إشكالات مجتمعية

أمي عدوتي! حكايا مهاجرين مراهقين مع مكتب رعاية الشباب (يوغندامت)

الـ “يوغندامت” مسمى يثير القلق في نفوس اللاجئين في ألمانيا، رغم أنه يطلق على مكتب رعاية الشباب، وبحسب تعريف الجهات الرسمية مهمته مساعدة الآباء في التعامل مع الأطفال ورعايتهم، ويقدم المشورة في حالات الطلاق ويدفع الإعانة إذا لم يقم أحد الوالدين بدفعها، كما يقدم الدعم للشباب الذين لم ينجحوا في الانتهاء من المدرسة الثانوية لإيجاد عمل.

تنتشر “الـ “يوغندامت” التي تسمى أحيانا “إدارة الشباب” (Fachbereich Jugend) أو “إدارة الأسرة” (Fachbereich Familie) في كافة المقاطعات ويعمل على أساس قانون حماية الأطفال والشباب وهو مسؤول عن جميع الأطفال في ألمانيا، في حال كان الأب والأم يعرضان أطفالهما للخطر، فإن مكتب رعاية الشباب مسؤول عن حماية الأطفال ويمثّلهم في المحكمة، وله الحق بمنع الوالدين من الرعاية حيث يتم نقل الطفل للعيش مع أسرة أخرى أو إلى ملجأ. لكن الأمر لا يبدو انه بهذه “الرومانسية”، لاسيما مع ازدياد ظاهرة ترك المراهقين لمنازل ذويهم والتوجه الى تلك الدور.

تجارب حية..

“علا” احدى المراهقات، خرجت من شقيقتها من منزل والدتها للعيش في إحدى هذه الدور في ولاية “شمال الراين” تحدثت عن تجربتها لموقع “أخبار العرب في أوروبا”: ” قبل عامين أردت أنا وأختي التوأم مساعدة صديقتي التي تعاني من مشاكل عائلية، وأثناء بحثنا على الانترنت وصلنا إلى موقع اليوغندأمت وقرأنا شروط الانتساب إليه والمساعدة التي يقدمها، ما شجعنا على أن ننضم إلى صديقتنا وخوض تجربة العيش منفردين كما نراها في الأفلام، وهذا ما دفعنا للخروج من المنزل رغم أن علاقتنا مع والدتي جيدة وكنا نمارس حياتنا الطبيعية.”

الباحثة في العلوم النفسية والاجتماعية “خولة حسن حديد”، تقول في تعليقها على تنامي ظاهرة هروب المراهقين والأطفال إلى مراكز الرعاية: “فترة المراهقة بطبيعتها مرحلة قلقلة، تؤثر بشكل مباشر على شخصية الطفل والمراهق، وتحتاج لتفهّم كبير من الأسرة والبيئة المحيطة، إضافة إلى جانب العوامل العمرية، يمكن أن نشير إلى الحالة الاستثنائية التي تعيشها الأسر السورية بسبب ظروف الحرب واللجوء، والانتقال إلى بيئة مختلفة وثقافة مختلفة، كل هذا يُشكل ضغطاً كبيراً على الأسرة والأبناء معاً، وأعتقد آن كثير من الأسر بحاجة لمساعدة ودعم نفسي واجتماعي، من أجل تجاوز الظروف القاسية التي مروا بها، والتكيف مع البيئة الجديدة والمحيط الاجتماعي الجديد”.

الناشط في مجال مساعدة اللاجئين “أ.ل” فضل عدم الكشف عن اسمه يرى الموضوع بشكل مختلف فيقول:” لجوء عدد كبير من المراهقين والأطفال إلى (اليوغندأمت) لم يكن بفعل الحرية أو الطيش فقط، وإنما بسبب العديد من الظواهر الاجتماعية الأخرى، كانفصال الوالدين أو تعرض الأطفال لانتهاكات أو اعتداءات داخل المنزل وربما لعدم وجود جو أسري صحي”.

يوضح “أ.ل”: “بدأت تظهر فجوة بين الأهالي وأبنائهم، خصوصاً مع التباين في أشكال التربية والتعامل بين المجتمع الشرقي والغربي، فنحن معتادون في مجتمعاتنا على كلمة الأب والتعامل على أن الأب هو القائد الأوحد للمنزل، في حين أن المجتمع الغربي ينظر إلى المسألة بشكل مخالف، وهذا ما سبب تلك الفجوة”.

حالة المراهقة “علا” تكررت مع الكثير من أبناء عمرها كما يشير أحد الآباء “د. ق” الذي مفضلا عدم ذكر اسمه:” ابنتي عمرها 14 عاما حاولنا في البداية أن نتقرب منها ونسايرها في بعض الأمور، وقدمنا الكثير من التنازلات في سبيل ألا نفقدها أو أن ندفعها للهروب، ولكن يا للأسف لم تنفع كل الإغراءات بالنسبة لها كمراهقة، وخرجت رغما عنا”.

يضيف الأب:” معظم العوائل القادمة من مجتمعات شرقية تؤمن بسلطة الأهل على الأبناء وهذا الشيء لا تستطيع أن تتفهمه السلطات الألمانية”.

الناشط في مجال اللاجئين “أ.ل” يقول:” لا أستبعد وجود حالات يخرج بها المراهق من المنزل تحت تأثير الإغراءات بالحرية المطلقة، ولكن هذا لا ينفي وجود حالات أخرى؛ والقانون الخاص بالمراهقين ورعايتهم لا يطبق على اللاجئين وحسب وإنما على كل عائلة مقيمة على الأرض الألمانية بما فيها العوائل الألمانية، ومن الخطأ القول بأن القانون يحرض على ضياع أبناء اللاجئين. “

عن تفاصيل الحياة داخل دور الرعاية تقول “علا” التي كانت تجلس لساعات طويلة في زاوية غرفتها في دار الرعاية: “كانت الحياة قاسية ومخيفة وفي كثير من الأوقات كنت أدرك أني مخطئة، ولكني كنت أعود مجددا إلى طيش المراهقين بتشجيع من الأصدقاء الذين شجعوني على خوض التجربة”. وتتابع “في الدار يسمح للمراهق أن يفعل ما يشاء وبحرية تامة، بما في ذلك البقاء خارجها لأيام؛ وهذا ما يجعل الانحراف متاحاً …”.

“علا” التي عاشت لعامين خارج منزل أمها اختصرت التعبير عن تلك المرحلة التي مازالت تعيش ذكرياتها بعبارة (كانت موعداً مع عزرائيل) فتوضح “في كل يوم كانت أفعالنا محاطة بالخطر والموت اعتقاداً منا كمراهقين بأن هذه مجرد مغامرات، لقد قمت بالكثير من الأمور التي كادت تودي بحياتي، في إطار رغبتي أن أعيش مغامرات لا أعرف ما معناها ولا أثارها “.

في هذا السياق يوضح الاب “د. ق”: للمراهق الحق بالعودة إلى منزل أهله متى أراد” بعد أيامٍ قليلة من خروج ابنتي (رفض ذكر اسمها) فوجئت باتصال منها تطلب مني الحضور لاصطحابها مجدداً إلى المنزل، وبعد عودتها لم تتحدث كثيراً عن أسباب عودتها وعدولها عن فكرة البقاء في دار الرعاية، او ما شاهدته هناك، واليوم عادت ابنتي مجدداً إلى دراستها ومدرستها، وما حدث كان مجرد غمامة صيف ومرت”.

العلاقة مع الوالدين ودور الأقران..

الباحثة الاجتماعية “خولة حديد” تعتبر أن الأسرة والوالدين على وجه التحديد هم الحضن الأكثر أماناً للطفل، وعندما يفتقد هذا الحضن ولا يجد الأمان فيه، قد يفقد المراهق ثقته بالعالم من حوله، ويتحول إلى شخص مرتاب بالآخرين وشكاك وحذر.

وتشير “حديد” إلى أن “غياب الوالدين والانفصال عن الأطفال يشعرهم بالوحدة، وهنا يواجه الطفل تحديات كبرى من الصعب تجاوزها إذا لم يتوفر له الدعم النفسي والاجتماعي البديل، ويُمكن للأهل تجنب الصدام مع أبنائهم، وتجنب هروبهم، بتفهّم حاجاتهم، وصراعاتهم النفسية، والتقرب منهم والاستماع إليهم، ومتابعة علاقة الأبناء بأقرانهم لأن الأقران يؤثرون بشكل كبير ببعضهم، وأحيانا يشكلون عاملا سلبيا في علاقة الأبناء بأسرهم”.

تحذر “خولة حديد” من خطورة اللجوء للعنف والقسوة في توجيه الأطفال وتربيتهم، مشددة على ضرورة “إرشادهم بمحبة ولين، وطلب المساعدة من المحيط والمدرسة ومراكز الدعم النفسي عند الشعور بعدم القدرة على التفاهم معهم، ولتجنب شعور الطفل بمراقبة الأسرة الدائمة دور مهم في هذه المسالة مع ضرورة تفهّم الفوارق الثقافية بين بيئة الطفل الأصلية والبيئة الجديدة”.

المراهقة “علا” قررت وشقيقتها العودة مجدداً إلى حضن والدتهما وعن هذا تقول: “عدت إلى المدرسة بعد انقطاع دام عامين والآن بدأت كتابة قصتي كاملة في رواية قصيرة باللغة الإنكليزية بعنوان (أمي عدوتي)،..، اخترت العنوان بمساعدة والدتي التي شجعتني على المضي في كتابة التجربة علها تساعد الكثير من المراهقين في معرفة المعنى الحقيقي للخروج من المنزل، فالمسألة ليست كما نشاهده بالأفلام، إنما هي تجربة قد تودي بالمراهق إلى الهلاك.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى