عصير ثقافي

لندن .. التي لم أحبها يوماً

حين كنت أخرج من غرفتي اللندنية في فندق بسيط يطل على شارع هولاند، سكني الذي لم يكن حميماً، حيث أمارس فيه طقوس كتابتي في الصباح، بالقرب من منزل ت.س إليوت، لم تلوح لي يد ولَم ألوح لأحد، شهور تجاوز عمرها السنة والنصف لم تمنح لندن قلبي الفرح بالمكان، أدخل تلك الحديقة التي لا أعرّف أسماء أشجارها، وأقرأ اللوحة المتحدة بجدارها: عن أولئك الذين تحالفوا لصد هجوم الألمان. وأنا لست طرفاً في صراع الأشرار. فلا أحتفل بنصر تشرشل، ولا آسف على هزيمة هتلر. حاولت أن أحاور الأشجار مرات ومرات، ظننت بأن الأشجار هنا لا تسمع، ثم علمت فيما بعد بأنها لا تفهم لغتي، ولا بوح روح الشرق الساكن مهجتي.
المشرد الملتحي المتنعم بأوساخه المقيم في بيت على الرصيف والمكون من فرشة ولحاف وسماء ممطرة في أغلب الأوقات، علبته دائماً فارغة. ورغم أني في كل يوم ألقي عليه التحية وجنيه استرليني لم أسمع منه كلمة شكر.
في كل مرة أصل الشارع الملكي متجاوزاً محطة همر سميث أتساءل: لماذا تكتظ الأرصفة بالكهول وأين هم اليافعون؟
أدخل البوب. وحدي من يدخل البوب ببزة وربطة عنق، هنا يظهر الإنكليزي بكل انعزاليته عن الآخرين.
النادلون كلهم مهاجرون: الأسود والأصفر والأبيض القادم من بلاد كانت تحتفل بالمنجل والمطرقة وأعياد النصر على الإمبريالية وثورة أكتوبر الروسية، وعيد العمال العالمي.
حين كنت أصادف من ينطق الروسية من النادلين تنفرج أسارير وجهي، ويستيقظ حنيني إلى سان بطرس بورغ، لكن بوتين يفسد عليّ شعوري بالفرح فهو قاتل أحلام السوري بالحرية،
ومع ذلك لم يستطع هذا الوحش الروسي أن يمحو من روحي قلب الشعب الروسي الحميم.
أتأمل البيوت المتراصة كلما زرت صديقي الشاعر السوري النبيل نوري الجراح في منطقة أكتون تاون، والخالية من أحفاد المستعمرين لبلادي، وأتساءل أين رحل سكان هذا الحي من أهل البلاد، لماذا تركوه للقادمين الطامعين بحرية ورغيف؟
حين كنت أعود من جولتي المسائية، أعود لقلمي وأوراقي وأكتب كرهي وحبي، وتأملاتي. وندمي، بانتظار العودة إلى دبي، التي أغلقت سماءها بسبب الكورونا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى