حراك الشعوب

الفلسطيني والشتات.. الهوية والانتماء

لجأ عدد كبير من الفلسطينيين إلى خارج حدود فلسطين التي أقرها الانتداب البريطاني وذلك بعد النكبة عام 1948.
ولأول مرة في تاريخ الشرق العربي يظهر مفهوم اللاجئ داخل الشرق ذاته ومن الشرق ذاته.
إنها واحدة من أغرب مظاهر التاريخ بعامة والتاريخ العربي بخاصة.
أبن يافا لاجئ في سورية ولبنان والأردن والعراق..
ينطوي مفهوم اللاجئ كما تحدده القوانين الدولية على مبدأ العودة. فاللاجئ هو كل من ترك بيته ووطنه هرباً من الحرب وحفاظاً على الحياة إلى منطقة أخرى بانتظار انتهاء الأخطار التي تهدد حياته كي يعود.
إذاً يحتوي مفهوم اللاجئ في ذاته على مفهوم العودة. ذلك أن في اللجوء معنىً قسرياً. على عكس المهاجر والمسافر والرحالة. والعودة بدورها- بوصفها حقاً- فكرة لا تزول من وعي اللاجئ.
وفكرة الحق هنا فكرة منطقية وواقعية وليست فكرة مقترحة. أي أنها غير قابلة للنقاش إطلاقاً، لأنها تصدر بالضرورة عن اللجوء. وإلا لما سمي هذا النمط من المغادرة لجوءً.
ولأن اللجوء تم عبر خروج تجمعات فلسطينية مستقرة من القرية والمدينة فإنه أخذ شكل الحفاظ على ثقافة المكان الأصلي. وحافظت التجمعات الفلسطينية على نمط من العيش المشترك داخل المكان اسمه المخيم.
لقد ضم المخيم مجموعات سكانية فلسطينية من قرى ومدن متعددة. وحتى أن بعض المخيمات قد أسس عفوياً وفق المنطقة التي جاء منها السكان. فنشأت الحارة التي تضم مجتمعاً متجانساً من حيث الانتماء العائلي أو المكاني.
وحدة الدراسة حول الهوية والانتماء الفلسطينيين هو المخيم، بوصفه تجمعاً سكانياً يحوز على شكل البنية الاجتماعية. تشترك جميع المجتمعات الفلسطينية تقريباً بنمط واحد من العمارة شارع طويل أو شارعين. وعلى ضفاف الشارع أزقة، حارات، تسكن فيها العائلات المتجانسة بالأصل أو شبه المتجانسة. ففي مخيم اليرموك مثلاً: هناك حارة المواعدة وحارة الصنافرة وحارة الشهابيين وحارة العم علي.. أو حارة اللوابنة وحارة الجواعنه وحارة..
إن العمارة هنا بمعزل عن تغيرها أدت وظيفة الحفاظ على علاقات القرابة الفاعلة.
أي أن القرابة ظلت بنية محافظة على عاداتها وتقاليدها، وقبل أن أدرس ظاهرة المخيم الذي هو تجمع فلسطيني ثقافياً واجتماعياً وسكانياً ونفسياً وطبقياً وسياسياً أشير إلى توزع الفلسطينيين على مخيمات اللجوء في بلاد الشام.
في الأردن هناك نوعان من التجمعات الفلسطينية. وذلك بسبب ضم الضفة الغربية إلى شرق الأردن وتأسيس الملكة الأردنية الهاشمية. تجمع سكاني مديني وبخاصة في عمان والزرقاء. وتجمع سكاني للاجئين المسجلين في سجلات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين. فهناك ثلاثة عشر مخيماً في عموم الأردن- البقعة، الوحدات، ماركا، أربد، جرش، الحصن، سوف، الحسين، الزرقا، الطابية، مأدبا، السخنة، النصر.
أما في سورية فهناك خمس عشر مخيماً: مخيم اليرموك، خان الشيح، حمص، حماه، النير، خان دنون، درعا، جرمانا، الست زينب، سبينة، الحسينة، الرمدان، حندران، الرمل الجنوبي.
وفي لبنان اثنتا عشرة مخيماً: الرشيدية، البص، البرج الشمالي، عين الحلوة، المية ومية، برج البراجنة، مار إلياس، شاتيلا، جنيه، نهر البارد، البداوي، ديغل الجليل. وهذه مخيمات رسمية، أما غير الرسمية فهي: الشريحا، القاسمية، الرغلية، الواسطة، جل البحر، المعشوق، تغريدة، وادي الزينة، الناعمة، الغازية، زاروط، قبلبابا، بر إلياس الروضة.
وهناك عدد من المخيمات نشأت بعد تدمير تل الزعتر وشاتيلا والدكوانه عام .1976
هذه المخيمات شكلت التجمعات الرئيسة للاجئين الفلسطينيين، وحددت مسار هويتهم عبر البنى الآتية:
1-سيكولوجية الجماعة الفلسطينية في المخيم :
يشير علم نفس الجماعات إلى تكون البنية النفسية المشتركة لدى جماعة ما في شروط استمرار وجودها معاً.
لقد قامت بين أفراد الجماعة الفلسطينية التي تسكن المخيم بنيه نفسية شبه مشتركة – ألا وهي الإحساس بالغربة.
إن كلمة لاجئ التي تطلق على الفلسطيني في المخيم قد أصبحت كلمة دالة على كائن بشري غريب. هذه الكلمة الصفة ليست صفة بيولوجية وليست صفة لغوية أو قومية. فالفلسطيني شامي ويشبه الشامي ويتحدث بلغة عربية ذات لهجة خاصة وهو عربي، لكن صفة اللاجئ صفة ناتجة عن وجوده في مكان آخر غير مكانه.
هنا وعبر الإحساس باللجوء المشرك يتكون الوعي الذاتي بالاختلاف. وهذا الوعي الذاتي بالاختلاف حافظ على نوع من العصبية الوطنية بالمعنى الخلدوني للكلمة. حيث كلمة لاجئ تحولت إلى أداة ترابط وعلاقات معشرية لإحساس بالزمن مختلف عن إحساس المواطن.
وحين تعي جماعة من السكان أنها في وضع خاص مختلف تحوّل اختلافها عن الآخر إلى وعي بالتماسك الداخلي.
فمن الوقوف في الدور لاستلام ما يسمى بالإعاشة إلى الدراسة في مدارس الأونروا يعيش الفلسطيني عالم الاختلاف وتتوطد لديه نفسية الإحساس بالعصبية الضرورية للبقاء.
حتى صارت غريزة البقاء البيولوجية بالأصل غريزة بقاء نفسية.
وهكذا فلقد قامت السيكولوجيا الجمعية بدور حاسم في وعي الهوية واستمرارها في الأشكال الأخرى من تعينات الهوية.
2- السياسة والهوية الوطنية:
اندرج فلسطينيو الشتات قبل عام 1965 – عام انطلاقة شرارة المقاومة في الحركة السياسية العربية السائدة في مصر وبلاد الشام. فكانت الأحزاب القومية والدينية تتقاسم ولاءات الفئات المثقفة على وجه الخصوص. وبخاصة حزب البعث العربي الاشتراكي، حركة القوميين العرب، الحركة الناصرية، الإخوان المسلمين، حزب التحرير الإسلامي. فضلاً عن ذلك كان هناك الاندراج في الحزب الشيوعي على نحو أقل. وآية ذلك أن جميع الأحزاب القومية والإسلامية الأنفة الذكر قد جعلت من القضية الفلسطينية هدفاً رئيساً من أهدافها.
ولأن الوعي الفلسطيني – ومنذ نشأة الحركة الصهيونية وحتى حرب 48- قد تشكل انطلاقاً من عربية القضية وإسلاميتها فإن النخبة الفلسطينية كانت على ثقة بأن الاندراج في الأحزاب القومية والإسلامية جزء من كفاحها العملي في سبيل تحرير فلسطين جميع الأحزاب القومية والإسلامية طرحت شعار تحرير فلسطين.
ولقد جاء الحدث المهم بإنشاء م. ت. ف. بقرار من مؤتمر القمة الذي انعقد في القاهرة عام 1964.
صحيح أنه كان هناك دائماً ممثل لفلسطين في الجامعة العربية غير أن الاتفاق على إقامة م.ت. ف. عنى فيما عناه إيجاد مؤسسة – شبه دولة في الشتات- تمثل الشعب الفلسطيني اللاجئ.
غير أن الواقعة الأبرز في حياة اللاجئ الفلسطيني بل وفي حياة فلسطين واقع انطلاقة الثورة الفلسطينية وما تمخض عنها من قيام تنظيمات المقاومة.
ولأول مرة في تاريخ الشعب الفلسطيني في الشتات يجد نفسه منخرطاً في تنظيمات فلسطينية صرفة وليس في تنظيمات وأحزاب عربية أو تابعة لوطن اللجوء.
لأول مرة في تاريخ المخيم انضم اللاجئ إلى تنظيم سياسي مكتمل الهوية الفلسطينية للتحرير ومنظمة التحرير الفلسطينية التي أنشئت بقرار عربي تغدو الهيئة الجامعة لتنظيمات المقاومة.
المجلس الوطني الفلسطيني الذي شكل في المرة الأولى من شخصيات ووجهاء ونخبة اقتصادية صار ممثلاً لتناسب القوى السياسية الفلسطينية. حركة التحرير الوطني الفلسطيني- فتح، طلائع حرب التحرير الفلسطينية (قوات الصاعقة) الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن ثم الجهة الديمقراطية لتحرير فلسطين المنشقة عن الجبهة الأم ومن ثم الجبهة الشعبية القيادة العامة. جبهة النضال الشعبي.
لقد ضخ المخيم في الأردن وفلسطين آلاف المقاتلين والكوادر من كل الأنواع، الفدائي والإداري والمثقف.
ومع بروز الحراك الفلسطيني الفاعل بقيادة م. ت. ف. تطورت الهوية الفلسطينية في التجمعات الفلسطينية وبشكل خاص في المخيم.
لقد تعينت الهوية الآن بالفكر والممارسة معاً. بالهيكلية التنظيمية العامة في م. ت. ف. وفي الهيكلية الخاصة في التنظيمات الفدائية – المقاومة.
وتأكدت الهوية الوطنية الفلسطينية بهوية سياسية واضحة المعالم.
وانتصبت التحرير هدفاً موحداً للجميع. وجاءت كلمة التحرير في كل أسماء الهياكل التنظيمية الفلسطينية. بدءاً من منظمة التحرير، وحركة التحرير وجبهة التحرير وطلائع حرب التحرير.
وان مصطلح التحرير بوصفه وحد بين الهوية الفلسطينية السياسية والعودة. وأبقى على فلسطين قضية. إذ أن هناك ترابطاً بين القضية والتحرير.
ومع م. ت. ف والتنظيمات المقاومة تشكلت عصبية فلسطينية أقوى من عصبية العائلة والقرابة والتجمع السكاني في المخيم.
ولا شك أن التطورات التي حصلت بعد حرب 1973 والتي لا مجال الآن للوقوف عندها قد ألقت بظلها على وعي الهوية. وحسبنا أن نشير إلى الحدث الأبرز الذي أثر تأثيراً سلبياً على الوعي بالهوية ألا وهو اتفاق أوسلو الذي بدا وكأنه حل لوضع الضفة الغربية وغزة. والذي ترافق مع خروج المقاومة من لبنان وضعفٍ لحضور م. ت. ف. في حياة اللاجئ بالمخيم، وظهور أزمة في الانتساب إلى فصائل المقاومة. فلقد بدا أن إحباطاً راح يتسلل إلى هوية الفلسطيني المقاومة حتى أنه الفلسطيني – وبخاصة في مخيمات لبنان – قد استعاد شعور اللاجئ الذي لاحول له ولا قوة.
ولهذا فإن الانشغال في شتات الضفة الغربية وغزة وإهمال التجمعات الفلسطينية في المخيمات من شأنه أن يضعف التماسك الفلسطيني في الشتات. لاسيما وأن م. ت. ف التي مثلت حالة جامعة تعاني اليوم من عطالة لا يمكن أن يعوضها التيار الإسلامي الفلسطيني الممثل بحماس والجهاد. حيث تطرح هاتان المنظمتان نفسيهما بديلاً عن المنظمة.
3- الثقافة وتماسك الهوية:
قد يبدو من المبالغة – للوهلة الأولى- الحديث عن ثقافة فلسطينية في ظل انتماء الفلسطيني إلى الثقافة العربية.
غير أن خصوصية الفلسطيني اللاجئ أولاً أو أي فلسطيني في الأمكنة كلها هي التي تخلق السمة الفلسطينية لثقافته.
وآية ذلك أن الثقافة الفلسطينية المعاصرة عموماً تواجه خصماً نافياً له، أو ساعياً دائماً للنفي.
هذه الواقع- واقعة الصراع مع المحتل – العنصري- تطبع الثقافة الفلسطينية بطابع الثقافة المقاتلة. وتجعل من الثقافي شكلاً من تأكيد وجود الذات رغم الشتات..
نميز منهجياً بين نمطين من الثقافة بينهما نوع من الترابط. نمط الثقافة الموضوعية. ونمط الثقافة المبدعة. الثقافة الموضوعية هي اللغة والعادات والتقاليد وعلاقات القرابة، أي تلك القيم الثقافية التي لم يخترعها فرد بعينه. أما الثقافة المبدعة: فهي الثقافة التي تنتجها كل مجالات الإبداع الروحي: الفن والأدب الفكر الموسيقى.
إذا ما تناولنا الثقافة الفلسطينية في الشتات من زاوية الثقافة الموضوعية – الانتربولوجية فإننا لا تضع أيدينا على ثقافة موضوعية خاصة، بل على ثقافة شامية بالأساس. حيث عادات الطعام والأفراح والأتراح والتراث الشعبي والتدين مشتركة بين جميع مناطق بلاد الشام. فلم يجد لاجئة مخيم درعا مثلاً وهم القادمون من شمال فلسطين ما هو مختلف عن عاداتهم وتقاليدهم في حوران، ولا عن أشكال الطهي.
ولهذا فإن الثقافة بالمعنى الإبداعي للكلمة هي التي أسهمت في إغناء الثقافة الفلسطينية بوصفها وعياً بالتماسك الوطني ووعياً بالهوية.
فلقد حضرت فلسطين بوصفها قضية تحرر في الفن والأدب والفكر والأيديولوجيا، في الرواية والمسرح والشعر والموسيقى.
والثقافة الفلسطينية بوصفها قضية تحرر تحولت إلى وعي فلسطيني سياسي وفني وجمالي. فهي بهذا المعنى لم تنفصل عن الوعي الشعبي. لأنها نشأت وتطورت ومازالت تطور في حقل ثقافة التحرر.
ولأنها ثقافة تحرر قامت بدور كبير في الاندماج الفلسطيني وفي تعزيز وعيه بالهوية الفلسطينية وتأكيد التلاحم.
فلو أخذنا الأغنية الفلسطينية الراهنة، فسنجد أن اللحن الأساسي هو اللحن الشعبي – الفلكلوري الشامي بعامة، وهو لحن أثير لدى أبناء المخيم. غير أن كلمات الأغنيات كلمات تحكي قصة فلسطين وأماكنها وشهدائها وكفاحها. والفرق الفنية التي تكونت ألهبت وماتزال تلهب اللاجئ الفلسطيني كفرقة العاشقين وفرقة العودة. من ذا يستطيع أن ينكر دور الشاعر الشعبي أو الشاعر الذي كتب باللهجة المحكية أحياناً: كـ” أبو عرب، وخالد أبو خالد، واحمد دحبور الذي تحولت كلمات شعرهم بعد تلحينها إلى أغنيات تردد في العرس الفلسطيني.
والحق أن هذا الفن الفلكلوري يقوم بدور مهم جداً في تأكيد الهوية الفلسطينية لاسيما وأنه يأتي على ذكر فلسطين من حيث هي قصة معيشة.
ولو تركنا هذا النمط من الفن الأقرب إلى اللاجئ حيث يستعيد فيه اللاجئ في المخيم مأساته وقضية كفاحه وينعش ذاكراته ويزودها بما هو دائم من القصص، أقول لو تركنا هذا النمط ودخلنا عالم الشعر الفلسطيني. فإننا لنجد ظاهرة شبه فريدة إلا وهي أن أكثر شعراء فلسطين قد أوقفوا شعرهم على فلسطين، أنهم شعراء قضية فعلاً.
فأسماء: محمود درويش، خالد أبو خالد، احمد دحبور، يوسف الخطيب، عزي الدين مناصرة، محمد القيسي، توفيق زياد، معين بسيسو، سميح القاسم وآخرين صاروا جزءً من ثقافة ابن المخيم حيث لفلسطين شعراؤها وشعر حول فلسطين.
ولا شك أن ظاهرة درويش من أبرز الظواهر في الشعر الذي أكد الهوية، حين يحفظ ابن المخيم شعره ويردده ويسجله على الأشرطة وما شابه ذلك.
بل أن اسم محمود دروش- حتى ولو لم يكن شعره حاضراً في ذاكرة هذا أو ذاك- كافٍ لخلق الإحساس بالاعتداد بالانتماء.
وهذه ظاهرة شائعة لدى الشعوب المكافحة والمضطهدة. فاغلب الفلسطيني لم يقرؤوا مثلا كتب ادوار سعيد، ذلك أنها كتبت متخصصة، على عكس درويش شاعر الشعب، لكن يكفي أن يذكر ادوار سعيد حتى يشعر الفلسطيني أينما كان وبخاصة ابن المخيم بالاعتداد برمزه الثقافي هذا.
وقس على ذلك اسم ناجي العلي الذي يوزي في الشهرة والمكانة الشاعر محمود درويش، فناجي الآن هو ابن المخيم الدائم. وكثير من الصبايا والشباب الفلسطيني يعلق في صدره “حنظلة” ولأول مرة في التاريخ تتحول رسمه كاريكاتورية إلى ميدالية أو حلية في الرقبة.
فشيوع اسم المثقف الفلسطيني وحده كافٍ لأن يخلق قوة في الانتماء.
وليس اقل أهمية مما ذكرنا سابقاً في التأثير المجلات الفلسطينية: فلقد جاء حين من الوقت كانت الهدف والحرية والطلائع وفلسطين الثورة والى الأمام … زاداً يومياً لدى ابن المخيم ومصدراً مهماً من مصادر معرفته وتشكيل وعيه، وبخاصة مجلة الهدف والحرية، وهذه المجلات أسهمت في نشر اسم المبدع الفلسطيني الذي يجد الشعب فيه رمزاً من رموز وجوده الذاتي.
فمن ذا الذي ينكر اليوم أهمية شيوع اسم وأدب غسان كنفان والذي تسمى باسمه مدارس ومراكز ثقافية. لا شك أن روايات غسان كنفاني وقصصه منتشرة على نحو ما – لكن انتشار اسمه أوسع بكثير من انتشار أدبه.
وقس على ذلك أسماء المبدعين الفلسطيني في مجال الروية: جبرا إبراهيم جبرا، وإبراهيم نصرالله ا، وسحر خليفة، وإميل حبيبي وسواهم.
إن دور الأسماء والرموز في الحفاظ على الهوية والانتماء دور كبير في كل أنحاء العالم، ولكن دوراً كهذه يزداد قوة في حال كفاح شعب يواجه دائماً محاولات كثيرة لسلب هويته ونسيان قضيته كالشعب الفلسطيني.
وهنا تبرز قوة الرموز الوطنية التي ضمت بنفسها واستشهدت فمنذ عطا الزير حتى أبو عمار، يمتلك الشعب الفلسطيني تراثاً ثرياً من الرموز الوطنية التي تزيد من حضوره الذاتي.
حتى ليبدو المخيم للداخل إليه عبارة عن جدار وملصق وصور فعلى جدران المساكن والمدارس والملاعب تنتشر صور الشهداء وبخاصة أولئك الذين تحتفظ هم الذاكرة الشعبية.
فالانتفاء إلى هؤلاء وانتماء الرموز إلى الشعب يخلق حالة من الخصوصية التي يعاد إنتاجها دائماً عبر إحياء الذكرى.
وإعادة إحياء الذكرى هو الآخر طقس سنوي يحيه الشعب الفلسطيني وينتقل إلى الأجيال جيلاً بعد جيل.
فإحياء يوم النكبة واحد من أهم طقوس الشعب الفلسطيني في كل إنحاء فلسطين. لكنه في المخيم يتخذ وصفاً خاصاً حيث يضم المخيم أبناء النكبة وأولاد النكبة وأحفاد النكبة، وازدياد وسائل الاتصال وتطورها غدا يوم النكبة لدى جميع التجمعات الفلسطينية طقساً للتواصل والتضامن والقول بصوت واحد نحن شعب واحد واقع تحت آثار النكبة
وكلمة النكبة ذاتها تعطي المعنى التراجيدي لمثل هذا التاريخ الخامس عشر من أيار.
وكل مناسبة تأخذ معنىً تراجيدياً يظل مستمراً في الوجود ودون انقطاع.
وقس على ذلك ذكرى انطلاق الثورة في الأول من كانون الأول ويوم الأرض في الثلاثين من آذار ناهيك عن إحياء معركة الكرامة وأيلول الأسود.. وما شابه ذلك.
إن الثقافة الفلسطينية المبدعة لا تقل أهمية عن الكفاح الوطني – السياسي والعملي – الفدائي في الحفاظ على هوية الانتماء لفلسطين.
وعندي إن إهمال هذا الجانب في الآونة الأخيرة وبخاصة بعد ضعف فاعلية تفق. لهو أمر خطير جداً جداً..
4- الوضع الطبقي- الاجتماعي :
تتسم التجمعات الفلسطينية في مخيمات اللجوء بنوع من شبه التجانس الطبقي.
فهناك أولاً ضعفاً في الطبقة البرجوازية وغياب الطبقة الفلاحية وبالتالي يتسم التجمع الفلسطيني أساساً بحضور الفئات الوسطى الواسع. حيث المعلمون والمهندسون والأطباء والمهندسون والحرفيون والفئات العاملة خارج المخيم والموظفون في وكالة الغوث أو مؤسسات خاصة، فضلاً عن العاطلين في العمل.
هذا الوضع الطبقي المتسم باتساع الفئات الوسطى أنتج جملة من الظواهر المهمة فيما يتعلق بالهوية والانتماء:
أولاً: تتسم الفئات الوسطى عموماً والأوساط الفقيرة بالفاعلية السياسية عموماً والفاعلية الثقافية بشكل خاص. فهذه الفئات هي قلب المجتمع أي مجتمع. فكيف إذا كان هذا المجتمع ذا أكثرية فئات وسطى. ولهذا فإن نسبة انتماء هذه الفئات إلى الحركة السياسية الفلسطينية كبيرة جداً فضلاً عن أنها قد مدت العمل الفدائي بعشرات الآلاف من المقاتلين. ففي كل مخيم هناك مقبرة كبيرة للشهداء. واندراج هذه الفئات في العمل السياسي الفلسطيني أسهم ويسهم في التماسك الوطني والهوياتي.
ثانياً: إن اتساع الفئات الوسطى وغياب الشرط الاقتصادي للعمل في الزراعة أو الصناعة قد أدى إلى زيادة كبيرة في نسبة التعليم في كل مستوياته. ففي عام 2010 كانت نسبة الأمية بين الفلسطينيين الذكور في مخيم اليرموك 2 % وفي وسط الإناث 5% وإذا أخذنا بعين الاعتبار استمرار الجيل اللاجئ الذي أتى من فلسطين عام 1948 على قيد الحياة وكانت نسبة المية متفشية فيه فإن نسبة الأمية بالنسبة للجيل الذي ولد بعد 1948 لكنا تكون صفرا ً. والتعليم بدوره ساهم في تنمية الوعي الثقافي- السياسي الذاتي للفلسطيني.
ثالثاً: إن توزع الفئات الوسطى على مجالات عمل كثيرة ساهم في إثراء العمل النقابي الفلسطيني واتساع عدد المنتسبين إليه، وخوض المعارك الانتخابية للسيطرة عليه مما خلق مناخاً فلسطينياً خاصاً في العمل المدني الفلسطيني قوى من الروابط المهنية الوطنية. كاتحاد العمال الفلسطيني واتحاد المعلمين واتحاد المهندسين الخ
رابعاً: لقد أدى اتساع الفئات الوسطى الفلسطينية في التجمعات المخيمية إلى زوال التفاوت الطبقي أولاً إلى حد كبير، والى عمليات التزاوج المدني بمعزل عن الأصل والعائلة والمنبت الطبقي القديم. فالحد من زواج الأقارب التقليدي واتساع الزواج القائم على المعايير العلمية والعاطفية وسع من دائرة الاندماج بين أفراد الجماعة الفلسطينية.
خامساً: خضع التجمع الفلسطيني بعد اللجوء ونشأة المخيم إلى استمرار الزعامة التقليدية للمختار وكبير العائلة والشيخ، وبعد اتساع الفئات الوسطى واندراجها في العمل السياسي نشأت الزعيم أو القائد والوجه السياسي بوصفهم الفاعلين الاجتماعيين.
وبالتالي فالمكانة والهيبة التي راح تحتلها النخبة السياسة والثقافية أرست قواعد اندماج جديد قائمة على السياسة والثقافة.
خامسا ً: إن محدودية ظروف العمل الوظيفي والمهني، بل وصعوبة العمل السياسي في كثير من الأحيان أمام الفئات الوسطى الفلسطينية في المخيم قد دفعت بعدد – وإن كان محدوداً- إلى الهجرة أو طلب الهجرة إلى البلدان الإسكندنافية والأوربية الأمريكيتين..
فالبنية النفسية للاجئ تسمح له بأن يرى جميع أماكن اللجوء واحدة ومتشابهة.
والذي حصل أن الجاليات الفلسطينية في أوربا راحت تشكل تجمعات فاعلة ثقافياً وسياسياً على مستوى نشر القضية الفلسطينية في الخارج وليس مؤثرات فلسطيني أوربا الدورية والدوريات التي يصدرونها إلا شاهداً على فاعلية هذه التجمعات.
وليس هذا فحسب، بل إن الذي يحافظ على هوية هذه التجمعات وانتمائها أنها تصطحب معها خياراتها السياسية- الحزبية فتنتقل مجتمعها الفلسطيني من المخيم إلى المهجر الأوربي
5- الوعي العولمي والوعي الوطني:
يعيش الفلسطيني في الشتات – المخيم – أو في أي تجمع كان – شأنه شأن أي كائن آخر جدل العولمة والخصوصية.
فالعولمة بوصفها حالة جديدة من حالات الرأسمالية الامبريالية وعلى نحو جديد قد خلقت الشرط الابرز لنشوء الإنسان الذي يجعل من انجازات العالم أحد انجازاته المحلية، حيث المعرفة سهولة الاتصال والتواصل والوصول الى المعلومة.
فهل تشكل العولمة بما هي ثقافة عالمية أيضاً سلباً لهوية الفلسطيني؟ وبخاصة أن الشتات مكان ليس صلبا ً تحت أقدام الفلسطيني؟
إن مشكلة الفلسطيني اللاجئ ليس في ثقافة عالمية قادرة على أن تخترق ثقافته الوطنية، بل في الانتماء الطبيعي للعالم، وهذا لا يتحقق إلا إذا كان مواطناً في وطن يأخذ شكل الدولة.
أي أن مشكلته مشكلة اللاجئ الواقع تحت إشراف وكالة الغوث الدولية، الفاقد لحقوق المواطن المنتمي إلى الدولة.
ولهذا لا نعتقد أبداً أن العولمة عامل سلب لهوية التجمعات الفلسطينية في الشتات، بل لقد وفرت العولمة بما وفرته من وسال اتصال وأدوات تواصل للفلسطيني في الداخل أو في الخارج شرطاً جديداً لعرض قضيته على العالم الذي كان به صمم عن سماع صوت التراجيديا الفلسطينية.
والناظر إلى الداعمين الأوربيين للفلسطيني الآن يدرك التحول الذي ساهمت به العولمة.
فالعولمة لم تلغ بطاقة الهوية الشخصية ولا جواز السفر ولا الحق في المواطنة، ولا الحق في الأرض.
ولما كان اللاجئ الفلسطيني فاقد لكل هذه المظاهر والمعايير الضرورية لكي ينتمي الإنسان إلى العالم المعاصر فستظل قضيته قضية شعبٍ في مرحلة تحرر والتحرر تعني بالنسبة إليه العودة والدولة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى