تلك الأيام

المعراج السومري

السماء (من الأكادية شامو) في العقل الرافدي القديم هي مقر الآلهة الخالدة سيدة الأقدار والمصائر، واهبة الخير والشر معا، وهي المصدر الشرعي للملكية الهابطة على الارض، قُسمت السماء الى ثلاث ورباع وسبع وكذا كان تقسيم الارض (بهيئة مقلوبة تشابه السماء) والسبع سماوات تشير الى السبع افلاك للأجرام المتعارف عليها (بابليا) (الشمس ويقطنها الاله اوتو او شمش، القمر ويقطنه سين، الزهرة وتقطنها عشتار، عطارد، المريخ ويقطنه ماردوك، زحل) …
سيدي شمش … هب لي وريثا “

تعتبر هذه الاسطورة من اقدم واشهر الاساطير المتعلقة بصعود البشر الى السماء وقد وصلتنا بعدة نسخ كلها تعاني من كسر وتهشم للوح وضياع جزء من النص، منها ختمين من الفترة الاكدية، ونص من العصر البابلي القديم 1700 ق.م وآخر من العصر الآشوري الوسيط 1300 ق.م، وثالث من مكتبة آشور بانيبال 700 ق.م وعثر على تعويذة من العصر السلوقي ايضا تتحدث عن هذه الاسطورة. المتداول حاليا من ترجمات يجمع عن ست عشرة لوحة تعود لجميع النصوص اعلاه مجتمعة ولكن الى اليوم لم يتوفر نص كامل لهذه الاسطورة وانما ما بين اليد بتسلسل مشتت يحمل فراغات كبيرة.

أن وجود الختمين من الفترة الاكادية وما تلاه من مدونات ترقى الى عصور مختلفة من تاريخ العراق يدلل بوضوح ان قصة ايتانا كانت معروفة وشائعة بين سكان المدن السومرية والاكادية (وهو زمن يسبق زمن التدوين بحدود 5 قرون على الاقل) ومن بعدها في العصر البابلي والاشوري بل وحتى السلوقي

أسطورة أيتانا الملك الراعي الذي عرج الى السماء

ختم من العصر الاكادي بحدود (2200 ق.م) يظهر بدقة رائعة التفصيل الملك ايتانا وهو راكبا على ظهر نسر ضخم ويبدو من بقية التفاصيل ان ايتانا قد مر برحلته فوق راع يرعى قطيع من الماشية (اشارة الى الملك الراعي) ويلاحظ ايضا وجود كلب يقف منتصبا على رجليه ورافعا رأسه الى الاعلى مندهشا من المشهد الغريب حيث يرى رجلا يطير على ظهر نسر.

نبذة تاريخية عن الملك أيتانا

بحسب ثبت الملوك السومريين فأن الملك أيتانا حكم مدينة كيش بحدود 2750 ق.م بعد طوفان شروباك (فارة الحالية)، وهو رابع ملوك ما بعد الطوفان من كيش (وقد حكم مدة 635 سنة) ليخلفه في الحكم ابنه بليخ (حكم بحدود 400 سنة) حسب اللوائح وعصر البشرية الذهبي الذي وردنا في قائمة الملوكية بعد هبوطها من السماء.. كان تقيا ورعا ولكنه شارف على الشيخوخة وزوجه لا تلد فحاول ان يستجدي عطف الالهة لتمنحه وريثا للعرش، كان يصلي في كل يوم ويقدم قرابينه إلى الآلهة من أحسن مواشيه، علها تنظر إليه بعين العطف وترفع عنه عنة العقم، يبلغه نبأ عن نبتة مزروعة في السماء تُشفِي من العقم، فيدعو الإله شمش أن يجعل هذه النبتة في متناول يده. يستجيب له الاله ويدله على مكان نسر حبيس ومريض، يقوم بتحريره واشفاءه وتدريبه من جديد على الطيران لقاء أن يطير به إلى السماء (الرابعة) حيث نبتة الإخصاب التي تتعهدها الالهة عشتار سيدة الحب والولادة بالرعاية والسقاية ومنها الى انو في السماء (السابعة) كي يمنحه الاذن والبركة والخلود.

تفصيل عن الرحلة

يصطحب النسر الملك ايتانا في رحلة عجائبية ومدهشة حيث يفشل النسر وتخور قواه في المحاولة الاولى وينجح في الثانية بعد ان يقص عليه أيتانا حلمه الرائع، الرحلة والوصف لا تخلو من تساؤلات مشروعة عن مصدر الوصف الدقيق لمنظر الارض وهو يبتعد عنها بسبب ما سيرد من محاورات بين النسر وأيتانا وهو يرتفع به الى ارتفاعات شاهقة حين يسأله النسر:

– أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد ( ويعني الارض )، أحط البحر بعينيك وفتش بنظرك عن شواطئه ؟

– فيجيبه أيتانا: أن الارض تصغر وتتضاءل شيئا فشيئا حتى لتبدو وكأنها بستان صغير ويبدو البحر الواسع وكأنه قدر ماء.

يرتفع النسر فراسخ الى الاعلى (النص المعتمد لم يشر الى التسمية الاكدية للمسافة وانما يضاعفه كعادة المدون العراقي القديم في تضخيم الارقام) ويعاود السؤال:

– أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد ؟

-فيجيبه أيتانا : لم تعد البلاد سوى هضبة

وبعد ان يصعده الى ثلاثة فراسخ مضاعفة يعاود السؤال:

أنظر يا صاحبي وقل لي كيف ترى البلاد؟

فيجيبه أيتانا: أنني انظر الى الارض وكأنني لا اراها وعيناي لا تستطيعان رؤية حتى البحر الواسع..

نص حلم الملك أيتانا الذي قصه للنسر: “رأيت أننا نمضي عبر بوابة آنو وإنليل وإيا، هناك ركعنا معاً، أنا وأنت، ثم رأيت أننا نمضي معاً، أنا وأنت عبر بوابة سن وشمش وأدد وعشتار هناك ركعنا، أنا وأنت رأيت بيتاً فيه نافذة غير موصدة دفعتها، فانفتحت وولجت إليها، فرأيت هناك فتاة مليحة الوجه مزينة بتاج، وهناك عرش منصوب، وتحت العرش أسود رابضة مزمجره، فلما ظهرتُ لها قفزت نحوي، عند ذلك أفقتُ من نومي مذعورا”ً

تنتهي الاسطورة بوصول ايتانا الى السماء السابعة حيث يدلفها من خلال بوابة انليل وايا ليسجد بين يدي كبير مجمع الالهة آنو الذي يقرر منحه عشبة الحياة التي منحت زوجه المقدرة على انجاب وريث له (ويدعى بحسب قائمة الملوك السومريين ب بليخ).
______

المصادر:
د. طه باقر – مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ج، 19761
رينيه لابات، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين، 1988،
ليو اوبنهايم، بلاد ما بين النهرين، 1981
– مقالات ومنشورات المؤرخ : إسلام طه

Latest posts by رميثاء العياضي (see all)

About Post Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى