رأي

الثورة التي لم تنس عبد العزيز الخيّر

موقفان لسورية الحقيقية

هناك عدد كبير من “المحسوبين” على اليسار السوري، بشقيه الرسمي والمعارض، يعتبرون أن الثوار والمعارضين قد نسوا، أو تناسوا عن قصد، أحد أهم المناوئين للأسد ونظامه القمعي الديكتاتوري: عبد العزيز الخيّر!

ومن هؤلاء عماد هاشم، الذي كتب مقالاً تحت عنوان “عن الثورة التي نسيت عبد العزيز الخيّر” في موقع “رصيف 22” (الأربعاء 23 مارس 2016)، قال فيه: “لعلّ نسيان معظم أوساط الثورة السورية للمناضل عبد العزيز الخيّر هو خير دليل على مأزق هذه الثورة لا بل على مجموعة علل تكوينية رافقتها منذ خرجت في وجه نظام ظالم.

الخيّر الذي نسيته الثورة السورية، ما عدا قلّة قليلة من رفاق دربه المقرّبين وقلّة أقل من الجمعيات الحقوقية، هو معارض يمتلك إحدى أبرز السير الذاتية في معارضة النظام إن لم تكن الأبرز على الإطلاق”. وأضاف رافعاً وتيرة هجومه: “هذا الرجل جاء بعض فراخ الثورة السُذّج، الحديثي العهد بالمعارضة، ليتهموه بالتواطؤ مع النظام وبخيانة الثورة. ولا يزال حاضراً بأسى المشهد المؤلم لتعرّضه للضرب والرشق بالبيض والبندورة في القاهرة حين كان عضواً في وفد (هيئة التنسيق الوطنية) الذي حاول الدخول إلى مقرّ جامعة الدول العربية تلبيةً لدعوة وُجّهت إليه. حينذاك تفاخر الفراخ السُذّج الذين سُمّوا، على دارج التسميات آنذاك، بـ (تنسيقية الثورة السورية في مصر)، بفعلتهم وبأنهم أسالوا دماء المعارضين غير المرضي عنهم في أوساط المجلس الوطني السوري”.

ومن ثم يؤكد بأن “نسيان عبد العزيز الخيّر يعني أيضاً تجنّب التيار الأبرز في المعارضة الحديث عن العلاقة بين الطوائف وبالتحديد العلاقة بين العرب السنّة والعلويين، وربما هو ليس تجنّباً بل عدم أهلية للتطرّق إلى أبرز قضايا المجتمع السوري”. وفي الأخير يهاجم طريقة تعاطي هذا التيار المعارض مع العلويين، متهماً إياه بالجبن والتواطؤ مع النظام السوري على محو أثر عبد العزيز الخيّر من التاريخ السياسي المعاصر لسورية ومن ذاكرة السوريين، وذلك لأنه: “لم يجرؤ على الوفاء لسيرة هذا المناضل لسببين، الأول هو أنه يربّي قاعدة ولاء طائفية محصورة بأبناء المكوّن العربي السنّي الذي لا يحب الحديث عن أي شيء علوي إلا إذا كان يمكن وصفه بالشيطان، والثاني لأن الخيّر هو نقيضه فهو الانفتاح في مقابل الانغلاق على الطريقة البعثية”.

يستشف القارئ من هذه الكلمات بأنه تم نسيان ابن القرداحة عبد العزيز الخيّر بسبب فكره اليساري المختلف عن السائد، وطائفيته العلوية غير المرغوب بها ثورياً، لاسيما من “المجلس الوطني السوري”، لأنها اصطفت في غالبيتها مع ابنها الأسدي المجرم؛ لكن هذا ليس صحيحاً تماماً، فمواقف ذلك “المجلس” وغيره من الأجسام السياسية السائلة لا يمكن الأخذ بمواقفها، واعتمادها ممثلة بالمطلق للثوار والمعارضين السوريين جميعاً. إضافة إلى اعتبار مواقف “هيئة التنسيق الوطنية” المطالبة بالتغيير (أي تغيير؟) عد انهزامياً حينها بالمقارنة مع المواقف الأخرى التي رفعت سقف مطالبها حتى “إسقاط النظام” كلياً؛ وهي محقة تماماً في ذلك، لأن هذا النظام المافيوي هو أساس كل مشاكلنا وكوارثنا ومآسينا…

اليوم، ورغم مرور أكثر من عشر سنوات على انطلاق ثورة الحرية والكرامة، ما زال الثوار الحقيقيون يتذكرون المناضل الشيوعي البارز عبد العزيز الخيّر وغيره ممن وقفوا في وجه جلادي سورية من آل الأسد وغيرهم. وفي هذا الصدد سأذكر موقفان بسيطان ربما لم يثيرا انتباه أحد، وقد قاما بهما أناس عاديون يمثلون روح الثورة السورية الأولي الأصيل:

الموقف الأول يتمثل في رفع صورة الدكتور عبد العزيز الخير بإحدى المظاهرات المخصصة للذكرى العاشرة لانطلاق ثورة الحرية والكرامة- التي جرت وسط ادلب عاصمة تنظيم القاعدة في الشام – من قبل ثائرة حرة جميلة مكشوفة الوجه؛ وهذا في ذاته يحمل تحدياً واضحاً وصريحاً للفكر المتطرف الإلغائي الذي شوه وما زال يشوه الثورة؛ وهو لا يقل جرأة عن أي عمل آخر مناهض للأسد حتى في عقر داره القرداحة!

الموقف الثاني ظهر أثناء مطالبة أهالي درعا بالإفراج عن عبد العزيز الخيّر في إطار المفاوضات غير المتناسبة التي جرت بينهم وبين الضباط الروس وممثلين عن العصابة الأسدية منذ فترة قريبة، على الرغم من كل الأفعال الشائنة والتصرفات التشبيحية لابنه مجد المقيم في فرنسا. وقد أشاد فراس رفعت الأسد بالأمر حينما كتب على صفحته في “موقع فيسبوك” (30 يوليو 2021): “هذه الصورة في حد ذاتها – بغض النظر عن موافقة النظام – هي صورة مذهلة في روعتها أن يطالب أبناء درعا بالإفراج عن أبناء القرداحة في الوقت الذي يحاصرهم فيه النظام ويجوعهم ويقتلهم ويقصفهم بكل أنواع الأسلحة!”.

أظهر هذان الموقفان النبيلان المعدن الحقيقي للسوريين، والذي ما زال يلمع رغم كل الصدأ الذي أصابه بالتشويه والضعف والهشاشة… إنهما يحملان في طياتهما مدلولات عظيمة، ويدلان على أن الثوار لم ينسوا عبد العزيز الخيّر، لا في الشمال ولا في الجنوب؛ على عكس أبناء مدينته القرداحة الذين غضوا الطرف ولاذوا بالصمت الطويل، رغم كونه سليل أسرة علوية عريقة!
إن مطالبة الثوار بالإفراج عنه ما هو إلا فعل راق يحمل رسالة وطنية بليغة، ويمثل تعبيراً حقيقياً للمبادئ والأسس والأهداف الواضحة، التي انطلقت منها “ثورة كل السوريين” بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والقومية والعرقية والطائفية والمذهبية…

الخيّر شخصية معارضة من الطراز النضالي الأصيل؛ فقد اعتقلته أجهزة الأسد الأب الأمنية أول مرة في عام 1992 بسبب الانتماء لـ “حزب العمل الشيوعي” الممنوع والمحظور؛ وبقي في السجن حتى عام 2005. ومن ثم ألقت مخابرات الأسد الابن الجوية القبض عليه مع رفيقيه إياس عيّاش وماهر طحّان، فور وصولهم إلى دمشق في أعقاب زيارة إلى الصين كممثلين عن “هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي” في 20 أيلول/سبتمبر 2012. وما زال مصيرهم مجهولاً حتى الآن، إذ ترفض سلطات الأمر الواقع في دمشق الاعتراف باعتقالهم واحتجازهم، بينما صرحت وكالة الأنباء الأسدية “سانا” بأنهم اختُطفوا على أيدي “جماعة إرهابية”؛ من أجل رفع المسؤولية عن أمنهم وسلامتهم!

كتب ماهر الجنيدي عن عبد العزيز الخير في ملحق “جريدة الحياة” اللندنية بتاريخ نيسان/أبريل 2013 بأنه: “يمثل حالة استثنائية مهمة في تشكيل (صورة) الصراع الديمقراطي مع النظام. ليس فحسب لكونه سليل أسرة علويّة وجيهة تحظى باحترام واسع في الطائفة ومنطقة الساحل السوري، وليس فقط لأنه ابن مدينة القرداحة معقل آل الأسد، بل ولأنه بهذا كلّه مثّل نموذجاً قادراً على أن يميط اللثام عن جوهر طائفية النظام من جهة، ويمتلك مقوّمات يمكنها أن تعرّي من جهة أخرى أي صبغات طائفية في المعارضة، وخصوصاً ضمن الطائفة ذاتها”!

أجل، هو رمز من رموز مقارعة الظلم والاستبداد الأسدي، وقد سدد فاتورة اعتقال غالية من حياته، ونحن – أبناء هذه الثورة الحقيقيين والذين دفعنا مثله ثمناً غالياً لمشاركتنا فيها – نفتخر به كما نفتخر بحجي مارع وأبو بصير والعقيد أبو فرات والساروت وفدوى سليمان ورزان زيتونة… هؤلاء وغيرهم هم أبناء “سورية العظيمة وليست سورية الأسد” – على حد تعبير جوهرة ثورتنا مي سكاف – سورية الخالية من الكراهية والحقد والبغض والانتقام… إنه يمثلنا خير تمثيل، فيكفي أنه رفض منصب وزير الخارجية الذي عُرض عليه من قبل السلطات الأسدية، حسبما ذكر المحامي حسن عبد العظيم، المنسق العام لـ “هيئة التنسيق الوطنية” في لقاء أجراه معه “موقع جيرون” في 4 نيسان/أبريل 2019!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى