رأي

نحن والهوية؟ ..الإشكالية والمفهوم

قد يكون غموض مفهوم الهوية، وماضيها الفلسفي، والدلالات القومية التي ربما أثارتها بمجرد تطبيقها على المجتمع والثقافة، قد أثرت في عدم ثقة الباحثين بها وفسرت دخولها المتأخر إلى مجال العلوم الإنسانية، الاجتماعية، والعلوم السياسية. كان من الممكن تشكيل المفهوم في سياق عام مؤاتٍ من خلال النضج المعرفي والنظري. قدم M. Zavalloni في عام 1978، الهوية على أنها “مفهوم يَبْحَث عن علم”. أدى المفهوم إلى زيادة عدد الأبحاث والكتب ليتم تشكيل الهوية في مجال نظري ومنهجي موحد إن كان في علم النفس الاجتماعي أو علم الاجتماع أو العلوم السياسية.

هناك حد أدنى من الإجماع، من وجهة النظر الابستمولوجية/ المعرفية، بين الباحثين لدراسة الهوية خارج الأنطولوجيا الذاتية التي ترى الهوية على أنها حقيقة جوهرية مستقرة. رددت البحوث، بشكل عام، صدى ليفي شتراوس و “جان ماري بينسوا” في الندوة متعددة التخصصات المخصصة للهوية وكيف أن الهويات قابلة للتغير، وتبدو على أنها “وظائف غير مستقرة وليست حقيقة جوهرية.”. إنها تتعلق بالسياق الاجتماعي التاريخي، بالظروف الخاصة (الأماكن، الأوقات)، وبالأدوار الاجتماعية.

إن العمل على الهوية يجعل موقف الباحث تجاهها حساسًا، وهذا ما يلاحظه ” بي تاب” في مقدمة العمل الجماعي: الهوية الجماعية والتغيرات الاجتماعية: “إن تحديد الهوية وتحليلها يعني اتخاذ موقف فيما يتعلق بها، وهو الانخراط في المناقشات الأيديولوجية المتعلقة بتاريخ ومستقبل الأشخاص والجماعات والمؤسسات “. هذه الملاحظة، التي تنطبق بلا شك على قدر كبير من البحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية والسياسية، وثيقة الصلة بشكل خاص بمسائل الهوية.
سوف نقدم في مجموعة من المقالات محاور متعددة لمفهوم الهوية وتطوره: المفهوم الكلاسيكي ولاسيما عند “إركسون”، الذي يعتبر الهوية “نتيجة للتعريفات المختلفة للذات”. حيث تنشأ الهوية من التنصل الانتقائي واستيعاب هويات الطفولة في تكوين جديد. أيضا، الهوية كهوية فاعل اجتماعي يوجد في سياق محدد، حيث ينصب التركيز على السياق الاجتماعي التاريخي لما يسمى استراتيجيات الهوية، أو ظهور أنواع معينة من الهويات السياسية وتحليل الظروف الاجتماعية والثقافية لظهورها، امتدادها، وصلاتها مع مختلف الفاعلين الاجتماعيين: الدولة، والإعلام، والمجموعات الصغيرة أو الأحزاب المتطرفة.

إشكالية الهوية هي من أكثر الإشكاليات التي تسبب اضطرابات في عصرنا. نجدها في خطاب الفلاسفة وعلماء النفس وعلماء الاجتماع وكذلك خطاب الصحفيين والسياسيين. تصف لنا هذه الخطابات فردَ “ما بعد الحداثة”، الذي يسعى بشكل متواصل للبحث عن نفسه؛ بحث متناقض يصبح فيه تأكيد الهوية هدفًا مبهجا وعبئا ثقيلا. لكن الفرد ليس وحده في البحث عن هويته. هناك أيضا العديد من المجموعات الاجتماعية التي تميل نحو البحث القلق أو الدفاع عن هويتها: مجتمعات عرقية أو إقليمية، وحركات نسوية، وأقليات جنسية، وشباب من أصول مهاجرة …

كل هذه المظاهر ليست منفصلة عن بعضها البعض. إنها بلا شك تشهد على أزمة تهز أسس المجتمع على جميع المستويات (من الفرد إلى المؤسسات والمجتمعات). الهوية، عندما لا تشعر بالتهديد، لا تكون موضع تساؤل؛ إنها تؤكد نفسها بوضوح هادئ. ولكن، وفي اللحظات التي تكون موضوع شك وتساؤل، تصبح أمرا إشكاليا. إن حالة عدم اليقين والهشاشة التي تؤثر عليها هي أعراض “توعك في الحضارة” تُقوِّض النماذج والقيم والمعايير التقليدية والمؤسسات التي تدعمها. يظهر الزوجان والأسرة والمدرسة وعالم العمل ونظام العدالة تصدعات عميقة تترك الفرد قلقًا وعاجزًا.

يؤثر عدم الاستقرار الهوياتي على المهنة والتوظيف وكذلك الروابط العاطفية والعائلية، ويعيد الفرد إلى نفسه ويشعر بالارتباك وعدم الاستقرار. يحل “الصراع على الأماكن”، محل الصراع الطبقي. كما لو كان على الجميع القتال بلا هوادة للدفاع عن وجود شخصي واجتماعي يكون دائما غير مؤكَّدٍ ولجعل الآخرين يعترفون به. تصبح المنافسة على الوجود والظهور محركا للحياة الاقتصادية والاجتماعية -من التعليم إلى النجاح المهني؛ حتى أنه يصل إلى المجال العاطفي والجنسي. وهكذا تظهر قضية الهوية في قلب التغيرات النفسية والاجتماعية والثقافية التي يمر بها العالم اليوم. كما أعلن المحلل النفسي إريك إريكسون في عام 1968 ببصيرة كبيرة: “أصبحت دراسة الهوية مركزية في عصرنا مثلها مثل الجنس في زمن فرويد”.

تولَّت الفلسفة أولاً الأسئلة التي تطرحها الهوية. في الواقع، التقليد الفلسفي قديم في موضوع الهوية، حيث أن فلاسفة ما قبل سقراط، مثل هيروقليطس وبارمينيدس في مطلع القرن السادس والقرن الخامس قبل الميلاد كان لديهم بالفعل مفهوما للهوية مركزيًا في تفكيرهم. وفي العصور الوسطى، تم استخدام مصطلح الهوية للتعبير عن التطابق مع الجماعة، استخدم التجريبيون لاحقا، في القرنين السابع عشر والثامن عشر، هذا المصطلح لطرح مشكلة الهوية الشخصية. واجه جون لوك، على وجه الخصوص، مسألة وحدة الهوية الشخصية بمرور الوقت، والتي حَلَّهَا من خلال افتراض أن الشخص هو وعي ذاتي متجسد قادر على مراعاة المراحل المتعاقبة لوجوده. نقل فرَيدريش هيجل في القرن التاسع عشر، مسألة الهوية إلى مجال العلاقات الاجتماعية. حيث تَنْتُج الهوية من الاعتراف المتبادل بالذات والآخر، وتنشأ من عملية صراع يتم فيها بناء التفاعلات الفردية والممارسات الاجتماعية الموضوعية والذاتية.

تم إثراء مسألة الهوية في القرن العشرين بفضل تطورها في مختلف مجالات المعرفة. يأخذ علم النفس على وجه الخصوص المفهوم ويضع قبل كل شيء التركيز على الفرد. بالنسبة إلى سيغموند فرويد والتقاليد الفرويدية، يتم بناء الهويات في الصراع: بين هوية الذات وهوية الآخرين من جهة؛ بين الحالات المختلفة للفرد التي هي الهوية والأنا والأنا العليا، من جهة أخرى. إن إريك إريكسون هو قبل كل شيء من يلعب دورًا مركزيًا في تداول مصطلح الهوية وفي الحماس الذي يلقاه في العلوم الاجتماعية. كان محللًا نفسيًا من خلال التدريب، وتواصل مع المدرسة الثقافية الأمريكية، ولا سيما مع كتابات أبرام كاردينر ومارجريت ميد. يسعى علماء الأنثروبولوجيا هؤلاء إلى ربط الخصائص النفسية للأفراد والتعبيرات الخاصة للثقافات التي يتطورون بداخلها. تأثر إريكسون بهذا الأعمال وحاول تجاوز النظرية الفرويدية في كتابه Enfance et société، الذي نُشر عام 1950، من خلال التأكيد على دور التفاعلات الاجتماعية في بناء الشخصية.

ماذا نعني عندما نتحدث عن الهوية؟
هل الاستخدام الواسع والشامل لهذا المصطلح “الهوية”، سواء في الخطاب اليومي أو في مجال العلوم الإنسانية، لا يزيده غموضا؟ في الواقع، ليس من السهل إعطاء تعريف بسيط. تكشف نظرة سريعة على القاموس الفرنسي بالفعل عن كل هذه التعقيدات. نقرأ في الواقع (في قاموس روبرت): الهوية “طابع، صفة أو خاصية ما هو متطابق” لـ “موضوعين فكريين متطابقين”، لا بل متشابهين. الهوية “صفة أو خاصية لما هو واحد” لا بل الاتحاد نفسه. الهوية الشخصية: “طابع أو خاصية ما يظل أو يبقى مطابقا لنفسه”؛ الهوية “حقيقة أن الشخص هو ذاك الفرد الذي يمكن التعرف عليه على هذا النحو” (وثيقة الهوية …).

ندرك، من خلال هذه القراءة البسيطة، أن الهوية تجمع بين الوحدة والتفرد والتشابه والاستمرارية والاعتراف (هوية الشخص الذي يَتَعَّرف على نفسه وعلى الآخرين). قد تبدو بعض هذه السمات متناقضة، مثل التفرد والتشابه، مما يعكس حقيقة أن كل فرد هو فريد أو وحيد بحد ذاته ومتشابه مع الآخرين. تُظهر هذه التعريفات أيضا أن الهوية تقدم جانبا موضوعيا: وهو ما يشار إليه في وثيقة الهوية (البطاقة أو دفتر سجل الأسرة): تاريخ ومكان الميلاد، والأصول، والطول، ولون العين … الكثير من الخصائص الدائمة التي تسمح بتحديد هوية الفرد دون التباس (إلى جانب أمور أخرى متغيرة مثل الحالة الاجتماعية، والمهنة، ومكان الإقامة، وما إلى ذلك). كما تُقدِّم الهوية وجها ذاتيا: الوعي الذي يتمتع به كل شخص لكونه على طبيعته، وبأنه فريد من نوعه والبقاء على حاله طوال حياته.

إن ما يظهره القاموس بشكل أقل هو أنه يمكن تطبيق المفهوم على الفرد، ولكن أيضا على الفئات أو المجموعات أو المجتمعات؛ لذلك نتحدث عادة عن الهوية الأنثوية، والهوية المهنية، والهوية الوطنية … وبالتالي فإن الهوية فردية وجماعية، وشخصية واجتماعية؛ وفي الوقت نفسه، تعبر عن تفرد وانتماء “المجتمعات” (ما هو عائلي، محلي، عرقي، اجتماعي، ايديولوجي، طائفي، وما إلى ذلك) التي تستمد كل منها بعض خصائصها من هذه المجتمعات.

ومن ناحية ذاتية، الهوية هي أولاً وقبل كل شيء معطىً لوعي فوري (“أنا أكون أنا”/أنا هو أنا)، حيث يشير اضطرابها إلى اضطراب عقلي خطير (تبدد الشخصية أو اختفائها). لكنه يترجم أيضا حركة انعكاسية أحاول من خلالها أن أتعرف على نفسي، لأعرف نفسي (“من أنا؟”)، للبحث عن تماسك داخلي، واتساق وكمال للوجود، ليتوافق مع ما أريد. أن نعمل على مقاطعة ومشابكة ما أريد أن أكون وما أصبحت عليه. لذلك فهي، في الوقت نفسه، حالة أو وضعية وحركة، إنجاز ومشروع، واقع وافتراض.

تُظهِر هذه الملاحظات القليلة تعقيد الظاهرة التي ندركها بالفعل أنها تميل إلى الجمع بين عناصر متناقضة: التفرد والتشابه، والفرد والمجتمع، والديمومة والتغيير، والموضوعي والذاتي والسكون والحركة …إذا ظهرت الهوية للوهلة الأولى كمرجع أساسي (كل ما يشكلني في فرديتي، كل السمات التي تحددني)، فإنها تكشف عن نفسها في التحليل كعملية ديناميكية تميل إلى التوفيق بين الأبعاد المتناقضة التي تجمع لبناء الذات وتطورها. هذه العملية نشطة بشكل خاص أثناء الطفولة، ولكنها تستمر طوال الحياة.

About Post Author

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى