دراسات

واقعية العلمانية كمشروع في “سوريا”

عن منصة قلمون

1-مقدمة 

عند طرح هذا السؤال، قد يرى كثيرون أن الجواب عليه بالنفي هو أمر محسوم لا يحتمل الجدل فيه، والأدلة التي يمكن أن يستندوا إليها هي أن الشعب السوري بعموميته شعب متدين، ولن يقبل بفصل الدين عن الدولة، حيث يمكن لهذا الفصل أن يؤدي إلى اعتماد قوانين تتعارض أو تتناقض مع الشريعة الإسلامية، وإضافة إلى تديّن الشعب، فالمؤسسة الدينية في المجتمع بدورها قوية، وهي متحالفة مع السلطة الحاكمة، وهي ما تزال مؤسسة محافظة تحافظ بشكل عام على فهم تقليدي للإسلام يغلب عليه الطابع السلفي، وفي هذا السياق، لا يختلف وضع المعارضة السورية، فالراجح فيها هي القوى الإسلامية التي تتبع بدورها خطًا محافظًا في الإسلام، وفي كثيرٍ من الأحيان تتبع خطًا متشددًا، وليس من النادر أن تتبع خطًا متطرفًا، والدليل على ذلك كثرة الحركات الإسلامية المتشددة أو المتطرفة التي ظهرت بعد انطلاقة الانتفاضة السورية.

وهكذا، قد يبدو فعليًا للوهلة الأولى أن المسألة التي يدور عنها الحديث هي فعليًا محسومة في الاتجاه السلبي، وبذلك؛ يصبح ممكنًا الجزم أن العلمانية -واقعيًا- لا مكان لها في المجتمع السوري. مع ذلك يمكن القول أيضًا بشكل جازم إن تلك النتيجة متسرعة، وإنها لا تعطي صورة دقيقة عن واقع الحال في المجتمع السوري، وهذا ما سيتم البحث فيه في هذه الدراسة.

2- جدل حول العلمانية على الساحة السورية الراهنة:

تثير مسألة العلمانية على الساحة السورية اليوم جدلًا واسعًا بين المفكرين والسياسيين، بين من يؤيدها ويتبناها، ومن يطرح بدائل عنها، لسبب أو لآخر، وقد كان لتطورات الأحداث التي جرت خلال سنوات العقد الأخير، بعد انطلاقة الانتفاضة السورية عام 2011، تأثيرات مهمة على المواقف من العلمانية، وذلك يرتبط برجحان كفة الإسلام السياسي في صفوف المعارضة من ناحية، ومحاولة النظام بدوره التقرب من بعض الفئات والمرجعيات الإسلامية وتقريبها منه، ليضمن ولاءها وولاء جمهورها المتدين، من ناحية ثانية، وهذه سياسة ليست حديثة، وسبق للنظام الحاكم في سورية أن استخدمها، ولا سيما في ثمانينيات القرن الماضي، في محاولة لسحب البساط من تحت أقدام الإخوان المسلمين الذين كان الصراع بينه وبينهم مستعرًا في بداياتها. وبهذا الصدد، يقول وائل السواح: «الخطاب العلماني في سورية أحد ضحايا الثورة السورية.

وقد جاءت تلك الخسارة نتيجة لأكثر من مسبّب واحد، حيث تعاون النظام والفصائل الإسلامية ودول الخليج وتركيا، على تحييد هذا الخطاب وإفقاره وإقصائه من على طاولة النقاش. وبينما استخدم النظام العلمانية كورقة سياسية وزينة تجميلية فارغة من أي مضمون، هشّمت فصائل المعارضة مفهوم العلمانية باعتباره مرادفًا للإلحاد والردّة»([1])، ويرى السواح وسواه من المتمسكين الحازمين بالخيار العلماني في سورية أن العديد من الشخصيات الفكرية والسياسية، المعروفة على الساحة السورية بتأييدها للعلمانية أو قربها منها، قد تخلت عنها لصالح طروحات أخرى، وهي طروحات يعتبرها البعض صفقات سياسية مع الإسلاميين([2])، ومن الشخصيات التي تتهم بالتراجع عن الخيار العلماني، برهان غليون وحسن عبد العظيم وأدونيس وماهر الشريف وحازم نهار ولؤي حسين وياسين الحاج صالح وسواهم، الذين توجه بعضهم إلى أطروحة “الدولة المدنية”، كبديل لأطروحة العلمانية، وتم تبرير هذا الاستبدال أحيانًا بأنه بسبب ما يثيره مصطلح “علمانية” من حساسية في الوسط الشعبي حاليًا، وعن هذا عمومًا يقول وائل السواح: «ينصّب معظم المثقفين السوريين العلمانية عدوًا لفكرهم “التغييري”. ولكنهم يتفاوتون ما بين ناقد عنيد، لا تهادن بين فكره وبين الفكر العلماني، كمحمد سعيد رمضان البوطي ووهبة الزحيلي وعبد الرحمن حسن حبنكة الميداني وعبد العزيز الخطيب، وناقدٍ يداري مناصبته العلمانية العداء، خجلًا أو تقية أو مداورة، كبرهان غليون وأدونيس وماهر الشريف وياسين الحاج صالح»([3]).

وقدر رد برهان غليون على وائل السواح، بمقال عنوانه “ردًا على وائل السواح من أجل علمانية إنسانية”، يؤكد فيه أنه لم يتراجع عن العلمانية، وأنه ينتقد العلمانية العربية الرثة، ويرفض فهم العلمانية كـ “عقيدة لادينية” تسعى لاستبعاد العقيدة الدينية والحلول ومحلها والتصرف مثلها كعقيدة منغلقة تقدس نفسها وترفض مخالفها، كما يؤكد على وجوب أن تكون العلمانية على مسافة واحدة من كل التيارات في المجتمع، ويعطي فيها أهمية كبرى لمسألة حرية الضمير المتساوية للجميع، ويركز على وجوب عدم فهم العلمانية كهوية مقابلة ضديًا للهوية الدينية، وعلى أن العلمانية بحد ذاتها لا تشكل هوية، وبرأيه من كانت هويته هي العلمانية فلا هوية له، والعلمانية لا تكون ذات قيمة إلا عندما يستطيع المؤمنون الانضمام إليها، ويمكن للمتدين فيها أن يقول إنه “علماني”، وهي عندنا لا تشترط حكمًا فصل الدين عن الدولة، وهذه عندنا مشكلة مفتعلة مستوردة من الغرب برأي د. غليون، ولكنه مع ذلك يرى وجوب أن تكون الدولة محايدة في مسائل العقيدة والرأي، التي بدورها يفترض تحييدها عن عمل الدولة حفاظًا على جماعية الدولة وعدم تحولها إلى دولة خاصة بجماعة محددة، فيقول إن العلمانية “تقوم على افتراض إمكانية تحييد الاعتقاد الشخصي والفلسفي، في الأمور الجماعية التي تتعلق بإدارة الدولة، حتى يمكن للدولة أن تكون دولة الجميع، وليست دولة جماعة اعتقادية واحدة… وهي تعني باختصار أن الدولة لا تشتغل بأمور العقيدة، أي كل ما يتعلق بموضوعات الإيمان وما يشكل مسلمات إيمانية عند الناس، سواء أكانت مسلمات دينية أو عقلية لا دينية”([4]).

الجدل في مسألة العلمانية ليس حديثًا على الساحة السورية، وقد كان قائمًا منذ سنوات عديدة في مرحلة ما قبل الانتفاضة، وموقف القوى الإسلامية الرافض لها لم يتغير منذ ذلك الحين، ففي ردّ له على مقال للؤي حسين، بعنوان “أتكون العلمانية حاجة لازمة للديمقراطية السورية؟”، منشور في صحيفة “الحياة” في 29 أيلول/ سبتمبر 2005، يقول الداعية الإسلامي د. منير محمد الغضبان: «لا، ليست العلمانية حاجة لازمة للديمقراطية السورية»، وفي مقال له بالعنوان نفسه، ينتقد منير الغضبان موقف لؤي حسين الداعي إلى علمانية تُقصي التيار الإسلامي، ويرى أن هذه العلمانية لا تختلف عن “دكتاتورية البعث”، ويقول عن ذلك: «بالضبط، دكتاتورية العلمانية هي التي تريد أن تلغي الآخر وتغيّبه وتنفيه من الوجود، لأنه يختلف معها في التفكير»، ويقول الغضبان إن “الإخوان المسلمين” يوافقون على ديمقراطية تحتكم إلى مبادئ التصويت أو الأخذ برأي الأكثرية، وتعترف بالتيار الإسلامي كتيار سياسي مثل غيره من التيارات، كالتيار القومي والتيار الاشتراكي وسواهما([5])، وهذا الموقف من الناحية النظرية يلتقي مع الموقف الذي يدافع عنه غليون في رده على وائل السواح، والذي يبيّن فيه رفضه لعلمانية تتحالف مع الدكتاتوريات بذريعة التصدي للظلامية الإسلامية، ويركز على اقتران العلمانية الدائم والوثيق بالحرية، إذ يقول: «تقف العلمانية في مقدمة المعركة من أجل الحرية، ومنها تستمد مشروعية وجودها. ولن يكون لها مستقبل في العالم العربي إلا بقدر ما تساهم في هذه المعركة وتعمل على الانتصار فيها. ويتطلب هذا من العلمانيين رفض أي مشاركة في المؤامرة ضد الحرية»([6]).

3- ديمقراطية ما بعد الاستقلال والعلمانية في سورية:

شهدت سورية في مرحلة ما بعد الاستقلال، نشاطًا ديمقراطيًا فاعلًا، يمكن اعتباره تجربة إيجابية حقيقية، من دون أي مبالغة، ولكن هذه التجربة لم تتمكن من الاستمرار، بسبب جملة متداخلة من العوامل الداخلية والخارجية، ومع ذلك فإذا نظرنا إلى هذه التجربة من منظور ديمقراطي، أمكننا القول إنها كانت تجربة تنسجم مع كثير من المعايير الديمقراطية العالمية الحديثة، فالتعددية السياسية وتداول السلطة وحرية التنظيم والتعبير والاعتقاد، واستقلالية الإعلام واستقلالية القضاء، كلها كانت قائمة في هذه التجربة، لكن مع ذلك فهذه التجربة لم تكن علمانية، وفيها لم تكن الدولة مفصولة عن الدين، وتشكيل الأحزاب الدينية كان ممكنًا، وبقيت الشريعة الإسلامية مرجعية للدولة، كما تضمن الدستور فقرات إسلامية تقول بإسلامية دين رئيس الدولة، وبأن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع في الدولة، كما نصّ دستور عام 1950 في مادته الثالثة([7])، وعلى الرغم من وجود هذه الفقرات في الدستور، لم تكن تلك الدولة تطبق الحدود الإسلامية، ولا هي منعت الشيوعيين من العمل بذريعة الإلحاد مثلًا، وقد مكنت هذه الدولة الشيوعي والإخواني من التواجد والعمل معًا تحت قبة برلمان واحد، وبمعايير ديمقراطية حديثة، كما حدث في انتخابات عام 1954، التي أدخلت إلى البرلمان السوري نائبًا شيوعيًا وأربعة نواب من الإخوان المسلمين([8])، ولكن لو نظرنا إلى حصة الإخوان المسلمين من مقاعد البرلمان، فسنجد أنها كانت نسبة قليلة، وقد بلغت 4 من 142، أي أقل من 3%، وبالمقابل مثلًا حصل البعث يومها على 22 مقعدًا، وهذا يدل على محدودية انتشار الإسلام السياسي يومها، وعلى سعة الحالة المدنية بالمقابل.

هذه المعطيات تؤكد أن دولة الخمسينيات في سورية، بالرغم من أنها لم تكن دولة “علمانية”، كانت على درجة جيدة من الديمقراطية، وكانت أقرب بكثير إلى العلمانية منها إلى الدولة الدينية، وهي فعليًا لم تكن تختلف في كثير في قوانينها عن الديمقراطيات العلمانية، والاختلاف الرئيس كان في مسألة “الأحوال الشخصية”، وبشكل أساسي في قضايا الزواج والميراث، حيث بقيت هذه الأمور منظمة على أساس ديني، أما مسألة تحديد دين رئيس الجمهورية بالإسلام، وهي بالطبع مسألة لا يمكن اعتبارها ديمقراطية، فهي مع ذلك لم تكن بالشأن الجلل، فتلك الدولة كانت برلمانية، والسلطة التنفيذية فيها بشكل رئيس كانت بيد رئيس الوزراء، ومن يعرف تاريخ سورية الحديث، يعرف أن أوّل رئيس وزراء لسورية بعد الاستقلال كان فارس الخوري، وهو مسيحيّ، أي أنه بالرغم من وجوب إسلام رئيس الدولة رسميًا، كان بإمكان غير المسلم أن يشغل أيضًا المناصب العليا في هرمية الدولة، وبالنسبة إلى مسألة مرجعية الفقه الإسلامي، يمكن القول، بالنظر إلى اعتماد تلك الدولة على قوانين مدنية في معظم مجالاتها، إن هذه الفقرة كانت رمزية أكثر منها فعلية، ومع ذلك لا بد من القول بوضوح بأنها أيضًا فقرة غير ديمقراطية.

دولة ما بعد الاستقلال الديمقراطية في سورية كانت إلى حد كبير متوافقة مع حالة من التطور الاجتماعي المدني التي كان يتقدم فيها المجتمع السوري ككل، ولم تكن تلك الدولة مؤسسة متخارجة مع مجتمعها، وإذا ما قارناها مع “دولة البعث” بعد انقلاب 1963، فسنجد أن “دولة البعث” كانت بشكل عام حالة من النكوص الذريع عن الديمقراطية، فهي كانت دولة حزب واحد استبدادية، وفيها تم القضاء على حريات العمل السياسي والمدني والثقافي، وسيطرت هذه الدولة على هذه القطاعات واحتكرتها بالكامل، وشيئًا فشيئًا، تحت غطاء “حالة طوارئ” استمرت عقودًا، تحولت هذه الدولة إلى “سلطة أمنية”، هيمنت فيها الأجهزة الأمنية على الحكومة والمؤسستين التشريعية والقضائية، فتحولت الحكومة إلى تابع لهذه الأجهزة وأصبح دورا البرلمان والقضاء شكليين في هذه الدولة، ومع توغل الاستبداد، تفشى الفساد، وفي المحصلة، تحولت الدولة نفسها إلى مركز للاستبداد وبؤرة للفساد، وفقد حزب البعث مضمونه كحزب حقيقي، وتحول إلى مجرد واجهة شكلية للسلطة المستبدة، وإلى جهاز من أجهزة الضبط الاجتماعي التي تستخدمها للسيطرة على الشعب والمجتمع.

وعلى ذلك؛ يمكن القول إن دولة، على غرار دولة الخمسينيات، لو تم تحقيقها في سورية اليوم، فستكون إنجازًا كبيرًا، وخطوة متقدمة إلى حد بعيد، وإن لم تكن علمانية.

4- ما إمكانية تحقيق العلمانية في الحاضر السوري؟

عن وضع العلمانية في العالم العربي المعاصر بشكل عام، يقول جورج فهمي، الباحث في “مركز مسارات الشرق الأوسط” بالجامعة الأوروبية بفلورنسا: «لا تحظى العلمانية بسمعة طيبة فى مجتمعاتنا العربية. مردّ تلك السمعة السيئة لا يرجع إلى الخلاف الفكرى حول مفهوم العلمانية، ولا يعود -كما يدّعي البعض- إلى طبيعة المجتمعات العربية والإسلامية، بل إن المسألة أبسط من ذلك، فالسبب هو تجربة مجتمعاتنا العربية مع هذا المفهوم، وما ترتّب عليه من آثار سلبية»([9])، والتجربة السيئة المعنية ترتبط بشكل رئيس بادعاء بعض الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة أنها تطبق العلمانية، لإضفاء بعض الشرعية على وجودها القسري وممارساتها الاستبدادية، كما كانت الحال في تونس وسورية والعراق وسواها، وتأييد بعض العلمانيين للأنظمة الدكتاتورية نتيجة رهابهم من القوى الإسلامية وإمكانية استيلائها على الحكم وإقامة نظم إسلامية متطرفة، واتباع سياسات التكفير.

لكن ليس ما تقدم من أسباب هي وحدها التي تجعل الموقف الشعبي بشكل عام قليل التأييد للعلمانية، فهناك أسباب أخرى شديدة الأهمية، يأتي في طليعتها تنامي حالة التدين والتشدد في الدين بعد الخيبات والفشل التي مُنيت بها كل المشاريع الوطنية والتقدمية على الصعيد الوطني أو القومي، والهزائم المتكررة أمام العدوانات الخارجية، وبشكل خاص أمام إسرائيل، إضافة إلى سيطرة أنظمة الحكم الدكتاتورية المتسلطة، القامعة والمستغلة لشعوبها، وتفشي الفساد تحت نير الاستبداد، وفي المحصلة، نشوء حالة من التردي الشامل في مختلف الصعد في معظم البلدان العربية، وإن اختلفت التفاصيل.

وفي مثل تلك الظروف، من الفقر والقهر والانكسار وتدهور الثقافة والعلم؛ يصبح الدين إمّا بديلًا اغترابيًا وخلاصيًا آخرويًا يلجأ إليه الإنسان، وإما سبيلًا للخلاص الدنيوي عبر الجهاد ضد أنظمة الحكم المستبدة الفاسدة التي تعدّ كافرة، بغية استبدالها بنظام إسلامي عادل.

وهكذا تنمو الذهنية والمزاجية الدينيتين في المجتمع المأزوم، وغالبًا يكون نموّهما فيه مقترنًا بالتطرف والتعصب، وفي مثل هذه الظروف، بالطبع، لا يعود الطرح العلماني يلقى ترحيبًا واسعًا في المجتمع.

وفي الحالة السورية، أصبح الوضع أسوأ بكثير، بعد عسكرة الانتفاصة وتحولها إلى صراع مدمر، ولا سيما أن أكثرية الفصائل المسلحة المعارضة هي فصائل إسلامية متشددة أو متطرفة أو تكفيرية، وهي غالبًا مرتبطة بدعم خارجي يرتبط بدوره بغايات خارجية، وهذا ما ترك آثارًا سلبية حادة على اللحمة الشعبية الوطنية، وزاد من نمو النزعات الفِرقية.

وعلى الرغم من كل الاستبداد والفساد الذي تعرّض له المجتمع السوري ما بين عامي 1963 و2011، وما تعرض له من دمار وتشرذم خلال عقد من الصراع بعد عام 2011، فما قيل عن المجتمع السوري في الخمسينيات ما يزال جلّه صحيحًا اليوم، وما كان مقبولًا فيه في الخمسينيات الفائتة ما يزال حتى اليوم مقبولًا، ويضاف إلى ذلك أن حالة إيجابية من تطور الوعي الاجتماعي العفوي تمت منذ ذلك الحين حتى اليوم، فمثلًا النظرة إلى المرأة في المجتمع قد تحسّنت بشكل ملموس، ومشاركتها في المجتمع صارت أكبر بشكل واضح، وظاهرة تعدد الزوجات قلّت وصارت أقل مقبولية بشكل عفوي، بالرغم من أنه لم يصدر ضدها  تشريعات، وذلك يعني أن العلمانية -بالنسبة للمجتمع السوري، هي أقرب بكثير مما يتخيل كثيرون من أنصارها أو خصومها المتطرفين، وقربها هذا هو من النوع العفوي المشابه لتطور العلمانية السلمي التدريجي في المجتمعات الغربية المتقدمة، وهذا يعني أن العلمنة في المجتمع السوري تجري بشكل تلقائي، وإن كان بطيئا بالرغم من كل العقبات التي تعترضها.

5- الواقعية السياسية وأحكامها:

من يعرف التاريخ الفرنسي الحديث يعرف أن فصل الدين عن الدولة في فرنسا أقرّ بشكل نهائي في مجموعة قوانين عام 1905، علمًا أن الثورة الفرنسية حدثت في عام 1789([10])، وهذا يعني أن المجتمع الفرنسي احتاج إلى زمن طويل من التطور ليصل إلى ما وصل إليه من علمانية متقدمة معاصرة متكاملة، وهو لم يستورد العلمانية كوصفة جاهزة ليفرضها على نفسه دفعة واحدة.

وشيء مماثل يجب أن يحصل في سورية، والمطالبة بعلمانية تطبق بشكل فوري ودفعة واحدة هو طرح متخارج مع الواقع، وهو طرح يفتقر إلى كل من الحامل الاجتماعي والحامل السياسي للعلمانية، ويصطدم بقوة بواقع الحال المأساوي الذي تتخبط فيه البلاد المشرذمة المجزأة، التي يوجد اليوم على أراضيها العديد من الجيوش والميليشيات الأجنبية، إضافة إلى السلطة المستبدة التي تحاول بكل صلف ورعونة وغطرسة إعادة إنتاج نفسها، بالرغم من كل الكارثة التي أوصلت البلاد إليها، وفضلًا عن ذلك يصطدم ذاك الطرح أيضًا بقوة حضور القوى الإسلامية ممثلة بالسلطة الدينية ذات الطابع الرسمي التقليدي، وبقوى الإسلام السياسي المعارض.

وبعد.. لا بدّ من طرح سؤال: “ما المانع من العمل على بناء نموذج دولة سوري جديد، يحاكي دولة ما بعد الاستقلال، ويستفيد بشكل عقلاني ناقد من تجربتها بما فيها من نجاحات وإخفاقات”؟ أفلا يكون هذا، في حال تحقيقه، إنجازًا حقيقيًا مفيدًا ومرضيًا للجميع، باستثناء الفاسدين ذهنيًا وأخلاقيًا طبعًا؟!

بالطبع، العلمانية تفصل بين الدين والدولة، وهذا يترتب عليه منع أي قوى دينية من ممارسة العمل السياسي، كما يترتب عليه أيضًا إبعاد التقاليد الدينية عن الدولة، وفقدان هذه التقاليد للحماية وجعلها عرضة للتغيير، ولذا ترفض قوى الإسلام السياسي، في سورية وفي غيرها من البلدان العربية، تطبيق العلمانية، لأن العلمانية فعليًا تلغيها كقوى سياسية وترفع الحصانة عن حاضنتها الثقافية الممثلة بالتقاليد الإسلامية، لذا للحفاظ على وجودها وعلى نفوذها الذي يقتضي الحفاظ على حاضنتها الثقافية، ترفض هذه القوى الإسلامية “فصل الدين عن الدولة”، وتصرّ على وضع الإسلام مرجعية للدولة.

واقعيًا، ما دامت قوى الإسلام السياسي والمؤسساتي موجودة، فمن غير المعقول الطلب منها أن تلغي وجودها والموافقة على العلمانية، مع أن العلمانية الحقيقية لا تلغي الدين ولا تمنع القوى الدينية من ممارسة النشاطات الاجتماعية المختلفة، بشرط سلميتها وعدم تدخلها في عمل الدولة، وعلاوة على ذلك تسمح العلمانية الحقيقية بتشكيل أحزاب سياسية تتبنى برامج وأيديولوجيات ذات خلفية دينية، ولكنها تمنع تسييس الدين وأدلجته بشكل مباشر، والدين هنا يتم التعامل معه كثقافة مجتمعية واقعية، ويُقبل ويتم التعامل معه على هذا الأساس، ومن النماذج على مثل هذه الأحزاب، يمكن أن نجد “الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا”، وهو حزب يجمع في سياسته بين القيم المسيحية والديمقراطية والليبرالية([11])، وهناك العديد من الأحزاب المشابهة لهذا الحزب، في العديد من الدول الغربية الأخرى.

مع ذلك، يبقى موقف قوى الإسلام السياسي والمؤسسي المدافع عن الوجود والنفوذ، كأي قوة أخرى، مفهومًا من الناحية الواقعية، وبعض هذه القوى، كما رأينا في كلام الداعية منير الغضبان، تحاول أن تقدم نفسها اليوم في صورة ديمقراطية، وبالمقابل تصم العلمانية بالدكتاتورية، وفي هذا الشأن، يقول الغضبان: «لو كنا في مجلس نيابي تحت سقف برلمان واحد، وعرضت أي قضية تشريعية؛ فسيتعامل معها كل نائب بقناعاته الفكرية؛ فالذين اختارهم الشعب ليمثلوه من التيار الإسلامي يتعاملون معها بموقف الإسلام منها، لأنهم مؤمنون بهذا الدين عقيدة وشريعة؛ والذين اختارهم الشعب من التيارات العلمانية يقفون منها موقف المحايدة للدين، ورفض تدخله بالسياسة؛ والذين اختارهم الشعب من القيادات الوطنية والقومية والاشتراكية قد يقفون مع هذا التيار أو ذاك، بحسب قاعدتهم الفكرية. لكن القرار في النهاية هو قرار أكثرية نواب المجلس؛ فأين مُست الديمقراطية في هذا القرار؟»([12]).

والجيد في كلام السيد الغضبان هو أنه كلام يعترف بالديمقراطية ويقبل باللعبة الديمقراطية، وهذا يذكرنا بمشاركة الإخوان المسلمين في العملية الديمقراطية، في مرحلة ما بعد الاستقلال، ومع ذلك يبقى السؤال المطروح وهو: ما مدى جدية الإسلام السياسي في قبول الديمقراطية؟ وما هو مفهومه لها؟ وما هي حدودها برأيه؟

إن من لا يريد أن يُلغى من قبل سواه، عليه هو بدوره ألا يسعى لإلغاء سواه، وكما تدافع قوى الإسلام السياسي عن حقها بالوجود والنشاط، وتعطي لدفاعها هذا صورة ديمقراطية، فعليها أن تعي وأن تعترف تمامًا بأن ما يحق لها يحق لغيرها تمامًا أيضًا، ولا يحق لها أن تمنع هذا الغير من الوجود أو من النشاط أو حتى الحد من نشاطه، أي أن اللعبة الديمقراطية تعني أن الآخر مساو للإسلامي تمامًا، مهما اختلف عنه واختلف معه، وتعني أيضًا أن لا أحد من القوى الإسلامية يحق له الوصاية على المجتمع أو الدولة، ولا حتى جزئيًا، وهذا ينطبق على الإسلام السياسي وسواه من القوى، مهما تعددت واختلفت هذه القوى، وتعني هذه اللعبة أن الديمقراطية يمكنها فقط أن تكون ذات مرجعية ديمقراطية وحصرًا ديمقراطية وفقط ديمقراطية، ولا يمكنها قطعًا أن تكون ذات مرجعية إسلامية أو أي مرجعية جهوية أخرى، وعندما يكون لها مثل هذه المرجعية تصبح ديمقراطية زائفة، وقناعًا للدكتاتورية، واللعبة الديمقراطية أيضًا تعني أن “رأي الأكثرية” هو دائمًا مسقوف بمبادئ الديمقراطية نفسها، ولا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتجاوزها، وإن حصل فهو عندها لا يعود إجراء ديمقراطيًا بتاتًا، بل يتحول إلى “دكتاتورية أغلبية”، وعليه فرأي الأكثرية ليس أمرًا مفتوحًا بلا حدود، ويمكن اعتماده وتطبيقه في كل المواقف، وهو غير قابل للتطبيق في كل أمر يتعارض مع حقوق الإنسان ومساواة المختلفين وحيادية الدولة ومبادئ الديمقراطية.

فإن كانت قوى الإسلام السياسي تقبل بمثل هذه اللعبة الديمقراطية، كغيرها من القوى دون انتقاصات أو شروط أو قيود على الديمقراطية، وتلتزم بها، فعندها يمكن اعتبارها شريكًا فعليًا في اللعبة الديمقراطية، وإذا رفضت ذلك، بأي ذريعة، فعندها لا يمكن قطعًا اعتبارها شريكًا ديمقراطيًا، ولن تكون دعوى ديمقراطيتها إلا حيلة للوصول إلى السلطة بغطاء ديمقراطي، للاستحواذ عليها والاستفراد بها وتمرير مشاريعها الخاصة، التي ستكون عندها “غير وطنية” و”غير ديمقراطية”.

6- خلاصة:

إن المواقف الراهنة من العلمانية في الأوساط الفكرية والسياسية السورية -كما رأينا في ما تقدّم- فيها كثير من التباين والاختلاف، ويمكن اعتبار هذا أمرًا طبيعيًا، من الناحية النظرية، إلا أنه يعني على أرض الواقع أنه لا يمكن اليوم تطبيق “العلمانية السياسية” ممثلة بفصل الدين عن الدولة، بشكل ديمقراطي يتعامل بواقعية كافية مع هذه الاختلافات في المواقف والرؤى، وفضلًا عن ذلك، فالبيئة الاجتماعية اليوم، ووضع البلاد ككل، هما أيضا غير مناسبين إلى حد كبير لتطبيق هذه العلمانية.

ذاك من ناحية، ومن ناحية أخرى، المجتمع السوري المعاصر -بالرغم من كل معاناته من الاستبداد والفساد المديدين تحت نير ما يسمى بـ “دولة البعث”، ومن الدمار في النزاع القائم منذ عقد من الزمن- هو مجتمع قريب من “العلمانية الاجتماعية”، بما فيه من قبول للتعدد والاختلاف. وبما حدث فيه من تطور اجتماعي عفوي، منذ الاستقلال حتى اليوم، وإن أكثرية القوى السياسية، بالرغم من اختلافها على أمر العلمانية، هي متفقة بشأن الديمقراطية، وهذا يعني أن لدى المجتمع السوري فرصة واقعية كبيرة لبناء دولة ومجتمع حديثين ديمقراطيين قابلين لمواصلة التقدم والتطور، وهذا ما ينسجم مع العلمنة المجتمعية، التي لا تشترط حكمًا تطبيق العلمانية كوصفة جاهزة بقرار فوري، أيًّا كان صاحبه، ولكنها تشترط قيام واستمرار وتطور الديمقراطية الحقيقية، والعلاقة بينها وبين الديمقراطية هي علاقة جدلية تكاملية متواصلة.

ولذا، على كل القوى السياسية الوطنية اليوم أن تقبل جميعها باللعبة الديمقراطية، كخيار للمستقبل السوري، وأن يقبل كلٌّ منها كلّ من يقبل بهذه اللعبة، بشرط أن يتم لعبها بفهم ديمقراطي كاف، وأيضًا بما يكفي سياسيًا من الجدية والنزاهة والصدق، أما من يريد أن يفرض شروطه الخاصة بشكل مسبق، أيًا كان توجهه السياسي أو الفكري أو المعتقدي، فهو إما سيئ الفهم وإما سيئ القصد، في موقفه من الديمقراطية، ولا يمكنه قطعًا أن يكون لاعبًا ديمقراطيًا حقيقيًا مفيدًا لوطنه وشعبه، والأسوأ منه كل من يسعى لاستغلال الديمقراطية لأيّ غرض كان، أو من يؤيد الدكتاتورية لأي سبب كان.

إن الحديث اليوم، عن مستقبل سوري ديمقراطي، قد يبدو كبيع لجلد الدبّ قبل صيده، ما دام الخلاص من الدكتاتورية لم يتحقق بعد، وما يزال مهمة صعبة جسيمة، ولكن هذا الخلاص من الدكتاتورية هو بحد ذاته جزء رئيس من مستقبل سورية الديمقراطي، ولذا لا بدّ من تحديد صورة واضحة للديمقراطية، تكون فيها العلاقة بينها وبين المسائل الأخرى واضحة أيضًا، ولا سيّما العلاقة بينها وبين العلمانية، التي لا يجوز فهمها في علاقتها مع الديمقراطية لا كمهمة فورية ملحّة، ولا كمهمة مؤجلة إلى حين أنسب، ولا كعنصر غير لازم وقابل للتجاوز، كما يطرح بعض السوريين والعرب، بل يجب فهم العلمانية كحركة واقعية موضوعية، اجتماعية وسياسية وثقافية، تتم بشكل جدلي متكامل مع الديمقراطية، وتتحقق وتتطور فيها بقدر ما تتطور الديمقراطية نفسها، فلا يمكن تطبيقها بقرار أو إلغاؤها بقرار، من أيّ سلطة أو مرجعية، أيًّا كانت هذه أو ذلك، والحكم فيها هو دومًا للواقع وإمكاناته وظروفه وعوامله وفواعله.

[1] – وائل السواح، حال العلمانية في سوريا بعد تسع سنوات من الدمار، صالون سوريا (Salon Syria)، 29 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

[2] – حسيبة عبدالرحمن، بين فكي استبداد مدني ودولة دينية، صالون سورية، 22 تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

[3] – وائل السواح، بحث في العلمانية والعلمانية السورية، رابطة العلمانيين السوريين، تشرين الثاني/ نوفمبر 2016.

[4]– برهان غليون، ردًا على وائل السواح “من أجل علمانية إنسانية”، بوابة زمان الوصل، 25 أيلول/ سبتمبر 2007.

[5] – منير محمد الغضبان، لا.. ليست العلمانية حاجة لازمة، مركز الشرق العربي، 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2007.

[6]– برهان غليون، المرجع السابق.

[7] – دستور سورية 1950، بوابة Constitutionnet

[8] – الانتخابات التشريعية السورية 1954- ويكيبيديا

[9] – جورج فهمي، لماذا يكره بعض العرب العلمانية؟ بوابة الشروق، 8 شباط/ فبراير 2021.

[10] – فرانس 24، العلمانية على الطريقة الفرنسية، 21 نيسان/ أبريل 2017.

[11] – الجزيرة نت، الحزب المسيحي الديمقراطي، 17 أيلول/ سبتمبر 2017.

[12] – منير محمد الغضبان، المرجع السابق.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى