل ضد نظامٍ دمويٍّ. فخيار السّلميّة كان برأي البعض سيفتك بالصغير قبل الكبير وخيار التّسليح أعطى النظام ذريعةً لحصار المدينة وقصفها وتدميرها.

كان مجرد الانتماء لهذه المدينة الثائرة تهمةً لدى النظام. ولا يمكننا أن ننسى حصار مضايا والزبداني حيث أطبق النظام حصاراً قطع فيه دخول المواد الغذائية إلى المدينة فماتت الناس جوعاً وبعضهم عاش على حشائش الارض. بعد حصار دام أكثر من ثلاث سنوات استطاع النظام بدعمٍ من قوات حزب الله من اجتياح المدينة وإعادة السيطرة عليها وترحيل من تبقى من أهلها وثوّارها إلى مدينة إدلب… الزبداني مدينة ميتة، حتى الأحياء منا موتى بعد موت المدينة.

هل كنت تتوقعين توقيفك؟ وماهي ملابسات اعتقالك؟

نعم كنت أتوقع ذلك وكان ذلك أسوأ كوابيسي، فالمرور على الحواجز العسكرية كان مخاطرةً كبيرةً.. عندما يطلب الجندي البطاقات الشخصية يتوقف النّفس عن الصّعود والنّزول حتى يعيدها نتنفس الصّعداء. وقد تحقّق ما كنت أخشاه، فحين نطق اسمي تسرّع قلبي وغابت ملامحي لم أستطع أن أجيب حينها فصرخ بصوتٍ مرعبٍ…… من فاتن؟؟؟؟؟ أجبته أنا. وبعد هذا اليوم لم أعد أنا.

ماهي التّهم التي وُجِّهت إليك من قبل المخابرات السورية؟

التّهم كانت دائما جاهزة للجميع فكان يكفي أن تكون من مدينةٍ ثائرةٍ ومن عائلةٍ ثائرةٍ لتكون إرهابياً. وكان السبب الرئيسي هو مواقفي المؤيدة للثورة ورفضي تجديد الانتماء الحزبي وعدم حضور تحيّة العلم وعدم مشاركتي بمسيرات “التأييد العفوية”.

كيف كانت حياتك فترة الاعتقال، وهل من الممكن أن تحدثينا عن المكان الذي قضيتِ فيه فترة الاعتقال؟

اعتقلت على حاجز الفرقة الرابعة في منطقة التكيّة على طريق الزبداني وبعدها تم تحويلي لفرع أمن الدولة، وعند وصولي اصطحبني الجندي إلى المبنى، ودفعني أمامه، لم أكن أعلم أنني سأشتاق هذا الضوء، ضوء النّهار الذي كان يتلاشى خلفي شيئاً فشيئاً نزولاً نحو الأقبية. وصلنا إلى مكتبٍ حيث كان هناك شخصٌ يجهّز عدداً كبيراً من الحقن، كان يرتدي ثوباً أبيضاً وكأنّه طبيب، بعدها دخل ضابطٌ إلى المكتب وطلب مني وضع كل ما لديّ من أوراقٍ ومالٍ على الطاولة، وبعد أن همس لي إيّاكِ أن تكوني قد نسيتِ شيئاً فسيتم تفتيشك ثانيةً، دفعني أمامه نحو غرفةٍ أخرى، ومن ثم عبرنا إلى ممرٍّ طويلٍ.. في الظلام كنت أسمع تأوّهاتٍ وبكاءً خافتاً وأصوات أنفاسٍ تكاد تنقطع من ثقلها، كنت بالكاد أميّز الرجال الملقين على جانبي الممر، كانوا يبدون ميتين أكثر من أن يكونوا أحياء، جالسين على طول الجدار شبه عراة، كانت أجسادهم بهزالٍ شديدٍ، عيونهم معلقةٌ باللا شيء، يرتجفون وبعضهم فقد السيطرة على أطرافه. صرخ بي الضابط: لا تنظري، ودفعني ثم حنى لي رأسي بقوة نحو الأرض. سريعا فهمت بأيّ مكان أنا، وأدخلني في زنزانةٍ صغيرةٍ مظلمةٍ كان فيها حوالي خمسون من النساء والكثير الأطفال. كانت الزنزانة بالكاد مضاءةً بضوءٍ خافتٍ أصفر في السقف تبقى مضاءةً ليال نهار، مع شفاط هواءٍ صغيرٍ في زاوية الغرفة الذي إن توقف توقف معه النفس فقد كان المنفس الوحيد لنا، رغم ضجيجه الذي كان ينقر برؤوسنا. بدأت رحلتي في سرداب الموت بين وحوش الأرض.
بدأت أتأمل بصمتٍ الوجوه البائسة من حولي.. حيث كنّا نتراكم حرفياً لم يكن هناك مكان لمدّ أرجلنا فإن تعبنا نقف قليلاً في مكاننا لإرخاء أرجلنا قليلاً التي كانت تنتهي بالشّلل من دون حركة، كان ذلك تعذيبا مستمراً ليل نهار.
أعطوني مساحةً صغيرةً بالقرب من الباب، وسندت رأسي وظهري على الحائط
لم أكن قادرةً في تلك اللحظة على الكلام ولا حتى البكاء تعبٌ، رعبٌ، ويأسٌ، رأسي يكاد ينفجر، ميتة أكثر من حية.
في اليوم التالي تمّ استدعائي للتحقيق، قام العنصر الذي جاء لاصطحابي بتغطية عيني بقطعة قماشٍ سوداء أظن أنها مما بقي من ثياب المعتقلين وقادني إلى الطابق الثاني.
كانت رائحة الموت تملأ المكان وأصوات تعذيبٍ وصراخٍ يشقّ عنان السّماء، كنت أرتجف وأشعر أنّ دوري اقترب. ماذا سيفعلون بي؟ وبدأت أفكر بالطريقة التي سيتم تعذيبي بها من هؤلاء، ولماذا كل هذا؟ من أين جاء كل هذا الحقد على قلوبهم؟؟؟ أسئلةٌ كثيرةٌ كانت تدور في رأسي! يومان كاملان دون طعامٍ أو كلامٍ. وبعد يومين من وصولي بدأت بالتحدّث إلى النساء الأخريات. كانت كل واحدةٍ تروي قصّتها وتطمئن قلبي. البعض كان هنا منذ عدة أيام وبعضهن منذ شهور.
في قبر الأحياء ذلك وفي تلك الظروف يخلق بين المعتقلين جوٌّ عائليٌّ وتضامنٌ كبيرٌ وهذا ما كان يعطينا القوة والصبر على ما نحن فيه وانتظار المجهول، وأكثر ما كان يخنقني كان وجود الأطفال معنا في مثل هذا المكان حيث إنهم لا يستطيعون الحركة أو اللعب ولا حتى أكل ما يشتهون، كنت أحاول كلّ يومٍ وتحديداً بعد انتهائهم من تناول وجبة الرز المسلوق التي كانوا يحضرونها لنا في إناءٍ قذرٍ كبيرٍ. كنت أروي لهم قصّةً من نسج خيالي عن شخصيّة ولدٍ صغيرٍ أسميته ((نفيف)) شخصية خفيفة الظل تخلق البسمة على وجوههم كلّ يومٍ، وكانوا ينتظرون حكايتي بفارغ الصبر. كان بينهم طفلٌ صغيرٌ يدعى سليمان لن أنساه ما حييت، مرّة أراد سليمان الذهاب إلى الحمام وعندما نهض وحاول أن يمرّ فوق النساء سألته أمه: “إلى أين أنت ذاهب؟” فنظر إليها وبدأ يصرخ ويبكي “إلى أين يمكن أن أذهب غير الحمام لا تسأليني يا أمي وانهار الطفل وأمه وبدأنا كلنا بالبكاء.” كان يسألني ماذا سأخبر معلمتي عن غيابي قلت له: “قل الحقيقة” فقال: “لا.. أخجل من ذلك. سأخبرها أنّي كنت في رحلة….” أطفالٌ مساكين! كيف يمكنك أن تشرح لهم لماذا هم هنا في الظلام. يوماً بعد يوم دون أن يستطيعوا الخروج للّعب تحت أشعة الشمس كباقي الأطفال من عمرهم؟
في أحد الأيام، جاء أحد العناصر وبدأ بنداء أسمائهم واحداً تلو الآخر وبدأوا يقفزون فرحاً، كان أخيراً وقت خلاصهم، وقت عودتهم للحياة وخروجهم من ذلك الجحيم، ولكن نداء أسماء الأطفال انتهى دون أي ذكر لأسماء الأمهات، بدأ الجميع ينظرون لبعضهم البعض مذهولين وكل طفلٍ فهم بأنّه سيفترق عن أمه وعادوا وارتموا في أحضان أمّهاتهم يصرخون ويبكون وتمّ الفصل وقادوهم إلى مأوى الأيتام.

كابنة معتقلٍ ومعتقلةٌ سابقةٌ كيف تصفين مشاعر أهل المعتقل؟

غيابه عنا كان غصّةً في قلوبنا نظرته وهو مكسورٌ لا حول له ولا قوه بين أيديهم تقتلنا كلّ يومٍ، غيابه هو غياب السند والأمان وحتى الفرح الذي ما عرفناه منذ غاب عنا. أهالي المعتقل هم معتقلون أيضاً.. يختلف المكان لكن نفس الألم.
أريد سؤالك نيابة عن أبيك، ماذا عنت له الثورة السورية؟

كان والدي من أول الناس المشاركين في هذه الثورة قال لي يوماً: “عشنا عمرنا بالخوف والرعب وسنكمل المسير في هذه الثورة حتى تعيشوا أنتم وأولادكم بأمانٍ وكرامةٍ.”

هل تشعرين بالنّدم أو الفشل بسبب الانتماء لصفوف الثورة السورية؟

لا أبداً كنت من أوّل يومٍ بانطلاق الثورة السورية سعيدةً وفخورةً بالرغم من الرّعب الكبير الذي كان يحيط بنا، ولكن كسر حاجز الخوف جعلنا نتنفس للمرّة الأولى في حياتنا نسيم الحرية. أجمل ما في الثورة السورية أنها أعادت الإنسان الحر إلينا.

أين تجدين المرأة السورية الآن؟

المرأة السورية تحمّلت العبء الأكبر في الثورة وما زالت.. آمل أن يأتي اليوم الذي تنصف فيه على ما قدمته.

المنظمات النسوية… هل هي فعلاً تسير بالطريق الصحيح؟
لا أؤمن كثيراً بهذه المنظمات مع احترامي الشّديد لعملها وسهرها للدفاع عن المرأة وحقوقها، ولكني لا أرى أيّ تغييرٍ أو تأثيرٍ لما تسعى إليه هذه المنظّمات. من الممكن أن نجد حالاتٍ فرديّةٍ لنساء أثبتن أنفسهنّ والبعض الآخر لازال يعاني من عنفٍ وقهرٍ وتغييبٍ.

بعد ١١ سنة كيف تقيّمين المشهد السوري؟

المشهد السوري معقدٌ جدّاً ومظلمٌ وهو ماضٍ نحو التّزمين والتّعفين للأسف، والحل الوحيد هو الوعي، زيادة الوعي وتخفيف الأنا الذاتية، وهذا أمرٌ أراه مستحيلاً في الوقت الحالي ونتمنّى أن يتحقّق مع الاجيال القادمة.

كلمة لك لأبيك المعتقل؟

أبي أنت رجلٌ رائعٌ حنونٌ وطيبُ القلبِ، كنت تدفئ أيّامي حين أشعر بالبرد… أنت من كان يلوّن حياتي وينثر الألوان في أيّامي المملّة… وحتّى لو كنت اليوم أعرف أني أستطيع الاعتماد على نفسي… لكن لديّ دوماً في أعماق قلبي حاجةٌ لوجودك… وجودك المطمئن والحنون… أملي كبيرٌ أنّك ستعود لي يوماً.. لم أنساك يوماً ولن أنساك.

كلمة لك للمنظمات المدافعة عن المعتقلين؟

المعتقلون هم الجرح النازف للثورة السورية وأولى الأولويات، يجب أن نكثّف الجهود لتحريك هذا الملف والضغط على المجتمع الدولي للتّدخل والإفراج عنهم.

سؤالي الأخير: هل إذا عاد التّاريخ ستقفين نفس الموقف؟

بالتأكيد….. فالانتماء لهذه الثورة هي انتماءٌ للإنسانية بوجه الظلم. بالنهاية ورغم الألم الكبير.. إلّا أنّ إيماني أكبر بأن الثورة السّورية ستنتصر وستغير وجه التاريخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى