رأي

الهوة بين دوافع بناء طائفةٍ وبناء أمة

العلمانية ليست واحدة. كل أمة وصلت إلى علمانيتها أو اختارتها على ضوء ظروفها الموضوعية والذاتية. علمانية فرنسا اللائكية لا تشبه علمانية إنكلترة التصالحية وكذلك علمانية أمريكا لا تشبه الإثنين معا. أتحدث هنا عن الأخيرة. معروف أن المهاجرين الذين بنوا أمريكا كانوا بالأساس من البروتستانت المضطهدين في أوروبا وإنكلترا لا يهم فأنا لا اريد أن أجعل نفسي خبيرا بالأديان إنما أريد أن أشير إلى التالي: نورث فرجينيا اختارت في البداية أن تكون ولاية إنجيليكانية ومع كل ما يعنيه هذا العنوان الديني من إسقاطات دستورية وقانونية سياقية.

هنا دخل (جيفرسون) أحد أبرز الآباء المؤسسين وكاتب إعلان الاستقلال، دخل على خط الشروع التأسيسي للولايات المتحدة الأمريكية وقال لهم: “نعم نحن معكم وقد عانينا جميعا من الاضطهاد الطائفي في المجتمعات التي هاجرنا منها ويعني ذلك أن الأغلبية قد أبحرت في قارب المظلومية المذهبية، لكن دعوني أخبركم أن المظلومية قد تبني طائفة ولكنها لا تبني أمة. إذا أردتم أن يكون لكم مكانٌ في صنع التاريخ فلا تنتصروا على بعضكم بل انتصروا لبعضكم ببعضكم. أما ردكم على المظلومية بمظلومية فهو رد فعل على فعل، والتاريخ لا تبنيه ردود الفعل وإنما تبنيه الأفعال.”

ذهب جيفرسون إلى الكونغرس واستحصل موافقته على أن تكون أمريكا علمانية فتلك كانت في رأيه البوابة التي ستدخل إلى نفسها وإلى العالم والتاريخ ولتتحول إلى أقوى أمة. وعادت فرجينيا الشمالية عن عنوانها ودستورها الإنجيليكاني لكي تكون ولاية علمانية ديمقراطية.

أين مربط الفرس؟ من أمريكا جيفرسون إلى أمريكا بوش الابن.
أعلم أن هذا الأخير قد قرأ جيدا تاريخ أمريكا وأهم ما قرأ في ذلك التاريخ أن المظلومية قد تصنع طائفة لكنها لن تصنع دولة أو أمة أو وطن فلماذا إذن أصر إصرارا وألح إلحاحا على أن يكون دستور العراق بعد الاحتلال عبارة عن دستور مظلوميات؟

وقبلها لماذا أصر إصرارا وألح إلحاحا على أن يجري تجميع معارضي نظام صدام على أساس طائفي وعنصري.
لماذا لم ترِدْ لنا أمريكا بوش ما أرادته لنفسها أمريكا جيفرسون.

يوم بدأت مقالاتي ضد الطائفية تماما بعد الاحتلال كانت العبارة التي كنت أرددها في الكثير من تلك المقالات : أيها الشيعة لا تنتصروا على السنة بل انتصروا بالسنة ويا أيها المسلمون لا تنتصروا على المسيحيين بل انتصروا بالمسيحيين فذلك وحده هو نوع النصر الذي يصنع وطنا.

يومها لم أكن قد قرأت عن جيفرسون وقصته مع التأسيس لكني على ثقة أن بوش الابن كان قد قرأ. لكنه بدل أن يختار لنا ما اختاره جيفرسون لأمريكا فقد اختار لنا بلدا يمزقه فكر المظلوميات حيث الطائفة الأكبر تنتصر على الأصغر منها فتخسر نفسها وتخسر وطنها تماما عند نقطة البداية.

شكرا موفق الربيعي. شكرا أحمد الجلبي. شكرا عبد العزيز الحكيم. شكرا جلال الطالباني. شكرا مسعود البارزاني. شكرا يوناديم حنا.

شكرا لجميع الآباء المؤسسين لدولة العراق الديمقراطي.

وقبلكم جميعا.. شكرا كبيرة لراعي فكر المظلوميات بوش الابن الذي انتصر للشيعة على السنة وللمسلمين على المسيحين وللكرد على العرب فأقام لنا مجتمع طوائف وعنصريات ليس في قدرته مغادرة مساحة الصراع على السلطة إلى مساحة بناء وطن ودولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى