دراسات

طه حسين والعقلانية.. قضايا ومشاهدات

مائة عام تمتد بين ظهور كتاب الطهطاوي «تلخيص الإبريز في تلخيص باريز» وبين نشر كتاب طه حسين «مستقبل الثقافة في مصر… »[1]، وفي الفترة الواقعة بين نشر الكتابين ترجم أحمد فتحي زغلول كتاب أدمون ديمولان «سر تقدم الإنكليز السكسونيين»…ونشر محمد عبده «الإسلام بين العلم والمدنية» وعرض على الناس كتاب عبد الرزاق «الإسلام وأصول الحكم».
في وقت يقرب من مائة عام تتكامل صورة العقلانية المصرية – العربية متوجة بطه حسين.
ولاشك أن تشييد تاريخ للعقلانية يبدأ من عصر النهضة العربية حتى فترة مابين الحربين، يحتاج إلى مخيلة تبحث عن ترابط سببي، لكن المخيلة وحدها لا تفعل فعلها بمعزل عن التاريخ الواقعي كمرجع نهائي لمثل هذا الترابط. غير أن الأسئلة الصعبة سرعان ما تطل برأسها منتقمة من الأجوبة السهلة التي اعتقد نفر منا أنه أصبح في حل من إعمال التفكير فيها. ترى لماذا هزم التاريخ الواقعي للعرب سيف العقلانية بعصا خشبية أكلها السوس. لماذا تنهزم الأفكار التي ازدهرت كتعويض عن عناد التاريخ، ولماذا نعود إليها نسألها الخلاص من تاريخ يصر على المراوحة؟.
لم يكن الطهطاوي على مستوى الفكر إلا محمد علي على مستوى السياسة، وجاء الإصلاح الديني منتقماً من التنوير المتعسف من أعلى. وأطل طه حسين كتركيب يعكس مجتمعاً يتلكأ في سيره نحو الدولة العلمانية الحديثة. فيبذل كل ما استطاع من جهد لتأسيس مشروع الدولة البرجوازية المصرية، كمشروع للمجتمع ككل. غير عازلٍ العقلانية من إرادة ضرورية تمنحها الحياة. لكن الحياة لم تكن حبلى بهذه الإرادة.
لقد انتصر الطهطاوي رغم هزيمة محمد علي المؤلمة ، ومات علي عبد الرزاق وقد شهد دولة مدنية من جميع الوجوه، ولكنها ليست الدولة التي فصل من الأزهر من أجل المناداة بها. وصمت صاحب «دعاء الكروان» وهو يشهد الهزيمة بمرها العلقمي.
نحن أمام تاريخ يدعو إلى الدهشة، تاريخ نهضة تضع أسس إقامة القطيعة مع عصر الإمبراطورية العلمانية، فتشيد عالماً من الأفكار الصحيحة على المستوى التاريخي، فتهزم منذ وطأت أحذية المستعمر، و تنجز البرجوازية العربية الاستقلال وتطرح العلمانية والعقلانية والمساواة، فتتبخر شعاراتها بضربة شديدة من البرجوازية الصغيرة الصغيرة الصاعدة الممتلئة بطموح إنجاز الوحدة القومية والحرية السياسية والعدالة الاجتماعية – الاشتراكية – وتحرير فلسطين، فتزدهر راديكاليتها ويبدو الشعار قيد التحقيق – شعار تحمله جماهير واسعة تبحث عن خلاصها السياسي والاجتماعي. ولكن السيرورة التاريخية تخون الشعار، فإذا نحن نعود إلى المشروع البرجوازي نطلب منه الرحمة من همجية الواقع الذي ليس بمستطاعنا – كبشر – العيش في شروطه.
نهضة ثم خبو، فيقظة ثم نوم، فتقدم ثم تراجع. ثم سؤال حول المسؤول عن هذا التاريخ الفاجع أو التعس.
أجل لقد بدا للكثير ممن تصدوا لدفع التاريخ إلى الأمام فكراً وممارسة أن الخطوة الأولى هي القضاء على البرجوازية بكل إنجازاتها الواقعية والإيديولوجية، وإقامة قطيعة مطلقة مع ثقافتها. فانزوى طه حسين والمازني والحصري وغيرهم في خانة النسيان. وطرحت القومية العربية نقيضاً للقومية المصرية أو السورية، ونظر إلى الديمقراطية الشعبية أو وحدة الشعب العامل بديلاً عن الديمقراطية البرجوازية الليبرالية وتعدد الأحزاب. وقدمت الاشتراكية العربية بوصفها تجاوزاً للعلاقات الرأسمالية، وتوجيه الإعلام والثقافة عوضاً عن فوضى الرأي الحر. بكلمة واحدة اعتقد المشروع البرجوازي الصغير أنه البديل العملي عن المشروع البرجوازي _مشروع العلمانية والديمقراطية دون أن يعتبر نفسه وارثاً لإنجازات هذا الأخير.
وحين جاء النفي صورياً، أطل علينا طه حسين كسلاح لم يستنفذ بعد طاقته على القتال ويظل البحث عمن يحمل السلاح مؤرقاً. إذ لا يكفي أن يوجد السلاح. بل الأهم من يجرده وضد من! .
طه حسين والبحث عن أسس العقلانية:
لماذا طرح طه حسين العقلانية؟ لقد جرت العادة عندنا لدى تناول هذا المفكر أو ذاك، ولاسيما إذا كان عقلانياً، أن تهيب بأوروبا لتقديم الإجابة عن سؤال مصدر الأفكار التي طرحها. منهج كهذا في التحليل يجب أن يخضع للنقد قبل كل شيء.
فلماذا يجب على المؤرخ أن يبدأ بأوروبا وتاريخها لدرس عقلانية طه حسين أو غيره، وهل هي فعلاً المرجع الأساسي – التاريخي والمعرفي الذي استقى منه عقلانيونا الكبار أفكارهم. أم أن عقلانية طه حسين مشروع فرضه التطور العيني للمجتمع المصري والعربي عامة وتطور البرجوازية ودولتها في مصر خاصة.
والحقيقة أن الخطأ لا يكمن في إيجاد شكل من الترابط بين فكر طه حسين وأسلافه العقلانيين من الأوربيين. فمثل هذا الترابط موجود بالأصل، لكن الخطأ في النظر إلى تاريخ الشرق كله – بتطوره المادي أو الفكري_ بوصفه استعادة ميكانيكية لتاريخ أوروبا، واعتبار الفكر العربي ليس إلا نسخة كاريكاتورية لمعلمه الأوربي، ونحن إذا ما خضعنا لميكانيك الأفكار لا نستطيع أن نفهم لماذا اختار طه حسين الدفاع عن العقلانية والعلمانية.
والحديث عن تطور عالمي واقعة لا مجال للشك فيها. فالرأسمالية، كتشكيلة اجتماعية اقتصادية، هي التشكيلة الوحيدة في التاريخ التي جرت شعوباً وأمماً إلى حظيرتها. لكنها لم تلغ أبداً التطور الخاص لهذه البلدان، هذا التطور هو الذي فرض الخيارات الإيديولوجية والفكرية المتعددة.
إذا ما جرى الحديث عن مصر، فهي البلد العربي الأول الذي عرف الدولة السياسية بالمعنى الدقيق للكلمة منذ أيام محمد علي. وهذا الرجل الذي أحل العقل محل العمامة، حوّل الدولة إلى عامل مهم من عوامل تغيير طبيعة المجتمع المصري الإقطاعية الشرقية، وخلق الأسس المادية لنمو العلاقات الرأسمالية، وما ولدته من حركة فكرية نشطة. وإذا كان محمد علي قد فشل طموحه في إنشاء دولة قوية كبيرة تضم أجزاء أخرى من الوطن العربي، فإن خلفاءه سعيد وإسماعيل قد تابعوا مسيرة تحديث مصر برجوازياً. ودفعوا بالنهضة الفكرية إلى الأمام، ووضعوا أسس تطور التعليم في مصر، وعادت البعثات توفد إلى أوروبا وتعود محملة بهواجس بناء دولة ديمقراطية برجوازية، واندرجت أوساط كبيرة من الفلاحين في الحياة السياسية والثقافية فظهرت المدارس، والمعاهد العليا، مدرسة الألسن والحقوق والإدارة والمدرسة السنية لتعليم البنات ومدرسة دار العلوم التي تخرج فيها عدد كبير من الأساتذة المتخصصين، ناهيك عن إنشاء دار الكتب والمتحف والجمعيات العلمية، إلى جانب الاهتمام الكبير بالتاريخ والأدب والترجمة، وظهور الصحف والمجلات باللغتين العربية والفرنسية. وفي عهد إسماعيل بالذات أصبحت اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد[2].
وقد شهدت المرحلة بين أواخر محمد علي و أواخر إسماعيل تبلور شرائح البرجوازية المصرية، بسبب دخول الرأسمالية في الإنتاج الزراعي[3]. ومن أوساط البرجوازية الفلاحية سيخرج عدد كبير من المثقفين الذين سيؤدون فيما بعد دوراً مهماً في الحياة السياسية والثقافية. ولاسيما في عملية الصراع ضد الاحتلال الأجنبي الإنكليزي لمصر، وتحسنت أحوال الفلاحين المصريين واستقرت، وخاصة في الفترة ما بين 1890 – 1914 – إذ اقتنى كثير من الفلاحين الأرض. ونشأت طبقة من الميسورين – البرجوازية الصغيرة الفلاحية – وأرسلت أولادها إلى المدن وخاصة إلى العاصمة لكي يتعلموا. هذه الطبقة الجديدة من الفلاحين هي التي غذت الحركة الوطنية المصرية والتي ستقوم بعبء ثورة 1919 – المحطة المهمة في تاريخ مصر[4]، ومن هذا الجيل سيخرج سعد زغلول وطه حسين.
وإن جيل المثقفين المصريين قد انخرط في معمعة الحياة السياسية التي عكست كل تناقضات عصرها – أي تناقضات المجتمع المصري، بدءاً من الحزب الوطني بقيادة مصطفى كامل الذي أثر تأثيراً هائلاً في هذا الجيل، الذي امتلأ بالشعور الوطني، مروراً بحزب الأمة – حزب البرجوازية المصرية – المستنيرة والذي عبر عن فلسفته أحمد لطفي السيد – المدافع الأكبر عن الدستور والديمقراطية وانتهاء بحزب الإصلاح الدستوري الداعم للخديوي.
هذا الجيل هو ببساطة جيل ثورة 1919 المصرية، وإن فشلت في نيل الاستقلال لمصر – ولكنها أرست جزءاً مهماً من الحياة الديمقراطية السياسية فيما بعد خاصة أن الاحتلال البريطاني – أمام الواقع الجديد الذي فرضته ثورة 1919 – طرح مسألة الاستقلال السياسي ، وحصلت الانتخابات عام 1924 وأدت إلى نجاح الوفد، الحزب الجماهيري الذي عكس مصالح الأغلبية آنذاك، والذي ظل يتناوب على استلام السلطة حتى ثورة 1952.
هذه اللمحة المختصرة من تطور الحياة السياسية في مصر تدلل على المناخ الذي تربى فيه جيل طه حسين، والذي يعج بالشروط لتحول مصر الرأسمالية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.
وفي الفترة الواقعة ما بين الطهطاوي وطه حسين ، انتشرت إيديولوجيا التقدم بمختلف أشكالها الدينية والتحديثية والقومية، بدءاً بجمال الدين الأفغاني وعبد الله النديم ومحمد عبده، مروراً بمصطفى كامل ومحمد فريد وانتهاءً بالمنفلوطي ولطفي السيد.
كان طه حسين هو الوريث الأول لمثل هذا التراث الكبير، لكنه كان بنفس الوقت – كما سنرى – التجاوز الأرقى له. والصائغ الأدق للمشروع البرجوازي المصري، لكنه مشروع يوحد لأول مرة مصالح البرجوازية مع مصالح الشعب. قوامه الحرية والديمقراطية والعلمانية والعقلانية.
وعلى أساس ذلك يجب أن نفهم هذا الأزهري الذي خرج من الجامعة وتابع دراساته وتحصيله العالي في السوربون.
إنها ليست أسماء مؤسسات فحسب، إنها مراحل لتطور طه حسين الفكري، مراحل مترابطة ومتداخلة.
فطه حسين «الأزهري» يرفض الأزهر في أعماقه وينحو في الإصلاح فيجده لدى الشيخ محمد عبده والشيخ المرصفي… ونقلاً عن لسانه قال: «إن المدة التي قضيتها في الأزهر كانت فترة انتقال، فكان محمد عبده يفسر القرآن على طرق حديثة والشيخ المرصفي يعلمنا الأدب وكلاهما يذم الطرق الأزهرية، وكان قاسم أمين يقول بحرية المرأة وفتحي زغلول يترجم كتباً قيمة. والجريدة تنادي بمعايير جديدة في السياسة والاجتماع. (يقصد لطفي السيد – أ ب) فكنا في اضطراب ذهني لا نستقر.
وشعرنا نحن تلاميذ الشيخ المرصفي أن طرق الأزهر عتيقة فكنا نتكلم ونتناقش عن الإصلاح الذي يقول به الشيخ محمد عبده»[5] .
من الأزهر إلى الجامعة، يتعرف طه حسين على صنوف كثيرة وجديدة من العلوم اللغوية والتاريخية والجغرافية والفلسفية، بل والإسلامية. وتتوج مرحلته الجامعية بـ « ذكرى أبي العلاء». أما في السوربون فيتعرف طه حسين على الثقافة الفرنسية والثقافة اليونانية.
ويقف بشكل خاص عند عصر النهضة والعصر الحديث.
ومن المناسب أن نشير إلى أن طه حسين لم يهتد إلى العقلانية في فرنسا، بل اهتدى إليها في مصر بالذات، فالتجديد الذي أراده طه حسين قد وجد أسسه عند مصريين وسوريين هم في الأساس دعاة لعالم جديد، وعلى رأسهم يقف فتحي زغلول وجورجي زيدان وشلبي شميل وفرح أنطوان وقاسم أمين ولطفي السيد. ولم يكن روسو وفولتير ومونتسيكو غرباء عن الفتى في الجامعة. من الصعب طبعاً أن نجيب على سؤال، لماذا اختار طه حسين أن يكون من دعاة العقلانية – التجديد؟.
فهذا الخيار خيار شخصي محض، ولكنه وقد اختار ذلك فإنه وجد مجتمعاً يقدم له زاداً كبيراً وشروطاً سياسية وثقافية تدفع بعقلانيته إلى أقصى مداها. كان الخيار العقلاني لطه حسين هو الذي دفعه لأن يجد عند مفكري القرن الثامن عشر أسساً أيديولوجية لصياغة نظرته إلى العالم وإلى التقدم، ولم يكن وصوله إلى الطريق المؤدي إلى العقلانية ثمرة التأثر بالغرب ذاته. فطه حسين وهو صاحب مشروع برجوازي عقلاني، كان أبعد ما يكون عن المذاهب اللاعقلانية التي قادت غيره من أنصار المذهب القومي الرومانسي لتبنيها.
وحقيقة الأمر أن تاريخ البرجوازية هو تاريخ العقلانية، وإن كانت العلاقات الرأسمالية ذاتها التي تفسر نشوء المذهب اللاعقلاني عند شوبنهور ونيتشه وبرجسون. وعند هؤلاء الآخرين وجد مثقفو البرجوازية الصغيرة العربية زادهم الإيديولوجي.
في منهج طه حسين:
خيار التجديد إذاً هو خيار العقلانية، خيار حكم العقل فيما هو قابل للتفسير، وكل شيء قابل للتفسير عقلانياً، وخيار العقلانية هو – ونحن نتحدث عن طه حسين – خيار الكشف عن العلاقة السببية والترابط التاريخي ودحض الأحكام اللاهوتية، وهي اعتبار الحقيقة والعقل مترابطين. فالعقلانية كأيديولوجيا تفرض بالضرورة منهجاً مطابقاً بالقدر الذي تكون هي الأخرى فلسفة ومقدمة منهجية.
وغالباً ما يشار إلى أن طه حسين كان ديكارتي النـزعة في المنهج، استناداً إلى قوله الصريح في «في الأدب الجاهلي» «أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث»[6]، ويتابع «والناس جميعاً يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، كان من أخصب المناهج أثراً وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديداً… وأنت ترى أن منهج ديكارت هذا ليس خصباً في العلم والفلسفة والأدب فحسب. وإنما هو خصب في الأخلاق والحياة والاجتماعية أيضاً »[7].
وحقيقة الأمر، أن طه حسين – بوصفه عقلانياً- إنما أراد أن يخلص البحث من الأهواء والعواطف والأفكار القديمة التي تقف عائقاً أمام المعرفة العقلية الحقيقية. ومن هنا كان اتكاؤه على ديكارت شكلاً من أشكال الدفاع عن هوية التفكير، ومقدمة لإعطاء نفسه الحرية في تناول كل ما اعتبر مندرجاً في خانة القداسة. فمواجهة القديم تفرض بالضرورة – وقبل كل شيء- تأكيد شرعية التناول النقدي لهذا القديم. ومن أقدر من العقل ذاته على تقديم شرعية كهذه. وعند هذا الحد تقف وظيفة ديكارت.
غير أن الشكل الديكارتي أو قواعد المنهج، ليست هي التي تحدد منهج طه حسين في البحث التاريخي والسياسي والأدبي. بقدر ما أن النـزعة العقلانية عامة هي الدافع وراء العودة إلى ديكارت. صحيح أن طه حسين قد بدأ بالشك بصحة الأدب الجاهلي ولكنه عندما أراد أن يدلل على أطروحته حول أن الأدب الجاهلي مستحدث في عصور لاحقة، فإنه قد عول على المنهج التاريخي الذي استخدمه طه حسين قبل كتاب “في الأدب الجاهلي” وأقصد كتابه “تجديد ذكرى أبي العلاء” الذي كتبه عام 1914 كرسالة قدمها إلى الجامعة.
في “تجديد ذكرى أبي العلاء” يعرب الفتى ابن الخمسة والعشرين عاماً عن تبنيه التاريخانية – التي لن يتراجع عنها طه حسين حتى اللحظة الأخيرة.
في التمهيد لكتابه الأنف الذكر يكتب طه حسين قائلاً: «ليس الغرض من هذا الكتاب أن نصف حياة أبي العلاء وحده، وإنما نريد أن ندرس حياة النفس الإنسانية في عصره. فلم يكن لحكيم المعرة أن ينفرد بإظهار آثاره المادية أو المعنوية، وإنما الرجل وما له من آثار وأطوار نتيجة لازمة وثمرة ناضجة لطائفة من العلل اشتركت في تأليف مزاجه وتطوير نفسه من غير أن يكون له عليها سيطرة أو سلطان »[8].
ويتابع طه حسين قائلاً: «من هذه العلل المادي والمعنوي ومنها ما ليس للإنسان به صلة وما بينه وبين الإنسان من اتصال، فاعتدال الجو وصفاؤه ورقة الماء وعذوبته وخصب الأرض وجمال الربى ونقاء الشمس وبهاؤها، كل هذه العلل تشترك مع غيرها في تكوين الرجل وتنشيء نفسه. وكذلك ظلم الحكومة وجورها وجهل الأمة وجمودها، وشدة الآداب الموروثة وقسوتها، كل هذه أو نقائضها تعمل في تكوين الإنسان بكل العلل السابقة.. وإنما يأتلف العالم من أشياء يتصل بعضها ببعض وتؤثر بعضها في بعض، ومن هنا لم يكن بين أحكام العقل أصدق من القضية القائلة: بأن المصادفة محال، وأن ليس في هذا العالم شيء إلا وهو نتيجة من جهة وعلة من جهة أخرى. نتيجة لعلة سبقته ومقدمة لأثر يتلوه، ولولا ذلك لما اتصلت أجزاء العالم، ولما كان بين قديمها وحديثها سبب، ولما شملتها أحكام عامة، ولما كان بينها من التشابه والتقارب قليل ولا كثير»[9].
ولا يكتفي طه حسين بعرض منهجه في البحث وهو بصدد دراسة أبي العلاء وعصره وإنما يعم هذا المنهج بوصفه المنهج الذي يقود إلى نتائج صحيحة على مستوى دراسة التاريخ، فالتاريخ في سيرورته ما هو إلا «حركة تنطوي على قوانين حتمية لا تترك مجالاً لإمكانية أخرى. وليس هذا فحسب، وإنما أحداث التاريخ على صغرها مترابطة بجملة من العلل الواقعية، التي لا معرفة تاريخية دون الكشف عنها. وبالتالي لا معرفة خارج هذا المنهج ترتقي إلى المعرفة العقلية[10].
لم يعد التاريخ عند طه حسين وفق هذا المنهج تاريخ أفراد أفذاذ يسيرونه على هواهم، ولم تعد أحداثه جملة من الحوادث التي ترتد إلى علل لاهوتية، أو لغز عصي على الفهم. الواقع مرجع الحقيقة، لكن الواقع هو شبكة من العلاقات السببية المادية والمعنوية تندرج في أتونها كل أشكال الوعي من فن ودين وفلسفة، ومختلف الأفراد مهما أورثوا حظاً من العبقرية والفرادة، والدول بمصائرها المختلف. إننا أمام جبرية مطلقة، وضرورة عمياء، ومنطق صارم، وكل هذا من شأنه أن يتجاوز العواطف التي تزيف الحدث التاريخي، التعصب الذي يحول دون رؤية الحقيقة ويسلح الباحث بحظ من الجرأة تسمح له بأن يظهر الواقع بصورة تختلف عن الثورة السائدة، طالما أن التاريخ الواقعي هو الذي يسوغ له ذلك.
واستناداً إلى ذلك فإن إخوان الصفا مثلاً لم يعودوا طائفة خاضعة لحكم قيمي سلبي أو إيجابي، بل ظاهرة لها أسبابها الداخلية في قلب العصر الرابع للهجرة ومؤثراتها اليونانية والهندية. فمن شاء أن يفهم أخوان الصفا فما عليه إلا الكشف عن الشروط التاريخية التي أنتجتهم. فأخوان الصفا ما هم إلا تمثيل صادق لظاهرتين خضع لها القرن الرابع، هما ظاهرة الانحطاط السياسي والرقي العقلي. فالدولة الإسلامية التي أصبحت واقعياً مجموعة من الدول تسودها الفوضى والاضطراب والتنافس، دفعت إخوان الصفا لقلب النظام القائم والمسيطر يومئذ على العالم الإسلامي عن طريق قلب النظام العقلي المسيطر على حياة المسلمين، وهم في فلسفتهم يمثلون الحياة العقلية حيث وعى العقل الإسلامي في القرن الرابع ما نقل إليه من« فلسفة اليونان وحكمة الهند وآداب الفرس والآداب العربية والإسلام وغيره من الديانات السماوية وغير السماوية، وجمع ذلك كله ورتبه ولاءم بينه وحاول أن يكون مزاجاً واحداً مؤتلفاً هو خلاصة الثقافة التي يجب على الرجل المستنير حقاً أن يظفر بها ويأخذ منها بالحظ الموفور»[11].
ولا نعتقد أن أحداً قد رصد سيرورة تطور البيان العربي منذ نشأته في أوائل القرن الثاني إلى القرن الخامس[12]. كما فعل طه حسين في عدد قليل من الصفحات، وهو في هذا كله يتكئ على المنهج التاريخي، ولم يكن هذا المنهج في الأصل وقفاً على طه حسين وحده، فأحمد أمين قدم إلى المكتبة العربية أحد أهم المؤلفات المتعلقة بتاريخ الفكر العربي الإسلامي، نقصد فجر الإسلام وضحى السلام. مستخدماً المنهج التاريخي أو التاريخي – الثقافي، عند طه حسين لم يكن وقفاً على دراسة الظواهر الأدبية أو الجمالية فحسب، وإنما استخدمه في دراساته التاريخية والسياسية والاجتماعي عامة.
ولاشك أن الباحث المعاصر المتابع لتطور مناهج البحث، باستطاعته أن يبرز قصور منهج كهذا يقوم على جبرية صارمة، ولا يأخذ بالحسبان جدل الإمكانية والواقع والمنطقي والتاريخي، ولكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن استخدام المنهج التاريخي – الثقافي كان موقفاً متقدماً جداً في تلك المرحلة. حتى إن القارئ الراهن قادر على الحكم على إنجازات طه حسين وأحمد أمين الأدبية الفكرية بصورة إيجابية كإنجازات تتفوق على عدد كبير من الدراسات الراهنة التي تعلن في البداية أنها تنتمي إلى المنهج الماركسي، لكنها سرعان ما تقع في مطب الجبرية.
لقد خاض طه حسين، استناداً إلى منهج سابق، أعنف المعارك الفكرية في تاريخنا المعاصر، معارك كانت تدور حول الجديد والقديم وبين التقليد والإبداع، بين اللاهوت والعلم.
ولقد نظر بليخانوف في وقته إلى اعتبار العوامل الأساسية في تطور الفن العرق والوسط الجغرافي والشروط التاريخية كمأثرة لـ”تين” في إقامة الترابط السببي بين البنية الاجتماعية والمزاج السائد والنفسية الاجتماعية والفن.
لقد استند طه حسين على تين وابن خلدون لتأسيس فلسفة للتاريخ، تجد في قلب الحوادث المبعثرة ضرورة وقوانين عامة تنبع من التاريخ ذاته، ثم تتحول إلى أداة منهجية لإبراز الترابط السببي بين جملة العوامل المتعددة التي تفسر لنا لماذا جرى التاريخ على النحو الذي جرى عليه. وإذا كانت هذه النظرة إلى التاريخ لا تترك مجالاً للمصادفة – وفي التاريخ مصادفات كثيرة وهذه هي نقطة مطعنها- فإنها لم تترك التاريخ نهباً لحوادث متفرقة تحتمها المصادفة التي تحول بين التاريخ وبين معرفته. وهذه المعرفة غير الممكنة خارج ماسماه طه حسين الأحكام العامة. والقول بمنطق للتاريخ يعني في أحد جوانبه – وهذا ما هو إيجابي – أن ليس هناك من قوة تقبع فوق التاريخ لتوجهه على هواها. وعليه، يمكن القول إن طه حسين كان فيلسوفاً للتاريخ قبل كل شيء .
طه حسين وتعين العقلانية :
إذا كانت العقلانية قد تعينت عند طه حسين على مستوى المنهج بوصفها تناولاً تاريخياً – ثقافياً للأدب والفكر، فإنها أيضاً تشكل ماهية الخطاب السياسي أو المشروع السياسي البرجوازي الذي طرحه طه حسين، لا نقصد بالعقلانية هنا مذهباً فلسفياً في نظرية المعرفة، أو نظرية الوجود، فمسائل كهذه لم تكن لتعني طه حسين. وحتى ولو كان بإمكان الباحث التقاط أفكار مبعثرة هنا وهناك حولها، ولا نقصد كذلك استخدام المحاكمة الواعية البعيدة عن المشاعر والعواطف والتعصب وهذا ما كان يصر على إبرازه طه حسين. وإنما نقصد بالعقلانية عند طه حسين المشروع التنويري ذاته، مشروع بناء الدولة السياسية والمجتمع المدني والعلاقة بين الدولة والمجتمع، مشروع تعميم الثقافة وترابطها بالتقدم التاريخي، مشروع بناء مجتمع متقدم – وفق أرقى مفهوم للتقدم الذي طرحته البرجوازية. التقدم بوصفه أمراً مطابقاً لمطالب العقل ذاته وليست مطالب العقل إلا مطالب التاريخ ذاته ومطالب البشر.
ولو تجاوزنا مفهوم العقلانية المجردة، وانحدرنا مباشرة إلى تعينها عند طه حسين – كمشروع سياسي- لما وجدنا جهداً كبيراً في تحديد ملامحها المشخصة. إنها الديمقراطية والحرية الفردية والتفكير الحر والتجديد ونشر التعليم والدفاع عن لغة جديدة ومناهج جديدة وتجاوز لعالم قديم أكل الدهر عليه وشرب، وتأسيس مملكة العلمانية كنفي للأساس الديني للعلاقة بين الدولة أو المجتمع، أو للعلاقة بين الأفراد، وتحويل الدين إلى علاقة بين الإنسان والله فحسب.
ملامح هذا المشروع العقلاني تحدد بالضرورة الحامل الاجتماعي له، وإن كان طه حسين لا يرى في مشروعه إلا تأكيداً لما هو واقع بالفعل وغائب في الذهن، والذهن عائق أمام السرعة الضرورية لتقدم الشرق. إن الذهن وهو يحتاج إلى تنوير، فإنه يخفي ولاشك عن دعاة التنوير الحامل الاجتماعي المضمر في خطابهم الذي يحقق إمكانية التنوير ذاتها، فيعمم الخطاب، كخطاب متجه إلى الشعب مرة وإلى الدولة مرة أخرى. وإلى القائمين على التعليم مرة ثالثة..الخ.
ولهذا كان طه حسين يرى أن المجتمع يحتاج إلى إصلاح سياسي وثقافي وتربوي وتعليمي، مع تأكيد خاص على أهمية التعليم وإصلاحه «فالشرق العربي كله ناهض هذه الأيام. وليست نهضته سياسية محضة. وإنما تجمع إلى السياسة العلم والأدب والاقتصاد والنظم الاجتماعية على اختلافها. ومن الإطالة ولغو القول، أن نحاول إثبات مافرغ الناس من إثباته من أن كل نهضة قيمة رهينة بشيء واحد وهو إصلاح التعليم»[13].
وليست هناك عقلانية فاقدة لمضمون أيديولوجي. وإذا ما نظرنا إلى المضمون الأيديولوجي لعقلانية طه حسين، فإننا نجد- كما سنرى لاحقاً- وقد أخفيت خلف خطاب موجه للأمة – أن المضمون برجوازي تنويري يهب بالدولة – والدولة البرجوازية- أن تحقق الإصلاح، ويهب بالمفكر أن يغير من وعي الناس، وبالمعلم أن يربي الأطفال وفق روح العصر.
ولسنا هنا في مجال تقويم ذاتي لمضمون العقلانية طه حسين. وكلمة برجوازي لا تشير إلى حكم سلبي مضمر، بقدر ما تشير إلى مرحلة تاريخية قدمت فيها البرجوازية في مستوى الفكر إنجازات مهمة. وإذا كان التقدميون قد ألصقوا بالبرجوازية كل ماهو سلبي، فإنهم قد خسروا أساساً مهماً لتطوير نظرتهم اللاحقة.
أجل، طه حسين، مفكر برجوازي – ديمقراطي، حتى ولو أنكر هو ذلك برجوازيته لا تتعلق لا بسلوك شخصي، ولا بأفكار صريحة تدافع عن البرجوازية، بل ترتد إلى الدفاع عن مجتمع برجوازي تسود فيه العقلانية والديمقراطية، دفاع عن مجتمع يحقق مطلب العقل. فالتقدم في منطقه كما يرى طه حسين هو ذاته منطق العقل. ويتخذ الصراع الواقعي غالباً صيغة الصراع بين العقل ونقيضه. إذ ذاك تغدو الحرية والديمقراطية مظاهر عقلانية والاستبداد أمراً لاعقلياً، بل إن كل جديد ينمو في أحشاء القديم ويحاول تجاوزه يلبس ثوب العقل، وكل موقف للقديم في صراعه مع الجديد تنكب للحقيقة التاريخية المتطابقة مع الحقيقة العقلية .
غير أن العقلانية عند طه حسين لم تكن فكرة تدخل أذهان الناس فتغير الناس، وفي تغيرهم يتغير الواقع. بل هي ممارسة قبل كل شيء تتجسد في مؤسسات وتعليم ودستور وصحافة ولغة. وفي النهاية في دولة، وهذا ما أعطى مشروع طه حسين قيمته العملية .
1- العقلانية ولغة النثر أو تجديد اللغة:
لقد ضاق الثلاثة بأزهرهم : طه حسين والمازني ومحمود «كانوا في حياتهم تلك كما كانت الشعوب الأولى في حياتها، أصحاب حس وشعور، وأصحاب قلوب تتأثر ونفوس تنتمي، وكانت عقولهم غافية أو كالغافلة، فكانوا ينشؤون الشعر وينشدونه، وقلما يفكرون بالنثر، وإن فكروا فقلما يحاولونه، فإن حاولوا فقلما يجيدونه، وفي ذات يوم أقبل الزيات يقترح على صاحبيه فيما ينبغي لهم من العناية بالنثر»[14].
الانتقال إذاً من لغة الشعر إلى النثر. انتقال من القلب إلى العقل، من الإحساس إلى التفكير من فوضى الشعور إلى نظام المنطق إلى المفاهيم والأحكام والقضايا والأدلة والتحليل والتراكيب.
لكن الانتقال إلى النثر ليس إلا خطوة أولى، فعلى أي نحو يجب أن تكون لغة النثر – أو اللغة بشكل عام. إذ ليس كل نثر هو لغة للعقل. فالعقلانية كخطاب سياسي وأيديولوجي وثقافي بشكل عام تفترض لغة يفهمها الناس، لأن الخطاب يفترض الكاتب والقارئ. والقارئ عند طه حسين ليس إلا الشعب ذاته، وبالتالي على الكاتب أن يقدم أفكاره بلغة جديدة قابلة للنفاذ إلى عقول الناس. لأن العقلانية لا تنطلق فقط من عقلانية الكاتب، بل من عقلانية القراء ذاتهم. يقدم الشيخ تعريفاً للأدب ويعتقد أنه أوجز وتمنطق، وطه حسين لايجد لا الإيجاز ولا المنطق في تعريف يقول: «هو علم مأثور الكلام منثوره ومنظومة قديمة وحديثه وما يتصل بذلك من أخبار بارعة ونوادر رائعة وملح مستعذبة وطرف مستغربة مع الإلمام من كل علم بأمهات مباحثه»[15]. وقبل أن يدلل طه حسين على غياب الإيجاز والمنطق في التعريف السابق يقول: «ولست أحفل بهذه السجعات الرائعة البارعة فأنا أقرب إلى اللغو منها إلى أي شيء آخر »[16].
ويرسل مصطفى صادق الرافعي إلى السياسة رسالة يقول: «وقد كتبتها من النمط الأول الذي هو فن من زينة البلاغة العربية يشبه بعض فنون الزخرف والتنسيق»[17]. أما طه حسين فيرد قائلاً:« أما أنا فأعتذر للكاتب الأديب إذ أعلنت مضطراً أن هذا الأسلوب الذي ربما راق أهل القرن الخامس والسادس للهجرة، لا يستطيع أن يروقنا في هذا العصر الحديث الذي تغير فيه الذوق الأدبي، ولاسيما في مصر تغيراً شديداً »[18].
وإذا كانت اللغة عند طه حسين أسلوباً في أحد جوانبها المهمة، وجملاً تحمل معاني للوصول إلى القارئ، فإنها ظاهرة متحولة متغيرة بتغير العصور. وذلك أن تطور الحياة يفرض تطوراً في اللغة أيضاً. والمعركة بهذا المعنى بين الأسلوب القديم والأسلوب الجديد هي شكل من أشكال المعركة بين القديم والجديد عامة. وما اتخاذ الأساليب القديمة إلا نقصاً أدبياً «لأن الكمال الأدبي يستلزم أن تكون اللغة ملائمة للحياة، وهو نقص خلقي لأنه كذب للكاتب على نفسه وعلى معاصريه، وهو نقص من جهة أخرى، لأنه لا يدل على أقل من أن الكاتب ينكر شخصيته ولا يعترف لها بالوجود. وأي إنكار للشخصية أشد من أن تحس وتشعر ثم تستحي أن تصف إحساسك وشعورك كما تجدها، فتستعير لهذا الوصف أساليب لا تلائمه وضروباً لا تؤديه»[19]. والناس هم المخاطبون عند طه حسين ولهذا لا يجد طه حرجاً من القول: «أما نحن فنـريد أن يفهمنا الناس، كما نريد أن نفهم الناس، ولهذا نتحدث إلى الناس بلغة الناس. وإذا تحدثنا إلى الأدباء أمثال الأستاذ تحدثنا إليهم أيضاً بلغة الناس. وليسمح لنا الأستاذ أن نلفته إلى شيء ذي بال وهو أن الأدباء الذين “يقدرون أنفسهم” لا يكتبون إلا وهم يفكرون في أنهم يظهرون الناس على شيء من أنفسهم.. نحن أحياء نحب الحياة ولا نحب الموت»[20].
يسأل طه حسين عن اللغة، لمن هي؟ ومن واضعها ومن الذي ينتفع بها، ويصرفها في أغراضه؟[21].
اللغة كما يرى صاحب” مستقبل الثقافة في مصر” ليست من وحي السماء، وإنما هي ظاهرة من ظواهر الاجتماع الإنساني، لم يضعها فرد بعينه ولا جماعة بعينها، وإنما اشتركت في وضعها الأمة التي تتكلمها، دون أن تعلم متى وضعتها ودون أن تستطيع أن تعين لكل فرد من أفرادها أو جماعة من جماعاتها حظاً من ألفاظها وأساليبها [22].
وإذا كان الأمر كذلك، فلابد من أن نلاحظ في اللغة شيئين مختلفين كلاهما يجعل تجدد اللغة أمراً محتوماً: الأمر الأول: أن لنفسية الأمة وحاجاتها والظروف التي تحيط بها أثراً قوياً في تكوين اللغة، وإذا أريد للغة أن لا تتطور فما على حاجات الأمة وظروفها ونفسيتها إلا أن تقف عند حد معين لا تعدوه، الأمر الثاني: إن الأفراد يتكلمون اللغة ويصرفونها في أغراضهم وحاجاتهم، ومهما كان خضوع الفرد لجماعة فله حظ من الشخصية يمتاز عن غيره من الناس. ولهذا الحظ من الشخصية الذي يختلف باختلاف حظوظ الناس من الرقي العقلي أثره في اللغة. وإذا أريد للغة أن تجمد على حالها فلابد من محو شخصية الأفراد كي يستوي الناس جميعاً في الحس والذوق والفهم والشعور، وهذا وذاك غير ميسور. إذاً فلنسلم للغة بحقها في التطور كما نسلم بحق الأفراد والجماعات فيه. وبالتالي لابد من الإيمان بتجدد اللغة[23].
لكن طه حسين يلتقط الترابط بين قديم اللغة وجديدها، وما قديم اللغة إلا اشتقاق اللغة وتصريفها وقواعدها النحوية ونظام المجاز وضروب التشبيه. وعلينا أن نحتفظ بقواعد اللغة، أما مسألة تجديد اللغة فتتناول الألفاظ والأساليب والمعاني وفنون القول على اختلافها [24].
إن النظر إلى اللغة كظاهرة اجتماعية متجددة، واعتبار اللغة العربية مندرجة في قوانين تطور اللغة وترابطها بالحياة – والحياة تجدد – مسألة تضع طه حسين في عداد المفكرين الإنسانيين الذين لا يقفون أمام لغتهم القومية موقفاً متعصباً، بحيث يرفعون من شأن هذه اللغة، وتلك، ويقللون من شأن لغات هذا الشعب أو ذاك. فما يجري مع اللغة العربية هو ذاته ما جرى ويجري على اللغات الأخرى كالفرنسية والانكليزية واليونانية .. الخ.
فالعربية بهذا المعنى ليست سمة عبقرية للأمة العربية، ترتفع إلى درجة القداسة، كما رأى بعض القوميين العرب، بل لغة قد تتخلف عن الحياة إذا أصرت على قديمها في التعبير، ولغة تحتاج إلى التجديد في شروط جديدة من تطور البشر وتطور العلوم. والبحث عن لغة تخاطب مع الناس مع الشعب يعني إنزالها من رتبة لغة جمهور قليل من فقهاء اللغة إلى لغة تواصل وفهم، بعيدة عن البلاغة التقليدية، والخطابة الخالية من المضمون والبديع والزخرف، لأنها إذ تحتفظ بهذه الأساليب فإنها لن تدخل عصر الرواية والمقالة والسياسة والعلم.
ومن الدعوة إلى تجديد اللغة، انتقل طه حسين إلى طرح مشكلة تعليم اللغة العربية الذي مازال يعاني حتى الآن من مرض غياب الود بين التلميذ واللغة العربية.
يطرح طه حسين السؤال التالي:« لماذا نعلم اللغة العربية في المدارس العامة وفي غيرها من المدارس»[25]، يبدأ طه حسين الإجابة عن هذا السؤال بالحديث عن اللغة العربية بوصفها اللغة الوطنية، وهي – أي اللغة العربية – جزء مقوم من شخصيتنا القومية، لأنها تنقل تراث آبائنا وتتلقى عنا التراث الذي ستنقله إلى الأجيال المقبلة، ثم هي أداة للتفاهم وللتعاون.
ثم يعين الجواب أكثر بالقول «إننا لا نفهم أنفسنا إلا بالتفكير، والتفكير غير ممكن إلا في صورة ألفاظ. فنحن إذن نفكر بهذه اللغة، ونحن إذن لانغلو إن قلنا أنها ليست أداة للتعامل والتعاون الاجتماعيين فحسب، وإنما هي أداة للتفكير والحس والشعور بالقياس إلى الأفراد من حيث هم أفراد أيضاً. فنحن لا نتعلم اللغة العربية ولا نعلمها لأنها لغة الدين فحسب، بل وإنما نتعلمها ونعلمها لأنها أوسع من ذلك وأشمل[26]. والذين يزعمون أننا نتعلم ونعلم اللغة العربية لأنها لغة الدين إنما يخدعون أنفسهم ويخدعون الناس «وليس ينبغي أن تقوم حياة الأمم على الخداع». واللغة العربية ليست ملكاً لرجال الدين- كما يرى طه حسين – يؤمنون وحدهم عليها ويقومون وحدهم دونها، ولكنها ملك لجميع الذين يتكلمون بها، ولهم الحق في التصرف بها تصرف المالك متى استوفوا الشروط التي تبيح لهم هذا التصرف، وعليه فليس تعليم اللغة وقفاً على الأزهر الشريف[27]. ومادامت العربية لغة الحياة كلها بالقياس إلى أصحابها لا لغة الدين وحده، فيجب أن يكون شأنها شأن مرافق الحياة جميعاً ويجب أن ترد إلى الدولة والأفراد الحرية التامة في أن يمنحوها من العناية ما يجب أن يمنحوه للمرافق العامة والتي تمس منها حياتنا العقلية بوجه خاص[28]. وإذا كانت الدولة هي مالكة الحق في تعليم العربية وإعداد معلميها فيجب أن تسلك إلى هذه الأعداد السبيل المعقول.
وهنا يتساءل طه حسين ما هي العربية التي نريد أن نعلمها في المدارس العامة والخاصة، والتي تطالب الدولة بأن تتولى بنفسها إعداد المعلمين لها؟ ويجيب مباشرة : إنها اللغة العربية الفصحى. فالعامية ليست لها من الخصائص والمميزات ما يجعلها خليقة بأن تسمى لغة، وإنما يراها طه حسين لهجة من اللهجات قد أدركها الفساد في كثير من أوضاعها وأشكالها[29].
وبما أن اللغة العربية لا يتكلمها الناس في البيوت ولا يتكلمها الناس في الشوارع وفي الأندية والمدارس وفي الأزهر نفسه: فلابد من إصلاحها، كي يفهمها الناس ويستسيغونها وإصلاح اللغة شرط أساسي لإصلاح التعليم كله[30].
إن الحياة قد أكدت دعوة طه حسين إلى تجديد اللغة. وليس في الأمر ما يدهش. فلم تعد فنون اللغة وقفاً على الموعظة والخطبة والمدح والهجاء، بل إن أساليب التعبير عقد خضعت لضرورات خلقها التطور الاجتماعي- السياسي والطبقي والثقافي.
فالتعليم كف عن أن يكون تعليماً دينياً، بل تعداه إلى تعليم التاريخ والجغرافيا والفلسفة والفيزياء والنقد الأدبي. وكل هذا فرض لغة تتلاءم مع العلوم الحديثة، التي أصبحت علوماً عامة يتلقاها التلامذة في مدارسهم، بلغة تقرب هذه العلوم إلى أذهانهم، بمفاهيم جديدة خاصة بكل علم من العلوم، بلغة تقرب هذه العلوم إلى أذهانهم، وبمفاهيم جديدة خاصة بكل علم من العلوم. هذا إلى جانب أن اللغة العربية لم تعد وقفاً على جمهور ضيق من العلماء والفقهاء بل غدت لغة الشعب، يقرأ بها ويكتب بها ويفهم بها.
وقد بدأ تجديد اللغة من الصحافة – حيث مادتها الأساسية والاجتماعية والأدبية والخبر. وكل هذا يحتاج إلى لغة مبسطة متحررة من الغموض والكلمات الميتة. ويتطلب أسلوباً سهلا ًجميلاً متدفقاً متحرراً من قيود السجع والجناس والطباق، وقس على ذلك لغة القصة، الفن الذي انتشر وينتشر سريعاً، والذي يحتل الآن المكانة الأبرز من فنون القول، إن لم نقل أنه أصبح أكثر انتشاراً في أوساط القراء من الشعر – ديوان العرب.
هذا ناهيك عن تطور وسائل الاتصال الأخرى وأهمها الإذاعة التي عممت هذه اللغة الجديدة التي تحدث عنها طه حسين.
والحقيقة إن دفاع طه حسين عن لغة جديدة – لم يكن أكثر من دفاع عن هذه الحياة الجديدة، وقد كان واضحاً جداً في هذه المسألة. فهمه الأول هو كيف السبيل إلى إحداث تطابق بين اللغة والحياة، بين اللغة والسياسة والبرلمان والصحافة والترجمة من اللغات الأخرى.
إنه دفاع عن لغة العقل ضد لغة النقل، انتقال من سلطة النص إلى سلطة الحياة، من لغة السلطان إلى لغة الشعب.
وأعتقد أن طه حسين ما كان يمكن له أن يحظى بهذه الهيبة والأهمية والانتشار، إلا إذا أخذنا بالحسبان- لا موضوع الكتابة عن طه حسين – وإنما طريقة إيصال أفكاره للناس، أي لغته الحية السهلة الجميلة. والمدقق في المعجم اللغوي عند طه حسين لايجد غرابة في أي لفظ أو مفهوم، ولا تعقيد في صياغة الجملة. بحيث يمكن للقارئ- الآن – أن يفهم طه حسين بسهولة أكثر مما يفهم بعض الكتاب الأحياء.
ومن اللافت للنظر أن طه حسين كان شديد الواقعية في دعوته لتجديد اللغة، فهو إدراك من جهة أن مهمة كهذه ليست مهمة فرد من الأفراد يجدد اللغة على هواه، إنما هي مهمة الدولة. لا لأنها تمتلك وسائل الإكراه، بل لأنها تحتاج إلى خطاب- وهي دولة حديثة – يدخل كل بيت ويصل إلى كل فرد، ولأنها المتحكمة بوسائل الاتصال، ونشر التعليم، ومن جهة أخرى- فإن اللغة الجديدة هي لغة المجتمع المدني الذي قوامه الحرية واندراج الشعب في الحزب والنقابة والسياسة والثقافة، الثقافة بوصفها حقاً من حقوق المواطن في الدولة الديمقراطية. كما تبرز واقعية طه حسين أكثر في مسألتين مهمتين: الأولى أن طه حسين لم يدع إلى استخدم اللهجة العامية، إذ إن تعدد اللهجات لا يتطابق مع لغة العلم أو الثقافة وهي اللغة التي يجب أن تكون واحدة. والعربية الفصحى هي الأقدر على توحيد ثقافة الشعب وطريقة التفكر – لأن التفكير لا ينفصل عن اللغة فهو على الرغم من وقوفه إلى جانب سلامة موسى في مسألة تجديد اللغة، لكنه وقف موقفاً مناقضاً له عندما غالى سلامة موسى في مسألة تجديد اللغة إلى حد جعلها أقرب إلى اللغة العامية، كما رفض حسين استبدال الأحرف العربية بالأحرف اللاتينية الذي دعا إلى سلامة موسى أيضاً. ذلك أنه انطلق منذ البداية بأن اللغة العربية هي اللغة القومية التي ورثناها عن أجيالنا القديمة وسنورثها إلى الأجيال القادمة. والتجديد لا يتم إلا في قلب اللغة القومية لا في استحضار شيء غريب عنها.
أما المسألة الثانية فهي مسألة النحو، صحيح أن طه حسين كتب في مستقبل الثقافة في مصر أنه لو عاد الأمر إليه لألغى دروس النحو في المدارس، لصعوبته ولازورار الطلاب عنه. لكنه أراد من جانب آخر أن يحول قواعد اللغة إلى قواعد طبيعية بحيث يتحدث الناس بلغة صحيحة دون أن يكونوا متخصصين بالنحو، وهذا لن يتم عن طريق تعليم قواعد النحو بل عن طريق تعليم الكتابة والقراءة، وبالتالي لابد من إصلاح الكتابة والقراءة، والإصلاح لا يكون إلا إذا كان الغرض من الكتابة الإبانة، وتكون الكتابة تصويراً صادقاً دقيقاً للنطق. وهذا الإصلاح يغني عامة الناس عن تعمق النحو وإضاعة الوقت في دراسته «وما حاجة العامة إلى النحو إذا ضمنت الإصابة، وعصموا من الخطأ حين يقرؤون ويكتبون، وهذا النحو من الإصلاح إذا تم – ولابد أن يتم – حال بيننا وبين الالتجاء إلى ما التجأ إليه الترك، وما يدعو إليه كثير من الناس من إلغاء الصعوبة إلغاء، والإعراض عن كتابتنا العربية إلى الكتابة اللاتينية»[31].
ومن اللافت للنظر فيما يتعلق بعلاقة النحو باللغة واستخدامها الصحيح كتابة وقراءة ونطقاً، إن كثيراً من الأمم لا يلحن أفرادها باللغة وهم على جهل بقواعدها. فاللغة الروسية مثلاً هي من اللغات الغنية بمفرداتها، ونحوها من الصعوبة بمكان، هذا إلى أن عدم مراعاة قواعد النحو يوقع القارئ والكاتب والمتكلم بأخطاء قد تغير من معنى الجملة تغييراً كبيراً، ولكن من النادر أن تجد روسيا لايجيد استخدام لغته القومية في حياته اليومية العادية، ولو سألنا أحد المواطنين غير المتخصصين باللغة، لماذا تكون الجملة على النحو الذي نطق بها، لأجابك : لا أعرف وأردف، هكذا في اللغة الروسية.
والملاحظ الآن، أن لغة جديدة تتكون بين أبناء العربية وتراجعاً ملحوظاً للهجة العامية التي دللت على إفلاسها، ذلك أن العربية وهي لغة الدولة والإعلام والصحيفة والكتاب والإبداع، وازدياد عدد المتعلمين وزوال عزلة القرية والتواصل القائم بين البلدان العربية، كل ذلك جعل الفصحى لغة التفاهم الثقافي الواحد. غير أنه لابد من زمن طويل قبل أن تتحول الفصحى إلى لغة مكة، أي لغة الشارع والتعامل اليوم.
التاريخ والعقلانية:
قلنا ونحن بصدد المنهج عند طه حسين – أن التاريخ عنده سيرورة قانونية، وعلاقات سببية تفضي إلى نوع من الحتمية المطلقة. إنه تاريخ يتطور. ولكن التاريخ عند طه حسين هو تاريخ الصراع، الصراع بين القديم والجديد، القديم بكل أشكاله والجديد بمختلف مظاهره. وإذا ما دفعنا منطق طه حسين إلى حده الأقصى، لوجدنا أن الصراع هو بين البشر، إذ ينقسمون إلى فريقين، أحدهما يسحب التاريخ إلى الوراء، أو يوقف التاريخ عند لحظة ما والآخر يدفع التاريخ إلى الأمام، وذلك في شروط لم يعد الماضي فيها قادراً على الاستجابة لمطالب الحياة الجديدة، فنحصل هنا على ثنائيات متضادة، لا تحلها إلا ضرورة، يجسدها البشر، الدولة القديمة الاستبدادية، والدولة الديمقراطية، الدين والعلم، اللغة والميتة واللغة الحية، أشكال الإبداع القديمة وأنماط الإبداع الجديدة التقوقع، والانفتاح، الجيل القديم، والجيل الجديد، منهج السلف، ومنهج العقل، الجامع والجامعة..الخ.
بكلمة واحدة، الصراع صراع ثقافتين قديمة وجديدة. وإذا كانت الثقافة القديمة هي ثقافة السلف المتحصن بإنجازات عفا عليها الزمن فإن الثقافة الجديدة هي الثقافة الكونية التي أعلنت انتصار العقل.
مرة أخرى نحن أمام حل الأشكال بين الشرق وأوربا. وهو إشكال طرح منذ القرن التاسع عشر، ومازال مطروحاً بحدة حتى أيامنا هذه، فالطهطاوي حاول جاهداً أن يخلص الإبريز في تلخيص باريز، وليست باريز عصر الطهطاوي إلا أنموذج التقدم، فبذل جهداً كبيراً ليلبس الحكمة الأوربية في التقدم حلة شرقية إسلامية.
كما بذل الإصلاح الديني – الأفغاني وعبده وآخرون- جهداً ليس قليلاً لاشتقاق علم أوربا وديمقراطيتها من الإسلام المصلح. وأعلن العلمانيون – شميل وفرح أنطون – ضرورة السير على طريق أوربا دون لبس.
وانتصبت أوروبا _ أمام طه حسين كأنموذج للتقدم الإنساني الذي هو تقدم لا سبيل إلى الإفلات منه. لكن مؤلف” مستقبل الثقافة في مصر”وحده الذي حاول أن يؤسس على المستوى النظر وحدة بين الشرق والغرب. ليدفع في النهاية مفهوم التقدم، بوصفه مفهوماً إنسانياً ليس خاصاً بالغرب وحده. ينطلق طه حسين من مفهوم التقدم، بوصفه مفهوماً إنسانياً ليس خاصاً بالغرب وحده. ينطلق طه حسين من مفهوم العقل. العقل كعنصر وحدة بين البشر أو إن شئت القول: بين حضارة البحر المتوسط وحضارة أوربا، فكونية العقل. وهي فكرة أوربية حديثة – العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس- تلغي التمايز دون أن تلغي الفروق في التقدم. ولكنها تبقي على إمكانية التساوي في التقدم طالما أن العقل واحد.
والعقل عند طه حسين – في تعينه – ليس إلا الثقافة ذاتها. العقل هو العلم والديمقراطية ونمط الحياة وأسلوب الحياة والآداب والفنون وطرق التفكير.. الخ.. إذن العقل منفصل عن التاريخ لأن الثقافة والتاريخ مفهومان مترابطان لدى طه حسين.
منطلق كهذا سمح لطه حسين أن يدحض المركزية الأوربية كاتجاه استعماري يقيم الفروق بين البشر على أساس نمطين من العقلية، أو نمطين من التفكير، يسوغ لصاحب منطق العقل – وهو الأوربي الذي يحاكم ويحلل ويركب ويتجه إلى الطبيعة- أن يحتفظ بالتقدم لنفسه وحده ويلغي إمكانية الآخر الفاقد لمنطق العقل في الوصول إلى درجة تقدم، ليس هذا فحسب، بل ويسوغ سيادة أوربا على الشعوب اللاعقلية.
يرفض طه حسين قسمة كهذه – ترى أن الشرق والغرب غرب ولم يلتقيا – ولا تنطبق كما يرى على العلاقة بين الشرق والغرب[32].
وهذا الرفض دفع طه حسين للعودة إلى التاريخ كي يدلل على التماس المباشر والتحاك الكبير بين أبناء الثقافة الواحدة وخاصة بين مصر والشرق المتوسطي واليونان.
فالثقافة اليونانية مدينة جداً للثقافة الشرقية، وما عقلانية اليونان إلا وجهاً من عقلانية المصري وعقلانية شعوب الشرق المتقدمة آنذاك. كتب طه حسين يقول: «فمن الحق أن تعترف بأن مصر لم تنفرد بالتأثر في حياة اليونان ولا في تكوين الحضارة اليونانية والعقل اليوناني، إنما شاركتها في ذلك أمم شرقية أخرى كان لها موفور من الحضارة والرقي، وهي هذه الأمم التي كانت تعمر هذا الشرق القريب»[33].
وهذا يعني أن طه حسين يرفض ضمناً منطق بعض المؤرخين الأوربيين الذين ينظرون إلى حضارة اليونان بوصفها معجزة العقل الأوربي الذي قسم الناس إلى طرين أحدهما استمرار لهذه المعجزة – معجزة العقل- والثاني استمرار للروح المتعلقة بالسماء. اليونان وحضارتها ثمرة من ثمرات التطور الحاصل في الثقافة المتوسطية، وكلاهما يشكلان أسرة واحدة يكون العقل المصري أحد أفرادها، إنها المنطقة التي أبدعت الحضارة الإنسانية. إن مصر وهي تؤثر في اليونان تخضع هي الأخرى لتأثير اليونان، فكل عقل بارك العقل الآخر في خصاله كلها ليشكلا في النهاية عقلاً واحداً [34].
وإذا كان الإسلام قد انتشر بين شعوب الشرق، فإنه لا يمكن اعتباره عنصر تمايز بين الشرق والغرب، ذلك أن المسيحية والإسلام دينان ينطويان على خصائص واحدة، دينان لم يستطيعا أن يغيرا من عقل العرب والغرب. فكما لم يستطع الإسلام أن يغير عقل الشعوب المتوسطية، كذلك المسيحية لم تستطع أن تغير العقل الأوربي[35].
لكن واقعة أن الغرب متقدم على الشرق واقعة لم يستطع طه حسين أن ينكرها، هنا لا ينظر صاحب الأيام إلى هذا الفرق في درجة التقدم، من حيث هو فرق يعود إلى جملة الشروط التاريخية. كتب طه حسين يقول:« وليس بين الشعوب التي نشأت حول بحر الروم وتأثرت به فرق عقلي، أو ثقافي ما، وإنما هي ظروف السياسة والاقتصاد، فكل شيء يدل على أنه ليس هنا عقل أوربي يمتاز عن هذا العقل الشرقي الذي يعيش في مصر وما جاورها من بلاد الشرق القريب. وإنما هناك عقل واحد تختلف عليه الظروف المتباينة المتضادة فتؤثر فيه آثاراً متضادة لكن جوهره واحد، ليس فيه تفاوت ولا اختلاف»[36].
وإذا كان العقل عامل وحدة، فالتاريخ هو مجال الاختلاف، لكن العقل هو ذاته، الذي يعود ليوحد التاريخ مرة أخرى، طالما التاريخ عنده يسير نحو المعقولية، أو أنه يحقق مطلق العقل ذاته. وهذا وحده يفسر لنا عملية التأثير المتبادل بين الثقافات. «فحياتنا المادية – كما يرى طه حسين – أوربية خالصة في الطبقات الراقية، وهي في الطبقات الأخرى تختلف قرباً أو بعداً عن الحياة أوربية باختلاف قدرة الأفراد والجماعات. ومعنى هذا أن المثل الأعلى للمصري في حياته المادية هو المثل الأعلى للأوربي في حياته المادية.. مدت أوربا الطرق الحديدية وأسلاك التلغراف والتلفون فمددناها وجلست أوربا إلى الموائد فصنعنا صنيعها، ثم تجاوزنا ذلك إلى ما اصطنع الأوربيون لأنفسهم من لباس.. وحياتنا المعنوية على اختلاف مظاهر وألوانها أوربية خالصة. نظام الحكم عندنا أوربي خالص نقلناه عن الأوربيين نقلاً في غير تحرج ولا تردد.. كل هذا يدل أننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوربا اتصالاً يزداد قوة من يوم إلى يوم حتى تصبح جزءاً منها لفظاً ومعنى وحقيقة وشكلاً، وعلى أننا لانجد في ذلك من المشقة والجهد ما كنا نجده لو أن العقل المصري مخالف في جوهره وطبيعته للعقل الأوربي»[37] .
نحن هنا أمام محاولة لتفسير التحاك الذي قام بيننا وبين أوربا، أداة التفسير هي وحدة العقل، وبالتالي فإن منطق العقل وحده هو الذي يفسر، بل ويسوغ أثر أوربا في المشرق. الأثر الذي ينسحب على حياتنا المادية المعنوية.إذ ذاك يغدو التأخر خوفاً مخالفاً لما هو طبيعي. لكنه يظل تأخراً عن أوربا وأوربا بوصفها أنموذجاً للتقدم في نهاية المطاف تفرض بالضرورة على المتأخر أن يحذو حذوها وهو يحذو حذوها. لاشيء إلا لأن أوربا تحقق مطلب العقل.
ولكن السؤال الذي لم يجب عليه طه حسين هو : إذا كنا – نحن الشرقيين أو العرب- مشتركين مع الأوربيين بوحدة العقد، وإذا كنا كما يرى صاحب “المعذبون في الأرض”«مدفوعين إلى الحياة حديثة دفعا عنيفاً، تدفعنا إليها عقولنا وطبائعنا وأمزجتنا التي لا تختلف في جوهرها قليلاً ولا كثيراً منذ العهود القديمة جداً عن عقول الأوربيين وطبائعهم وأمزجتهم»[38]. فلماذا تقدموا هم وتأخر العرب؟ فهو على الرغم من أنه يؤكد أن هناك شروطاًُ تاريخية، تفسر لنا هذا الفرق في درجة التقدم، لكنه لا يجهد كثيراً لفض هذه الشروط. وبالتالي لانجد تفسيراً لا للتقدم ولا للتأخر في حقيقة الأمر اللهم.. سوى تأكيد واقعة الاختلاف بوصفها شرخاً في منطق التقدم ذاته، الذي هو منطق العقل، والعقل واحد.
ويبدو أن طه حسين المدفوع بحماس شديد إلى إعادة إنتاج أوربا في مصر والمشرق- على غرار الكثيرين ممن سبقوه – قد أغفل واقعة مهمة، ألا وهي مشكلة التقدم في شروط السيادة المطلقة للرأسمالية الأوربية التي وظفت كل قوتها الهمجية في استقلال الشعوب التي تخلفت عن التقدم الرأسمالي وفرضت عليها التبعية المطلقة. وبالتالي لم يستطع في حينه أن يحل الإشكالات الكبيرة: كيف السبيل إلى تقدم الرأسمالية، ومواجهة الرأسمالية الأوربية كعدو طبقي – قومي في آن معاً. وتبقى وحدة العقل – على أهميتها – عاجزة إطلاقاً عن تفسير التخلف وتفسير انتشار بعض مظاهر إنجازات أوربا الثقافية والسياسية والأخلاقية في البلدان المستعمرة. إذ ذاك ما معنى الاحتلال الإنكليزي لمصر وغيرها من البلدان العربية وما معنى الاستمرار وهو الذي عاصره وشاهد بأم عينه أساليبه القمعية؟ أم أن المشكلة في عودة العقل الضال إلى رشده؟.
ويبدو أن التاريخ- الذي كان طه حسين مفعماً به – قد دلل على شيء مهم ألا وهو إنه على الرغم من أننا مددنا أسلاك الهاتف والسكك الحديدية ولبسنا اللباس الأوربي وجلسنا إلى الموائد . واستعرنا من أوربا ملاهيها ومبانيها. وأعلنا الدساتير وأنشأنا مجالس الأمة فما زالت الهوة تتسع بين العرب والغرب إلى حد يحتاج المرء إلى مخيلة عبقرية لمعرفة السبيل إلى اللحاق بها إذا كنا مازلنا نفكر في ذلك.
مع ذلك يجب أن نفسر نحن – الآن – لماذا وقف طه حسين هذا الموقف من أوربا ومن العلاقة بيننا وبينها؟ المسألة ليست – كما نعتقد – في نزعة التغرب أو التأورب التي لاتفسر شيئاً.
ولا يبدو لنا أمراً مهما إطلاقاً أن نحشي هذا المفكر أو ذاك في خانة نطلق عليها اتجاهاً أو مذهباً.
إن طه حسين يفكر، قبل كل شيء، بواقع مصر والعرب وبمستقبلهم أنه واقع مرفوض قبل كل شيء. لكن طه حسين عاش في واقع لايمكن أن يرفض إلا بالقياس إلى عالم آخر يتسارع تقدمه بشكل يدعو إلى الدهشة.
إن انشطار العالم إلى متخلف ومتقدم واقعة مازالت ترين فوق كل من يخف لمواجهة عالمه المتخلف. لم تعش أوربا الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر واقعة كهذه. كان الصراع يدور بين برجوازية صاعدة تطرح مشروعاً يجرف عن التاريخ كل نفايات الماضي دون وجل أو خجل، وبين إقطاع منهار، فتنتصر البرجوازية لتغدو أول طبقة عالمية في التاريخ. وتقدم أنموذجاً، تشجع أكثر الشعوب بضرورة الحذو حذوها.
وفي كل محاولة لرفض واقع التخلف تتجه الأنظار صوب أوربا فتقدم أجوبة متعددة، أجوبة في الأدب واللغة والفلسفة السياسية والوحدة القومية والاقتصاد. إن أحداً لا يستطيع تصور دخول التاريخ إلا عبر بواباتها المتعددة. وعلى هذا الأساس نشأ المثقف الليبرالي في عصر النهضة وما بين الحربين بل والمثقف المعار على اختلاف نظراته.
وهكذا كان الدفاع عن المواطن والأمة والديمقراطية وعن المجتمع المدني عامة يتم بأدوات معرفية أوربية تفرزها تجربة أوربا الواقعية.
أجل لم ينج أحد من سحر أوربا، حتى المدافع عن المجتمع التقليدي لم يستطع تجاهل تقدم أوربا المادي، فدعا إليه محتفظاً بنفس الوقت بالدفاع عن تراثه القديم.
إذن أساس الإعجاب بأوربا ليس أوربا، بدليل أن مامن مثقف في عصر النهضة أو في فترة ما بين الحربين – طه حسين وغيره – دافع عن أوربا في القرون الوسطى. أساس الدعوة إلى مجتمع يدخل عصر التاريخ الأوربي هو رفض المجتمع التقليدي العربي الذي لم يعد قادراً على تلبية حاجات الإنسان الذي وحدت عالمه الرأسمالية.
والمجتمع التقليدي عند طه حسين هو المجتمع الذي يتحكم به الأزهر ويرفض فيه العلم، ويخلو من المدرسة المدنية، والتاريخ فيه مقدس. واللغة ميتة، والدولة لا حول لها ولا قوة يهاجم هذا المجتمع – بكل مظاهره – بينما يتحول المدافعون عنه إلى أنصار القديم.
ولكن لماذا يصر أنصار القديم على قديمهم ؟ إن هذا السؤال يشير إلى هشاشة مفهومي القديم والجديد، لأنه لا يقدم للصراع أي تعين اجتماعي – طبقي أو سياسي. ويبقي المسألة في إطار صراع أجيال، أو يحولها في أحسن الأحوال إلى صراع بين الهوية القومية أو الدينية وأنصارها من جهة، والتأورب والنـزعة العدمية اتجاه الخاص القومي من جهة ثانية.
والثابت أن هشاشة الواقع هي التي تقف وراء هشاشة هذه المفاهيم، وهي التي تركت المثقف البرجوازي – الليبرالي وحده يصارع طواحين الهواء.
وكوميديا التقدم العربي منذ عصر النهضة حتى كتابة “مستقبل الثقافة في مصر”، هي ذاتها القوى المتصارعة التي لا يستطيع أي منها أن يحسم قضية التقدم.
فالإقطاعية المصرية، بكل ما تحمله هذه الكلمة من قوى اجتماعية وأشكال وعي، لم تكن متطابقة إطلاقاً مع حاجات التقدم المصري الذي لا ينفصل عن دخوله حلبة العلاقات الرأسمالية العالمية، إنها وهي المهزومة تاريخياً، تعيش فاعلة في شرط عجز العلاقات الرأسمالية عن الانتصار الكامل. والبرجوازية رافعة لواء التقدم نظرياً – وهي تسعى إلى تحديث المجمع المصري- عاجزة عن الاستقلال. فتجد نفسها مجبرة على اتخاذ مواقف تلائم عجزها.
وفئات المثقفين المنحدرة من أعيان مصر- الطبقة الوسطى – يخضعون الصراع فيما بينهم معبرين عن مأزق التقدم، أو متجاوزين شروطه المعقدة.
ولأن الأرض لم تهزم الرافعي ولم تهزم طه حسين إلا أن ثورة 1952 جاءت لتهزم الجانبين صحيح أن طه حسين قد شاهد بأم عينه إلزامية التعليم وانتشاره وزوال سلطة الأزهر. لكن صورة الدولة التي رسمها طه حسين لم تتحقق. واستبدلت القداسة للحاكم بالسخرية التي كان يدعو إليها، وعاد إلى التاريخ العربي المجد المبين الذي لا يأتيه الباطل من خلفه ولا من بين يديه، بعد أن أنزله طه حسين إلى تاريخ البشر الذين يخطؤون ويصيبون وأعدم تلامذة حسن البنا مع احتفاظ المنفذ بالإسلام دين دولة ومصدر الاشتراكية والعربية الرئيسي.
إذاً، أوربا في وعي طه حسين سبيل تقدم مصر والعرب. لكن مصر والعرب تنطوي على تاريخ عنيد وتجاوزه ليس سهلاً، كان على طه حسين أن يضعه في ساحة النقد بوصفه تاريخ بشر. وأن ينفي عنه صفة الجلال والتقديس الديني، أو الذي يشبه الديني[39]. وهو إذ يجعل التاريخ محل نظر العقل والبحث العلمي والصحيح، فإنما أراد أن يجرد السلفيين من سلاح لا أمضى ولا أشد – ألا وهو التراث، المتمكن من البنية النفسية للناس من حيث هو ازدهار مطلق.
وطه حسين يرى في تقديس السلف وتنـزيهه عن الصغائر، مذهب إسباغ الدين على التاريخ، طوراً من أطوار التاريخ لابد من أن يمر به، وقد خضعت لهذا الطور أمم أخرى غير العرب [40]، والسبب الذي يقف وراء ذلك- كما يرى صاحب الأيام – « أن الأمم إذا اضطرتها صروف الحياة إلى أن تنـزل عن مجدها، وتنحط عن مكانتها العالية فتخضع لخطوب الدهر حيناً، وتنام عن العزة والسلطان. ثم استفاقت من هذا النوم، وتنبهت بعد الغفلة، وطمحت إلى أن تسترد المجد القديم. فأول شعور تجده في نفسها إنما هو الشعور بهذا المجد القديم، والحاجة إلى إجلال أصحابه وكبارهم واتخاذهم مثلاً عليا »[41].
عندها لا ينظر إلى هذا التاريخ الماضي نظرة علمية مجردة، بل ونظرة فيها الهوى والميول والعواطف.
طه حسين يريد أن يحررنا من سطوة التاريخ. فيذهب إلى تحرير التاريخ ذاته من أثواب ألبسناه إياها زاهية دائماً. فيعود إلى التاريخ الواقعي لا إلى التاريخ المتخيل، فيجده كما هو، تاريخاً ينطوي على التناقض والصراع والمفارقات والقوة والضعف. لم يعد الحديث ينصب على مجد بني أمية المطلق، إنما يتناول أيضاً عصر الأمويين – «عصر ضعف فيه سلطان الدين وانصرف الخلفاء وولاتهم على الحدود والشرائع إلى الخصومة السياسية والجهاد بين الأحزاب والعصبيات، وكثرت الغنائم وعظمت الثروة الخ »[42].
والقرن الثاني للهجرة، عصر الفلسفة أو العقل وعصر الحضارة وما ينتج عنهما من خطر على القديم، ويكتب طه حسين قائلاً:«نحن إذاً مضطرون إلى أن نأخذ هذا العصر كما هو، وإلى أن نصنع من الشجاعة ما يمكننا من أن ننظر إليه في جملته وتفصيله، لا مشفقين ولا مترددين، ولا كالنعامة يأتيها الخطر فتخفي رأسها كي لا تراه، ويخيل إليها أن ذلك يؤمنها من هذا الخطر، فمهما تنكر ظهور الشك والمجون وأصحابهما في هذا العصر، وتغلب هذا الشك والمجون على نفوس المستنيرين من أهله، فلن يمنع ذلك أن يكون هذا العصر، كما قلت، عصراً ظهر فيه الشك والمجون، واستأثرا بعقول الكثرة المستنيرة من أهله، حتى بعض الفقهاء وأصحاب الكلام»[43] .
باستطاعتنا أن نمضي في ضرب الأمثلة على شجاعة طه حسين في تعامله مع التاريخ العربي – الإسلامي، هذه الشجاعة التي نظر إليها كضرورة لتحقيق مطلب العلم، العلم وسيلة الوصول إلى الحقيقة حتى لو أغضبت المتعصبين.
ولكن ما يهمنا هو تأكيد فكرة أساسية طالما يجري الصراع حولها الآن كما جرى منذ مائة عام، ألا وهي الموقف من الماضي أو التاريخ أو ما يسميه البعض التراث.
كان طه حسين على وعي كامل بأن سوء الحال مقدمة إلى نكوص إلى الماضي. والناس تستهويهم الأمجاد الغابرة، وتؤثر فيهم دغدغة عواطفهم التي أدمنت شرب ماء الماضي بوصفه نقياً من كل شائبة. يتحرك هذا الماء بعصا المؤرخ العارف فيظهر العكر وترتفع الشوائب إلى السطح كي يراها الجميع. ولكنه لا يتعسف ولا يشط. همه من كل هذا أن يحدث فلولاً بالسيف المسلط على الرقاب.
يعجب الرجل بابن خلدون، لكنه يطلب منا أن نتجاوزه إلى ماهو أرقى وأن نفهم قوانينه أحسن مما فهمها. فلا يحمله ما لا يحتمل، ويتحدث عن الزندقة فيردها إلى أسبابها السياسية والاجتماعية والثقافية ولا يرى فيها فكراً مادياً مدافعاً عن الفقراء[44]. وهو في كل ذلك غير متعصب، فالعلم عند طه حسين لا يعرف الكلمة الأخيرة في مسألة من مسائله[45].
طه حسين إذاً يريد أن يحرر التاريخ من الأيديولوجيا، ووسيلته إلى ذلك النقد التاريخي، وبذل ما يستطاع للتحرر من أحكام القيم كالمدح والذم.
وبعد نسأل، ماذا تبقى لنا من طه حسين؟
أعتقد أن مشروع طه حسن في دولة علماني ديمقراطية تحقق المساواة بين البشر أو تطمح لتحقيق هذه المساواة، وتحويل الفرد إلى مواطن في مجتمع مدني يشعر بقيمته وبحريته، مازال مشروعنا. لا بفعل وراثتنا لهذا الحلم، بل بفعل الواقع الذي يبقيه هدفاً مأمولاً. فكم هو شديد الآن الشعور بالاضطهاد الذي تولده الدولة القمعية السائدة، والشعور بالمهانة وفقدان الكرامة الوطنية الذي تخلقه شروط التبعية للإمبريالية الذي أدمنته السلطات السائدة، وكم هو عميق الجرح الذي يولده الاحتلال الصهيوني – العنصري اليهودي، في ظل العجز الرسمي عن مواجهته، وكم هي محزنة الحالة التي خلفتها البرجوازية النفطية التابعة من تخريب للثقافة والأخلاق، كم هو مأساوي انهزام الجانب الراديكالي من البرجوازية الصغيرة التي أعادت إنتاج العلاقات التابعة.
وإذا ما أردنا أن نفلت من صياغة أوتوبيا للتقدم، فما علينا إلا أن نفكر قبل كل شيء بالواقع الممكن تحقيقه. وكل أهداف تطرح الآن دون البحث عن أولئك البشر الواقعيين الذين من شأنهم أن يحققوها، يحولها إلى ما هو – مستحيل التحقيق.
فالعقلانية والديمقراطية والوحدة القومية والتحرر والتحرير ليست بحد ذاتها أهداف طوباوية. لكنها تكون كذلك خارج الممارسة، والممارسة لا تعني إلا تحول البشر إلى عنصر فاعل في التاريخ، ولا نقصد بالبشر إلا أولئك الذين يضطهدون حتى العظم في غياب العقلانية والديمقراطية والوحدة القومية والتحرر. وعندها يتحدد النقيض وهم المستفيدون من اللاعقلانية والاستبداد والاستعباد والتبعية ويؤكدونها .
إذاً تبقى المشكلة الأساسية هي الدولة وما تحمله من مضمون اجتماعي – طبقي وما تمارسه من نظام سياسي، وما تتخذه من أشكال.
وإذا كان طه حسين قد وجد في الدولة البرجوازية الليبرالية العلمانية سبيلاً لتحقيق مشروعه، أو إن شئت القول لم يكن مشروعه إلا مشروع البرجوازية التي اعتقد أنها صاعدة وقادرة على تجسيد أهدافه، فهذا لأنه عاش في مرحلة تسمح له بمثل هذه الثقة بالبرجوازية. ولكن الراهن العربي الذي هزم برجوازية طه حسين – مع الآسف- لا يسمح لنا أن نرتهن لقدرة البرجوازية العربية السائدة والمنحطة. هذا إذا ما أطلقنا على الفئات التي هزمت المشروع القومي- العربي، برجوازية.
إن الوفاء لطه حسين يكمن قبل كل شيء في إدراج مشروعه الثقافي- السياسي كجزء من مشروع حركة تحرر عربية تقيم قطيعة مع ماضيها القريب. طارحة السؤال الأهم حول علاقة الفكر بالواقع الذي بذل مهدي عامل الجهد الكبير للإجابة عليه.

[1] – نشر كتاب الطهطاوي ” تلخيص الإبريز في تلخيص بايرز” عام 1834، وأصدره طه حسين كتابه “مستقبل الثقافة في مصر” عام 1937.
[2] – انظر: أحمد برقاوي، “محاولة في قراءة عصر النهضة” بيروت، 1988.
[3] – انظر: صاح عيسى ” البرجوازية المصرية ولعبة الطرد خارج اللعبة” بيروت، 1982، ص 17.
[4] – انظر: دكتور حسين مؤنس “دراسات في ثورة 1919″ القاهرة، 1976، ص 44.
[5] – نقلاً عن كتاب الدكتور عبد العزيز شرف ” طه حسين وزوال المجتمع التقليدي” القاهرة، 1977، ص 23- 24.
[6] – طه حسين، ” في الأدب الجاهلي ” القاهرة، 1961، ص 67
[7] – طه حسين، ” في الأدب الجاهلي ” القاهرة، 1961، ص 69 – 70.
[8] – طه حسين، “تجديد ذكرى أبي العلاء” القاهرة، 1968، ص 15.
[9] – طه حسين، “تجديد ذكرى أبي العلاء ” القاهرة، 1968، ص 15
[10] – طه حسين، “تجديد ذكرى أبي العلاء ” القاهرة، 1968، ص 17
[11] – طه حسين، ” كتب ومؤلفات” بيروت، 1980، ص 239.
[12] – قارن بين مقدمة طه حسين لكتاب النثر في كتاب طه حسين “كتب ومؤلفات” السابق الذكر وعدد صفحاتها 27 سبعة وعشرون صفحة، وبين فصل ما البيان في كتاب الدكتور محمد عابد الجابري “بنية العقل العربي” بيروت 1986 وعدد صفحاته 235 مائتان وخمس وثلاثون صفحة.
[13] – مقدمة طه حسين في ترجمته كتاب غوستاف لوبون “روح التربية” سنة 1943، انظر طه حسين “كتب ومؤلفات ” ص 227
[14] – طه حسين، “من لغو الصيف إلى جد الشتاء” بيروت 1979، ط 6، ص 101 – 103
[15] – طه حسين، “من بعيد” بيروت، 1985، ط 10، ص 266
[16] – طه حسين، “من بعيد” ص 266
[17] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة ، 1976، ص 5
[18] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة ، 1976، ص 7
[19] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة ، 1976، ص 11
[20] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة، 1976، ص 15- 16
[21] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة، 1976، ص 33.
[22] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة، 1976، ص 33- 34
[23] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة ، 1976، ص 33- 34
[24] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 3، القاهرة ، 1976، ص 35- 36.
[25] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، 1937، ص 304.
[26] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 304 – 305
[27] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 306 – 307
[28] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 308 – 309
[29] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 313 – 314 – 315
[30] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 322
[31] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 327 – 328
[32] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 40
[33] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 13
[34] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 19
[35] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 22
[36] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 28
[37] – طه حسين، ” مستقبل الثقافة في مصر” القاهرة، ص 32 – 35.
[38] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 63.
[39] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 64
[40] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 64
[41] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 64
[42] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 77
[43] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، ص 151
[44] – طه حسين، “حديث الأربعاء” ج 2، الحسين بن ضحاك
[45] -انظر: طه حسين ” كتب ومؤلفات” ص ص 66

‫أ

Latest posts by د. أحمد البرقاوي (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى