عن اللجوء والهجرة والاندماج

الألمان والسوريون بين قطارين

في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد آذار ١٩٣٨ م شق قطار طريقه من ألمانيا، ومن النمسا، باتجاه منافي الأرض جميعا. قطار توالت رحلاته، وتزايدت فيه أعداد الفارين، الذين سيغدون لاجئين في شتى بقاع الأرض، وفي مختلف أنحاء العالم. ألمانيون يفرون من ألمانيا، ونمساويون يهربون من النمسا، وبولنديون يهرعون من بولندا، وهولنديون لا يلوون على هولندا.
وكان من جملة هؤلاء الفارين أديب ألمانيا العظيم الألماني الكاثوليكي توماس مان، وأديب اللغة الألمانية الأبرز اليهودي النمساوي شتيفان تسفايغ الذي كتب: (ولما اجتاز القطار حدود النمسا عرفتُ، كما عرف لوط، في الكتاب المقدس، أن ما خلّفته ورائي كان غباراً ورماداً ماضياً تحوّل إلى عمود من الملح) “عالم الامس، ص 316”.
وسوف يحدثنا كيف أنه بعد مغادرته بفترة وجيزة لن يُصدم، ولن يتفجع عندما سيبلغه خبر وفاة أمه، بل على العكس سيشعر بما يشبه السكينة، لأنها أصبحت في مأمن من المعاناة والخطر، ففي سنها المتقدمة (الرابعة والثمانين) كانت مضطربة السير، وكانت معتادة في تمشيها اليومي المجهد أن ترتاح على مقعد في الشارع، أو في الحديقة كل بضع دقائق، غير أن النازيين أصدروا في فيينا قانونا يمنع اليهود من الجلوس على المقاعد العامة، (ومن حسن الحظ أنّ أمي قد جُنّبت معاناة هذه القسوة والهوان إلى الأبد) “ص 319”.
لقد وثّق لنا الأرشيف السينمائي، والنصوص الأدبية، والمذكرات والشهادات المكتوبة في تلك الفترة حال ركاب هذا القطار ومآلهم، وسبب ركوبهم إياه، والتحاقهم به، وبالنسبة إلي لن أجد أفضل من تسفايغ نفسه يقصّ علينا خبر هؤلاء الفارين، ويسرد لنا دواعي رحلتهم وبواعثها:
“أُرغم أساتذة الجامعات على تنظيف الشوارع بأيديهم العارية، وجُرّ متدينون يهود بيض اللحى إلى المعبد وسط صيحات الاستهزاء، وأجبروا على ممارسة تمارين الركبة، وعلا الهتاف معا: (سلاماً هتلر). وفي الشوارع أُوقع الناس الأبرياء في الأشراك مثل الأرانب، وسيقوا كالقطيع لتنظيف مراحيض ثكنات وحدات العاصفة).
وهكذا بدأ الناس الأكثر رهافة في استشعار الخطر، والأكثر حصافة في حس تقدير الموقف بالهروب والفرار:
“كانت كل مجموعة تبدو تعيسة ومذعورة أكثر من سابقتها، فالمجموعات الأولى التي أسرعت في مغادرة ألمانيا والنمسا أفلحت في إنقاذ الملابس والأمتعة وأثاث المنزل، بل إن بعضها كان معه بعض المال، وأما الذين وضعوا ثقتهم في ألمانيا، وصعب عليهم انتزاع أنفسهم من وطنهم الحبيب، فقد عوقبوا أشد العقاب.
جُرّد اليهود أولاً من وظائفهم، ومنعوا من ارتياد المسارح ودور السينما والمتاحف، وحُرم الأساتذة من استعمال المكاتب، ومع ذلك لم يغادروا البلد إما إخلاصاً أو تراخياً، وإما جبناً أو كبرياء. لقد آثروا الذل في الوطن على ذل التسول خارجه، ومنعوا من استخدام أحد، وأخذت أجهزة الراديو والهواتف من منازلهم، ثم أخذت المنازل ذاتها، وفرضت عليهم نجمة داود علامة يعرفون بها، وجرى تجنبهم والهزء منهم كالمجذومين، ثم طُردوا وجُرّدوا من حقوقهم القانونية. لقد سحبت منهم الحقوق جميعها، ومورس عليهم كل أنواع القسوة الروحية والجسدية بكل سادية عابثة (…) ومن لم يغادر ألقي به في معسكر اعتقال حيث كان الضابط الألماني يسحق حتى أشد الناس إباء، ثم كان يُدفع إلى الحدود بعد سلبه كل شيء سوى حقيبة ظهره، وعشرة ماركات في جيبه) “ص331”.
على أن هذه الحالة المفجعة ستشهد انحداراً مهولاً، في تسارع زمني ساحق، وسيغدو قطار الرحيل قطار ترحيل، ترحيل كائنات تشبه البشر، شاحبة السحنات، متسخة الوجوه، غائرة العيون، زائغة النظرات، مشققة الشفاه، مذعورة مقهورة، حائرة خائرة، تساق في أرتال، وهي بكامل الاستسلام والإحباط، كقطيع من البقر المهزول، إلى العربات وسط الطين اللزج تارة، والوَحَل المسنون تارة أخرى، وستُحشر حشراً، وتنضد تنضيداً، وكأنها ليست من ذوات الروح، بل مجرد شوالات منسوجة ومخيطة من لحم وعظم ودم.
وستغدو عربات هذا القطار في تصعيده الجديد، وبحسب مهمته الجديدة توابيت عملاقة، مجمّعة، مرصوصة، طويلة لا تنتهي. تخبّ السير نحو هاوية لا حياء فيها، فتنقل ركابها ليس من بلدة إلى أخرى، بل من عالم إلى آخر، من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة.
وسينعم القدر على تسفايغ، كما أنعم على أمه من قبل، بألا يشهد هذا التحول الرهيب، وسوف يكتب التاريخ أن الأديب الأصدق والأروع من بين أدباء عصره لم يحتمل العيش شريداً في المنافي، فانتحر هو وزوجته إليزابيث شارلوت تسفايغ في مدينة تبروبوليس البرازيلية في 23 شباط 1942م.
أما الحزب النازي فكان في تلك الآونة يظن أنه يعيش لحظة من أهم لحظات الإنعام السامي، الأكثر صواباً، الأجلى رؤية، الأنقى خياراً، الأكثر مسؤولية، الأعلى كفاءة، على مستوى الفكرة والتنفيذ، والخيار والقرار. لحظة إحلال (التجانس) الخالص الصافي بين أفراد المجتمع الألماني الطاهر، ذي الأرومة النقية المصفاة تكويناً وتلويناً من بين كل الشعوب، ومن دون جميع الأمم، وكرمي عيون هذا (التجانس) كان لا بدّ “لشعب الأرض المصطفى” أن يبيد “شعب الله المختار”.
ولكن!!
هل كان المواطن الألماني في فترة (قطار هتلر)، قطار الرحيل نحو المجهول والترحيل نحو الهاوية يخطر في باله، ولو على سبيل ضرب الخيال، أنّ هذا القطار سيغدو قطاراً يحتضن المترقّب الخائف، المختلف ديناً وعرقاً ولساناً وهوية، القادم من خارج أوروبا إلى قلب ألمانيا؟ فيكون قطار أمل وبشرى، وأنس وبهجة، واطمئنان وسعادة؟
هذا ما حدث حين أوعزت المستشارة الألمانية ميركل في 2015 لكافة الدول المحيطة بألمانيا أن تسخّر قطاراتها في خدمة جموع هؤلاء الفارين من أتون بلادهم، كما فرّ يهود ألمانيا في لحظة غفلة من الضمير الألماني، وفي لحظة عمى أخلاقي مطبِق.
ورصدت الكاميرات مرة أخرى ذلك القطار المكتظ بالأطفال والنساء والشيوخ والشباب القادمين من سوريا، والطافح بالقادمين باسمهم من باقي الدول المحيطة بها.
كان هؤلاء الفارون متعبين منهكين، ملابسهم رثة، ملطخة، مبقّعة، أحذيتهم مثقّبة مشلّعة، وكان معظمهم يعرجون بأقدامهم الملتهبة المتقيحة، وكانت معظم الوجوه قد لفحتها الشمس وضربتها الرياح فغدت مسمرة تعلوها غبرة وقترة، ولكن العيون فقط كانت ترسل بريقاً يشع أملاً، وإشعاعاً يلمع رجاء.
لقد فرّ هذا السوري للأسباب نفسها التي فر من أجلها الألماني من قبل، فالنظام الأسدي البعثي لم يجد من بين جميع القمصان أليق به من القميص النازي فتقمصه، ولا أجدر منه نسخةً فتناسخ، بل تفاسخ، بل تواسخ من خلاله.
كلاهما مبنيان على حزب قومي اشتراكي.
كلاهما يسعيان لفرض (التجانس).
كلاهما يملكان محرقة.
كلاهما مؤسسان على عبادة الزعيم وتأليهه.
أما أتباع هتلر فكانوا يرددون بالحرف الواحد: (هتلر أعظم من المسيح).
وأما أتباع حافظ فكانوا يدبكون وينشدون: (حيّدوا نحن البعثية حيّدوا ….. وحافظ أسد قبل ألله منعبدوا)، و(حلّك يا ألله حلّك….. يقعد حافظ محلك).
وأما أتباع الابن بشار فكانت حمائمهم تهدل: (الله…. سورية … بشار وبس)، في حين كانت هراوات صقورهم تتكسر على أجساد ضحاياهم، وهم يزعقون بكل غضب الدنيا والآخرة: (مين ربك ولاك؟؟)، وكان يفترض بالضحية التي تعالج سكرات الموت أن تنطق شهادتها الأخيرة قبل أن تغادر الحياة: (بشار ربي، ولا أشرك به أحداً).
ومثلما فرّ المضطهدون الألمان من أمام غول النازية، فرّ المضطهدون السوريون من أمام ضبع الأسدية البعثية. ركبوا البحر، ولم يخشوا من الغرق، فما عاد أمامهم من خيار سوى الفرار، واستوى لديهم بشكل مطلق: اليأس والأمل، القنوط والرجاء، الموت والحياة.
ركبوا البحر وهم موقنون أن فرصة النجاة والحياة لا تزيد عن فرصة الغرق والموت شروى نقير، ومع هذا رأوها قسمة عادلة، مقارنة مع بقائهم تحت رحمة نظام لا يعرف الرحمة، حيث تتفوق فرص الموت على فرص الحياة أضعافاً مضاعفة، فرص يقدمها النظام على أطباق من الاعتقالات التعسفية، والخطف والتغييب القسري، والقصف العشوائي بمختلف صنوف السلاح، المحرّم والمباح.
وإذا كان هتلر هو الرجل الذي أحدث في العالم من الشر ما لم يحدثه رجل آخر عبر العصور السابقة، فإن بشار الأسد هو الذي أحدث في سوريا من الشر ما لم يحدثه رجل آخر عبر العصور السابقة واللاحقة.
وكما أن أوروبا راحت ضحية شهوة رجل فرد للسلطة، فإن سوريا راحت ضحية شهوة رجل واحد للسلطة، وضحية شهوة أفراد عائلته لكل ما يتفرع عن هذه السلطة بلا استثناء مهما بدا تافهاً أو حقيراً، بعد أن آلوا على أنفسهم أن يكشطوا القشدة عن كل ما تناله أيديهم، وألا يتركوا لبقية الشعب سوى المصل الخاوي الذي يجب أن يُعد من أهم العطايا وأعظم المنجزات.
لقد كان الضمير الألماني في ذروة درجات صحوه، وكانت عينه الأخلاقية في أوج تفتحها وإبصارها يوم قدّرت أن هذا اللاجئ السوري الهارب من بطش نظامه هو صنو اللاجئ الألماني، وأنه لا يمحو عار ذلك القطار السابق الذي كان تابوتاً وقبراً، إلا قطار لاحق يغدو رحم حياة، وبوابة نعمى وأمل ورجاء لفاقدي الأمل والرجاء. قطار عناق بين الشعوب، وقطار تعارف وتعاضد ومواساة.
وهذا ما حصل……
فعلى طول طريقه ومحطاته بين الدول والبلدان والبلدات كانت الجموع البشرية من المسعفين والمتطوعين في المنظمات الإنسانية والخيرية إضافة لعموم أفراد الشعب الأوربيين ينثرون التحيات، والابتسامات، والعناق، والاحتضان، وعبوات المياه، ووجبات الطعام، والفواكه، والحلوى، والملابس، والأحذية، ولعب الأطفال، وكانت فرحة هؤلاء الأوربيين تضاهي فرحة الأسرة بمولود قادم جديد!! وكأن لسان حالهم يقول: لئن كانت الإنسانية تحشرج في مكان فإنها تتبرعم وتزدهر في مكان آخر.
باختصار: لقد شهدت البشرية في زمنين متقاربين قطارين: قطار التياع، وقطار ارتياح. قطار هتلر، وقطار ميركل، وعسى أن يمحو القطار الثاني عار القطار الأول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى