إشكالات مجتمعية

فخورةٌ بكرشي!

المرأة البدينة غارقة ما بين حقها بالعيش والحب والزواج والشعور بتقدير الذات اتجاهها، وأعباء النمطية المرسومة في أذهان الرجال بالمرأة النحيلة بل حتى ربط الجمال بالجسد، فبات تقييم النساء بناءً على مظهرهن وأعمارهن وألوانهن أكثر من قدراتهن، فلا تجد المرأة البدينة أو من تخطت عمر الخامس والثلاثين أو حتى داكنة اللون مكاناً لها في هذا العالم، فالجميع يبحث بالمرأة على صورة ” الباربي” تلك النحيلة الشقراء الصغيرة التي تمتلك عدد لا مُتناهي من الملابس لأن جسدها متناسق مثالي ” لمُدعين المثالية”.

أصبحت المرأة تُجابه ليس فقط المجتمع وقسوة معاييره، بل تواجه نفسها في كُل مرة تنظر فيها للمرآة وتضيع بسؤال:” لِمَ أنا هكذا، أنا لستُ جميلة، لا أحد سيرغب بي، من سَيُقبِل على الحب والزواج بفتاة مثلي” وتهلك بأسئلة لا إجابة مُرضية عليها، فتعذب نفسها بنفسها عبر أنظمة غذائية غير صحية قاسية، ومُعاناة شرسة مع الاكتئاب وانعدام الرغبة الجنسية خجلاً بجسدها لأن شكلها لا يُشبه باقي الفتيات النحيلات، فالمجتمع لا يتجاوب مع النساء البدينات ولا ينظر لهن على أنهن جميلات وهذا يُلحق أضراراً بصحتهن النفسية والجسدية.

كتاب أسطورة الجمال للمستشارة السياسية لبيل كلينتون ” نعومي وولف” قالت ” من الأساطير التي أطلقها المجتمع نفسه وصدقها المجتمع نفسه لتقييم الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص هي اسطورة الجمال. بل ويستخدمون صور الجمال ضد النساء وليس لصالحهن، فأكذوبة الجمال هدفها تقييد الحريات والحقوق التي نالتها المرأة في العصور الحديثة، حتى باتت القيود الاجتماعية التي كانت تُحاصر المرأة في العصور الوسطى تحت مُسمى المرأة الطيعة تحولت لجمال المرأة، ولاصقت وجهها وجسدها ولونها وعمرها، تحولت المرأة باحثة عن مكانتها في أجساد العارضات وملكات الجمال بل حتى مغنيات ونساء أخريات، أما سابقاً كانت المرأة تبحث عن قدرها و قيمتها بين المثقفين و الرسامين و العلماء و العازفين وكانت أيضاً تُقمع وتًهمش كما يحدث الآن تماما تحت مُسمى مُختلف”.

الإنسان البدائي لم يكن لديه الوقت للتجمل كان ينصب كُل اهتمامه بفكرة الصيد وجمع الثمار والتدفئة وإنجاب الأطفال، وذكر عالم الأحياء “ديفيد بينبريدج” في صحيفة “ديلي ميل” سنة 2018 ” كانت المرأة الممتلئة هي فرصة الإنسان الوحيدة بالنجاة، فينما كانت الرجال تخرج بالأيام أو أحياناً بالأسابيع للبحث عن طعام كانت المرأة الممتلئة تصمد وسط هذه المجاعة وتمتلك قدرة على إرضاع أطفالها لأوقات طويلة، ولذلك نجد العديد من الرجال ينجذبون لصاحبة المنحنيات كما أفضل أن أسميها لأن هذه الفكرة موجودة وراثيا من الإنسان القديم، وأحب أن أذكر مقولة أنتوني ليتل أنه بسبب النساء البدينات حفظ الإنسان نفسه من خطر الانقراض”، كما أن المرأة البدينة كانت آلهة كَفينوس ولندورف آلهة الخصوبة، والآلهة الأم في حضارة الصوان، وأغلب آلهة الاسكندافيين، وفي القرون الوسطى حين انتشرت الأوبرا يجب أن تكون مغنية الأوبرا ممتلئة حتى ذاعت مقولة و أصبحت كمثل شعبي في أوروبا ” لن ينتهي شي حتى صاحبة الدهون تبدأ بالغناء”، كما أن أغلب اللوحات في ذات العصر مليئة بالفتيات الممتلئات التي كانت مقاييس الجمال حين ذاك فهذا يدل على غِنى عائلتها ورقيها وصحتها وقدرتها على إنجاب أطفال أصحاء، كما كانت ترمز لهم أيضاً بالحنان والجاذبية، أما ظهور أشكال الرأسمالية وعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية تم تسليع المرأة بشكل ممنهج، عبر تعزيز أي علامة تجارية بجسد المرأة حيث المجتمع الصناعي رسم تضاريس المرأة وبدأ بالترويج لها عبر الملصقات وإعلانات المحلات و الشوارع، من ثم دخل عالم التلفاز وبدأ وضع معايير جمالية لكل مذيعة حيث كانت تتنافس أقنية العالم من مذيعتها أجمل مِن مَن، واحتفال بملكة جمال العالم، إلى أن دخل عالم الفضائيات والأقنية العالمية وتم بث صور للمرأة خيالية لا تمد للواقع بصلة وربطها بمصطلح مستحدث ” الجمال المثالي” وهذه الحقبة انتقلت إلى عالمنا العربي بسهولة إلى أن وضع لأول مرة مقاييس لشكل المذيعة في مصر، وباتت الأقنية تختار الأشكال و تبدأ بتدريبها فيما بعد لا العكس، وانتشرت هذه الثقافة في الغناء من ثم في التمثيل حتى أصبحت ثقافة مجتمعات، معايير الصدر الجميل، معايير المؤخرة الجميلة، معايير الوجه المثالي إلى أن أصبحنا في عصر السيلكون و البوتوكس وعمليات تجميل والإدمان عليها.

أصبحت المرأة تعتلي نسبة 80% من إجمالي عمليات التجميل مُقارنة بالرجال، كيف لا وقد بات المظهر الخارجي هو الأولوية من الجمال الداخلي أو حتى تغذية العقل، فقد زرع المجتمع أن بالجمال هذا هو رأس المال كما يُقال، إلى جانب إرضاء الغرائز الذكورية وملئ أعينهم بالجمال المزعوم، وجميع هذه العوامل أدت إلى توفير أرض خصبة لتسليع المرأة و استغلال قضية الجمال إعلانياً و حتى دخول المعايير بالتمثيل والغناء، فكثيراً من الأحيان نجد ” ممثلة ” لا علاقة لها بالتمثيل لكن تمتلك الجمال ” الله يخلينا عمليات التجميل ” بأدوار تافهة لا معنى لها تصنع منها أيقونة ، وكثير من المؤديات أجسادهن و أشكالهن صنعوا منهن أيقونات جمال ، فلم يعد الأمر يتوقف بوضع بضع مساحيق للتجميل بل بات هوس مقاييس الخصر و الصدر و المؤخرة ، فالجمال بات عملية وضع مفاهيم جميلة يتم من خلالها إطلاق الأحكام على الآخرين ، مما جعل منها مهووسة بالجمال لحد أنها لم تعد تهتم بالثقافة والمعرفة ، بل باتت جزء من ثقافتها ” الجمال”، كُل هذا حول نظرة المجتمع للمرأة البدينة على أنها إعاقة ومُرادف مُباشر لكلمة جمال. كما أشارت بعض الدراسات إلى أن الإفراط في النظرة للجسد والتقييم من خلاله هو مرض نفسي يُدعى ” الإدراك الشيئي للجسد”.

مما تُعانيه المرأة البدينة من تقييمات مجحفة ونظرة دونية بل حتى عزل اجتماعي لها، له تداعيات نفسية خطيرة منها عدم احترامها لذاتها، عدم الشعور بالرضا، عدم الشعور بالأمان وسط المجتمع، وأهم تلك التداعيات أيضاً هو الخجل بجسدها الذي يودي بها لعدم الإشباع الجنسي لأنها تشعر بالضيق من فكرة التواصل الجنسي مع الشريك فلا تصل للشبق لأنها مشتتة الذهن حول هواجس ما إن كان الشريك مرتاح مع شكل جسدها أم لا. إنها تشعر بالتعاسة داخلياً، والمُفاجئ والصادم وجود دراسات أن أكثر النساء البدينات هم صديقات مُخلصات، ورومنسيات حالمات، وأكثر قدرة على إنجاح العلاقة، وأكثر تمسكاً بالحبيب، وأكثر حساً للدعابة وأكثرهن ضحك، ذلك مُحاولةً منهن لتغطية هذا النقص ببديل وهو الضحك، أو حتى مُحاولةً للهروب من واقع رفضهن إلى خلق الدُعابة.

ومن طرائف عنصرية المُتواجدين على السوشيال ميديا هي نشر لأكاديمية رياضية إعلان جاء فيه: ” هذا الصيف ماذا تُريدين أن تكوني: حورية أم حوت؟؟ مع فتاة نحيلة تلبس البيكيني ” لترسل لها امرأة بدينة على البريد الالكتروني ” غالباً ما تكون الحيتان مُحاطة بالأصدقاء، كما تتمتع الحيتان بحياة جنسية رومنسية فهم يغنون لبعضهم البعض و يرقصون لإغواء بعضهم البعض، كما أنهم من أذكى الحيوانات وأقربهن للغة البشر، وإن الحيتان تتجول بحرية للبحار وتزور أماكن مثيرة للاهتمام حتى أنهم يصلون للقطب الجنوبي و يرون الشعب المرجانية المُذهلة و النادرة، الحيتان تكون صداقات حتى مع الأجناس الأخرى وذلك بتقديم هدايا للدولفين مثلاً وللبشر أيضاً هم كائنات ودودة وتحب المرح وتخرج من ظهورها الضخمة مياه، أما حوريات البحر هي كائنات أسطورية لا وجود لها في العالم الواقعي، وإن كانوا قد عاشوا بالفعل فهم عاشوا في أزمة وجودية، وتائهات بسؤال من أنا؟؟، سمكة أم إنسان؟؟؟ ، لن ينجبوا أطفال لأنهم يقتلون الرجال المفتونين بجمالهن، فهم بأصواتهن يخدروا العقل الذكوري ويستجروهم للمياه ليموتوا خنقاً، وإن حصل وأحبوا سيكون تواصلهم دون حياة جنسية دون اتصال جسدي ، إنهن جميلات نعم لن أنكر، لكنهن تعساء وسيبقين وحيدات للأبد. نعم يا أيتها الأكاديمية المُحترمة أنا أفضل أن أكون حوتاً على أن أكون حورية لا طعم لها ولا لون ولا رائحة”.

المرأة البدينة ” وأعرف ذلك من نفسي” امرأة قوية مستقلة لا تعول سعادتها على أشخاص، سعادتها تنبع من داخلها، فلا يوجد أي خيار غير ذلك، لا يَهم ماذا يقول الآخرين، ولا أعطي أي اعتبار لنظرة الآخرين ومعاييرهم، فالجمال نسبي ولكل إنسان نظرته وهذا ما يجعل كل الناس سواسية، كُل النساء جميلات باختلاف أشكالهن وأعمارهن وأحجامهن، فالقبح الحقيقي قابعٌ بالنفوس، بالعقول، وها انا ذا أستطيع أن أكون ناجحة محبوبة رومنسية منطقية، أرسم وأرقص وأكتب وأعمل وأحُب وأضحك وأحارب وأقع وأقف لوحدي” ما اللذ سيضيفه الآخرين لي!! حرفياً لا شيء فقوة المرأة تنبع من إيمانها بنفسها وثقافتها ومنطقها وإنسانيتها وعاطفتها.

كم أتمنى من جميع النسويات أن يرفضن التسليع لأجسادهن ورفض تلك النمطية التي رسموها الذكور لنا والعيش بحرية، معلنات مهما كانت أشكالنا وأحجامنا وأعمارنا وألواننا نحن نساء جميلات كما نحن، نستحق أن نُحِب وأن نُحَب، نستحق أن نحيا بشكل طبيعي، وأن النظرات الدونية لا تُعبر إلا عن أصحابها ” وكُل إناءٍ بما فيه ينضح”. الجمال الحقيقي هو ما قبع بالقلب وبالعقل لا ما ترسمه جغرافية الأجساد الفارغة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى