عصير ثقافي

شنتاية الحجة!

في منتصف التسعينيات وقبل أن أغادر سوريا بيوم قالت لي موظفة مكتب السفريات:
– مسموح تاخد معك 20 كيلو بس.

لكن أمي لم تقتنع بهذا الكلام فهي تريد لحقيبتي أن تحمل كل شيء وكلما تتذكر شيئا آخر تعود إلى المطبخ وتجلبه بينما أخي الصغير على السقيفة يناولها الأكياس.

تقول أمي إن تلك البلاد باردة وليست جميلة لأن الإنسان يعيش فيها غريبا مدى الحياة، تقولها وهي تضغط الثياب السميكة في حقيبتي بينما خالي يحاول رفع الحقيبة عن الأرض، يرفعها لعدة ثواني ويقرر أنها أربعين كيلو.
أنا محمد زادة أنجبتني أمي في البيت على يد الجارة مريم العبدو المنحدرة من ريف الطبقة وتلقفتني عمتي برفق وهمست في أذني الشهادة ولم أرَ والدي إلا بعد شهرين حيث كان ينتظر حمولة عكسية من البصرة إلى حلب ليتسنى له رؤيتي وحين كبرتُ سامحته على التأخير وحين مات أبي وأنا في الثالثة والعشرين سامحته على الخطأ الوحيد الذي ارتكبه في حقي حين أنجبني في تلك البلاد الساحرة واللعينة.

أنا محمد ولا فضل للوطن عليّ وعندي وثائق تؤكد على أنني غادرته بحقيبة وزنها أربعين كيلو فقط ودفعت ثمن الوزن الزائد أيضا وجعلت أمي تبكي لأول مرة أمام الغرباء في مطار حلب ومضيت وفي رأسي أطنان من الحمولة الزائدة لم يسجلها ميزان المطار، وفي رأسي أيضا دمعٌ يكفي غابة وحزن يكفي أن يحلّ كلعنة آلهة على مدينة كاملة ،وفي رأسي صور وأيام وعشرات الأحلام التي لم تتحقق وأسئلة متعبة وفي رأسي أيضا امرأة وزنها ثلاثة وسبعين كيلو من الوحشة والبريق وفي رأسي أنا الخيبة التي صار عمرها خمسة وعشرين سنة، والوصايا وكلام الأهل والأقرباء .

أنا محمد زادة ضيّعت سنينا في مدارس الوطن لم أحفظ جدول الضرب لكنني حفظت ملامح الرئيس المعلقة صوره أعلى السبورة واستطيع بسهولة رسم ادق تفاصيله الآن، وسامته والوحش الذي خلفها، ثباته والخوف الذي في عينيه وأستطيع رسم كل بشاعة العالم في صورة وأكتب أسفلها… (سيدنا الرئيس)

أنا محمد الهارب خدمت في جيشك الباسل ثلاثة أعوام كاملة دفعتها من شبابي ومستقبلي وكنت سأكون أول شهيد لو أن هناك حرب لأنني بالفطرة إنسان مجنون اندفع دائما بكل طاقاتي نحو الهلاك.

غادرت سوريا وتلك الصور القاسية لم أستطع العمل عليها ولم أستطع تجاهلها فابتليت بها كل هذه السنوات، صور رجال الأمن وهم يرهبون الناس في الشوارع يضربون الرجال امام اعين الاهل والجيران من نساء وأطفال يفعلونها في العلن ليصير عبرة للغير.. إنها صور في رأسي تعود لمنتصف التسعينيات لدولة خائفة من شعبها أوهمتهم بفكرة الأعداء وكان عدوّها الوحيد هو المواطن ومرّت السنون وصار رجال الأمن يقتلون الناس في الشارع يقتلونهم بترخيص دولي بل وينشرون صور الضحايا ملصقين بهم تهمة الإرهاب.

سيدنا الرئيس مات مليون سوري ولم يمت الإرهاب فما هو الإرهاب.

أنا محمد الزفت السيء الحظ أكلتني ذئاب الغربة وسكنني البرد وقتلني ولا شيء يشعرني بالدفء حتى الثياب السميكة التي ضغطتها أمي في حقيبتي صارت فضفاضة علي، قضيت أجمل سنيني بعيدا وسافرت كثيراً في بلاد الاغتراب، حملت الكثير من الحقائب لكن أثقل حقيبة حملتها كانت تلك التي رتّبتها أمي لي وكأنها كانت تعرف يومها بأنني لن أعود .

Latest posts by محمد زاده (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى