إشكالات مجتمعية

ابن بطني..

يَخْلعُ مَلابِسهُ بِكلِّ حُريّةٍ يَتَحَسَسُ جَسدَهُ الْغضَ الأَبيضَ الذي يُشبِهُ إلى حَدٍ كَبيرٍ جَسدَ النّساءِ ، لا يَكتَرثُ للجوِ البارِدِ ولا للسَعاتِهِ ، يُجَهزُ الْموقِدَ بأرضِ الدّارِ الْعاليةِ ، بِشغفٍ وكأَنّهُ عَروسٌ في يومِ عُرسِها ، يَتفقدُ تَعرجاتِ 7وطياتِ جَسدِهِ الْمُمتلِئ تَحتَ أَشِعةِ الشَّمسِ ، يَسكبُ الماءَ الحارَ فوقَ وِرْكيْهِ الْمُكتنزَينِ لَحمًا أَبيضًا غَضًا ، لا يُغطي هَذا الْجَسدَ شَعْرٌ ولا بُثورٌ فَقطْ في مَلامِحِ وَجْههِ تَحتارُ في تَصنيْفِهِ بينَ الذَّكرِ والأُنثى ، لِسوءِ حَظِهِ الْعاثِرِ أَنَّهُ وُلِدَ في قَريةٍ صَغيْرَةٍ ، فيها سَطوَةٌ للعائِلةِ والقَبيلةِ والشَّاربِ وَمَظاهرُ الرُّجولةِ والتَّباهي بِها ،وَلِسوءِ حَظِهِ أيْضًا أنَّهُ وَحيدُ بين ثلاثِ فتياتٍ لأمٍ مِسْكينَةٍ تَرتِقُ حُزنَها عَليهِ بالدُّعاءِ كَما تَرتقُ ثيابَهُ التي تُخيْطَها لهُ كَرَجُلٍ ناضِجٍ.

يَتَجمعُ أَمامَهُ المارةُ شَبابٌ يَضحكونَ بأَصواتٍ عاليةٍ وَيَنعَتونَهُ بأَقذرِ صفاتِ العُهِر ويَطْلبونَ أَنْ يُمارسون الْجِنسَ مَعَهُ، تَخرجُ والدَتهُ مُسرعةً لِتَلفُهُ وَهيَ تُبعِدهُ عَنْ أَعينِ المارَةِ والدَّموعُ تَسبقُها، تَرفَعُ صَوتَها بالدُّعاءِ عَلى نَفْسِها بالْموتِ كَي تَرتاحَ مِنْ هَذا الْحِمْلِ، لَمْ يَخطرْ ببالِ أَحدٍ أَنْ يَتعامَلَ مَعهُ كَحالَةٍ تَحتاجُ الرِّعايَةِ والاهْتمامِ، صَبَّ الجْميعُ جَامَ غَضَبِهمْ عَليهِ، في الأَحاديثِ الْمَسائيَّةِ كانَ يَتناولُ أَهلُ الْبلدةِ الْحديْثَ عَنهُ كَما يُفَصفِصونَ الحَّبَ الشَّمسي.

ارتأى شَيخُ الْعائِلةِ أنَّ هَذا الرَّجلَ الْأُنثى عارٌ على اسمِ الْعائِلةِ فاجْتمعَ بَمنْ يَعتبرونَ أنْفُسهمْ عليةَ الْقومِ بِشوارِبهمْ الْمَفتولةِ ، وَسَراويْلهمِ الْواسِعةِ يَهرشونَ ما تَهدَلَ مِنْ قُضْبانِهم الْمُتوثِبةِ غالبًا ، فاقْترحَ كبيرهُمْ أنَّهُ يَجب عَليهِم تَزويْجَهُ وَصَدرَ الأَمرُ وَطَلبَ مِنَ الأُمِّ تَنفيذِهِ عَلى وَجْهِ السُّرعَةِ لأنَّ الأبَّ مُقْعدٌ كَسيحٌ يَلوكُ الْكلماتِ في فَمه الْمُرتَخي حَتى لا تَفهمُ مِنهُ شَيئًا ، فَقطْ يَستَمعُ وَيتناولُ منديْلًا بِصعوبةٍ لِيَمْسحَ دَمعَهُ الْمُنْهَمرَ حَسْرًة.

وكَدَجاجَةٍ حائِرةٍ تَعُضُّ الأمُ ثَوبَها الفَضفاضُ بينَ أَسْنانِها وَتَدورُ على بيوتِ أَقارِبِها تِسأِلهُمْ الْمُساعدَةِ حَتى تُخبرها جوليا زَوجَةُ الْمُختاِر بِتعالٍ وَكِبَرٍ وَسُخرِيَةٍ وَعَطْفٍ (طَلبكُ عِندي أَنا كَبيرة هالعيْلة وأنا بحب ساعد الْمساكين مثلك في بنت يتيمة طول بعرض بجمال عمها بس بدو يزوجها وزوجة عمها ما بتطيقها).

تَردُّ الأمُ بتوسلٍ: (أي الله يخليلنا اياكي ويطول بعمرك طول عمرك انت وزوجك مفضلين على الكل). تَبتسمُ جوليا ناظِرةً إلى النِّسوةِ اللواتي تَجمَّعنَ في صالَتِها الْكبيرةِ وَتَهزُّ رَأْسَّها وَتُشيرُ إليْها أنْ تُغادرَ وتطلبُ مِنْها أنْ تَأتي غدًا لِتعرفَ ما حدثَ في طَلبِها.

خِلالَ أسابيعٍ قليلةٍ كانتِ الفتاةُ اليَتيمةُ كالْمُهرةِ تَقفُ بِرقبةٍ جَميلةٍ طويْلةٍ وَعينينِ واسِعتينِ يُخالِطهُما لونٌ تُرابيٌّ يَمتزجُ بِغسقٍ يَقتربُ مِنَ الْعَتمةِ السَّاحِرةِ لكنَّ نَظرةَ الانْكسارِ تَعلو جَبْهَتها، وَقدْ أُجْبِرَ الْعريسُ (نبيل) عَلى ِلبسِ بدلةٍ سوداءَ وقميصِ أبيضَ وَربْطةَ عُنقٍ أنيْقةٍ ، بَدا كأنَّهُ امرأةٌ جميلةٌ بوجهٍ مُدورٍ وعينينِ صَغيرتَينِ وَخُدودٍ مُكْتنزةٍ باللَّحمِ وَمُحْمَرّةٍ كَلونِ الشَّمندرِ. يحاولُ الهربَ فَتُمسكهُ أُمُّهُ كُلَّ حِينٍ وَتعُيدهُ إلى الْعُرسِ الذي كانَ ممتداً لأيامٍ وليالٍ وقدْ باركَ الْمُختارُ وأَهلُ الضَّيعةِ بكثيرٍ مِنَ الْغمزِ واللَمزِ فيما بينهم، وَكانتْ لا تَخلو التَّعليقاتُ بينَ النِّساءِ اللواتي تَفوحُ مِنْ شُعورِهِنَ أنواعُ الزِّيوتِ الرَّخيْصَةِ والشَّبابِ الذين َرَسَمت دائِرةٌ منَ التَّعرقِ على قُمصانهم بَعدَ الدَّبكةِ والتَّلامسِ والابْتساماتِ الموزعةِ وكان يَلحُ السؤالُ بينهم وبينهن.

(هل سيستطيع ان يدخل بها) ومنهم من كان يعلق (ليك شو محظوظ هاي بدها فحل) ومِنهم منْ كانَ يَقرصُ خَديّ الْعريسِ الْمِسكين ويَقولُ لهُ (اذا ما عرفت نادي عليي).

————————————————————————-

سَمعنا في اليومِ التاَّلي صُراخَ الوالدةِ وقدْ جَلستْ تَعفرُ التُّرابَ فوقَ رَأْسَها وَتَصيحُ وَتَندبُ، تفَازَعْنا لِنعرفَ وسطَ هَذا الضَّجيج أنَّ الْعروسَ قدْ هَربتْ ولا أحد يَدري أينَ هيّ الأن وقد جلسَ نبيل بثوبٍ فوقي عَلى جَسدهِ الأبيضَ مُمسكًا بِسنارةٍ ويحيكُ مع ابتسامات يوزعها على الجميعِ دونَ اكتراثٍ بالعيونِ المُحدقةِ ولا بالدَّعواتِ التي تَتمنى لهُ الموت بسببِ العارِ الذي يُلحِقهُ بالْجَميعِ.

تَعودُ العائِلةُ الكبيرةُ للاجْتماعِ فقدْ ذاعَ صِيتُ نبيلٍ إلى القُرى الْمُجاورةِ لأنْ جارتهم ام حنا  قررت انه َ أنَّهُ يكشفُ الْمَستورَ لأنَّه يُقلبُ فُنجانَ القهوةِ الذي أَمامها وَحينَ سَألتْهُ ماذا يَرى أَجابَ بَأنَّ هُناكَ عاصفةٌ ثلجيةٌ قادِمةٌ وَبدأتْ فعلاً الرِّيحُ تَستجيبُ  وصارَ الْجميعُ يَتهافتونَ لدَعوتِهِ إلى بيوتِهم في السِّرِ حتى يَقرأ الْفناجين المقلوبةَ في صَواني الْقهوةِ والضَّحكاتُ والهمساتُ والانصاتُ لما يقولهُ بِدقةٍ ، لَكنَّ مِن الْكلامِ الذي وَصلَ لِمختارِ الْبلدةِ والْعائلةِ أنَّ نبيل يتمُ الاعتداءُ عليهِ جِنسيًا مِنْ قِبلِ شيخٍ كبيرٍ مَعروفٍ ولهُ قيْمتهُ وَسُمعتُهُ.

 تَهتزُ الشَّواربُ مَرةً أُخرى لمْ يُصدق أحدٌ الكلامَ عَن الشَّيخِ ، فَقطْ انْسَكبَ الْغَضبُ كَشلالٍ عَلى نبيل وَتمَ الاتّفاقُ عَلى اهْدارِ دَمهِ والْمُضحك الْمُبكي أَنهم طَلبوا مِن الأُم التي ماتَ زوْجها بِسببِ هذهِ الصَّدماتِ الْمُتلاحِقةِ بأن تُوافقَ عَلى اهْدارِ دَمّهِ ، بينَ جمهورٍ غَفيرٍ منْ رِجالاتِ العائلةِ تَقفُ كَمتهمةٍ في وسَطِ الْجموعِ تُحدقُ العيونُ كسياطٍ بها ، تُقاربُ بينَ رِجليْها بِجَسدِها القليلِ الصَغيرِ تَشعرُ بِرحْمِها يَنْتفضُ تُصبحُ الكلماتُ كالمطرِ لمْ تَعد تَنتبهُ لما يُقالُ هي تَرى شفاهاً تقَذفُ نتفَ اللعابِ والكلامِ تَغدو كأَرنبةٍ ، تتكورُ على رَحمِها تتذكرهُ بِطفولتهِ المُضيئَةِ ، بِكُتلةِ اللحمِ التي خَرجَتْ منْ بينِ رِجْليْها هيَ مَنْ قَذفَتْهُ للحياةِ وهيَ منْ سَمِعتِ الزَّغاريدِ حَولَها لأنَّها أنْجبتْ صَبياٌ والْمُباركاتُ تنهالُ عليها ، لقدْ كانَ طِفلًا جميلًا لقد حَملتْهُ بلهفةٍ وَلَقمَتهُ حَلمةَ ثَديها السَّمراءَ بافتنانٍ ، لقدْ سَكبَ حُبَّهُ في قَلبِها ، وَلَكنَّها في لحظةٍ تَستفيقُ وقدْ هَزَّها بعضُ الرِّجالِ من كَتِفها:

(عَطينا جَوابِك؟ شو؟)

(موافقة على اهدار دمه؟)

تَهزُّ رَأْسَها المُثْقلِ بِحمْلهِ بالمُوافَقةِ وَسَطَ الخوفِ منَ الْعيونِ التي تَنْهشُ اهْتزازَ شِفاهِها كَسيوفٍ تَقصُّ الْحروفُ من مَنْبَتِها فلا تَخرجُ، فَقطْ اكْتفت بِهزِ رَأْسِها.

خَرجَ الْجَميعُ ، لا تَعرفُ الْمَسافةَ التي قَطَعَتْها من بيتِ الْمختارِ لِبيْتِها كانَ هُناكَ شيءٌ يَشدُّ أَرْجُلَها للأَرضِ بِثقلٍ كأنَّها تُريدُ أنْ تَعودَ أدْراجَها لِتصرخَ في وُجوهِهم ( أيُّها المعتوهينَ إنّه ابْني ) ، للحظاتٍ أحَستْ أنَّ الشَّوارعَ فارغةً والبيوتَ بَحجارتَها السَّوداءِ تتحولُ لأشباحٍ تقتربُ منها ، تتكورُ على نَفْسِها عنْدَ حائطٍ قَريْبٍ تَدْفنُ رَأْسَها بينَ يديها وتُنزِلُ رَقْبتَها وتَختبئُ منْ كُلِّ ذلكِ ، الهدوءُ القاتلُ الذي خَيمَ عَلى كلّ شيءٍ جَعلَها هادئةً مُسْتَسلمةً ، للحظاتٍ لمْ تَدمْ طَويْلاً ، سَمعَتْ من كَرمِ الزَّيتونِ الْمُجاورِ لِبيتِها صوتُ ابْنها نَبيل يَصْرُخُ مُستغيْثًا بِها:

(إمي يا إمي يا إإإإإمي)

بِقوةِ بُركانٍ وَقفتْ وَعَضَّتْ ثَوبَها الطَّويْلَ ورَكضتْ كَما لَمْ تَركُضْ في عِزِّ شَبابِها، رَكَضَتْ تَدوسُ الحَصى بِقدميْنِ عاريَتيْنِ رَكضَّتْ تدوسُ سنينَ عُمرها السِّتينَ صوبَ الصَّوتِ الذي كانَ يَشقُ رَحْمَها،  تَقدَّمَتْ منَ الشّابينِ الذينِ تَعِرفْهُما جيدًا أنّهُما ابنُ الْمختارِ وابنُ عَمّهِ بِعضلاتِهما الْمَفتولةِ وَطولهِما الْفارعِ وشاربَيهِما الكثيفينِ فوقَ شفاهٍ تقذفُ لها أَبْشعَ الشَّتائِمِ ونبيل يَرزخُ تَحتَهما باكيًا يَصدُ ضَرباتِهما بكوعيهِ المتورمين ويِبكي مُتوسلاً فقط يُنادي عليها، انْقضتْ عَليهما كَلبوةٍ بِقوةِ مئةِ فارسٍ حَضنتْ وَلدَها وَصارتْ تَشتمهما.

(اتركوه يا ولاد الكلب هاد ابني— ابنيييي ابن بطني الي صرمايته بكل هالدنيا الوسخة وبشواربكم)

Latest posts by نبال النبواني (see all)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى