رأي

الأردن .. الدولة المسخ ” لا علمانية ولا دينية في الوقت ذاته”

من فترة وجيزة، قامت مجموعة من نواب الأردنيين، باصدر بيان تهاجم فيه رئيس الوزراء الأردني، عبد الله النسور بسبب ما ورد على لسانه، بعدة قضايا تتعلق بالإرهاب في معرض ندوة نظمها مركز القدس العربي في عمان، وفي الحقيقة أود ان اخصص هذا المقال للجزء الأهم به وهو اتهام الرئيس بان ” كلام الرئيس غير مسؤول المؤذي لمشاعرنا وعقيدتنا كمسلمين ونرجو ان يتوب الى الله عما نطق “.
وذلك بالاستناد الى قوله ” أن الأردن دولة لا علمانية ولا دينية، بل دولة مدنية ونحن نتفق مع رئيس الوزراء، بان الأردن دولة مدنية وقد حدد الدستور أحكام الدولة المدنية، ببنود حقوق المواطنين وواجباتهم، وسلطات الدولة ونظام الحكم وصلاحيات وواجبات سلطاته، المختلفة لكن المستغرب، إن يقول إن الأردن دولة لا دينية والعياذ بالله، الم يقرا دولة الرئيس الدستور الأردني المادة (2 ) بان الإسلام دين دولة ولم يقرا دولة الرئيس المادة (14) من الدستور( تحمي الدولة حرية القيام بشعائر الأديان )، الم يعرف دولة الرئيس بان جلالة ملك البلاد هو ابن بنت رسول الله صلى الله علية وسلم، الم يقرا دولة الرئيس المادة (106) ( تطبق المحاكم الشرعية في قضائها أحكام الشرع الشريف )، وأنها في المادة (105) ( المحاكم الشرعية وحدها حق القضاء وفق قوانينها )، وان رسالتنا أسلامية عربية وسطية معتدلة، الم يقرا دولته رسالة عمان، وأذأ كان الأردن دولة لا دينية حسب، راية فما هي عقيدتها ودينها “.
ما يقوله هذا البيان بمفهوم المخالفة، هو ان الأردن دولة دينية أو على اقل تقدير دولة أسلامية وفي الحالتين يبدو ان الجهل بأبسط أدبيات الفكر السياسي والقانوني، تتبدى في جناباته يقابله محاولة استخدام تلفيق سياسي، من رئيس الوزراء، الذي نفى صفة العلمانية والدينية عن الدولة الأردنية، أثباتا لصفة المدنية والسؤال الذي تثيره هذه الرؤى، هل فعلا الدولة الأردنية دولة مدنية؟.
لقد اصبح من الشائع في الأدبيات السياسية المعاصرة في العالم العربي، استخدام مصطلح الدولة المدنية بشكل واسع وفضفاض، دون الاتفاق على تحديد مضمون دلالي واحد له، وهذه الإشكالية، لا تخص فكرة الدولة المدنية بل اغلب المفاهيم والمصطلحات السياسية، والفكرية التي دخلت الى الثقافة العربية المعاصرة، مثل الدولة والعلمانية والديمقراطية والحداثة والليبرالية، وغيرها الكثير.
لذلك نجد ان الخطاب السياسي، لبعض للدول والتيارات والأحزاب السياسية، في العالم العربي من اقصى اليسار إلي اقصى اليمين، قامت بتوظيف هذه المفاهيم بما يتناسب مع أيديولوجيتها، حتى اصبح الكل يدعو الى الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات، وهو الذي يعني ( علمنة الفضاء السياسي للدولة ) ولكن القليل منهم من يمتلك الجرأة، ليعلن إن هذه هي الدولة العلمانية وهو شكل من إشكال التلفيق السياسي، الذي اعتادت هذه الدول والأحزاب على ممارسته في كل خطاباتها، ويأتي في المقدمة تيارات الإسلام السياسي، الذي يطلق عليها ” المعتدلة ” وعلى رأسها جماعة الأخوان المسلمين، التي رفعت شعار( الدولة المدنية ذات المرجعية الاسلامية ) ان الخطاب السياسي التلفيقي، لجماعات الإسلام السياسي، قد يفرض عليها كثيرا من الاحيان ان تلعب على المصطلحات والمفاهيم بما يخرجها بشكل يتناسب مع أيدولوجيتها الدينية، ويفرض عليها، كما قد قلت في مقال سابق إن تنتج خطاب سياسي جماهيري تلفيقي، يجمع بين متناقضين ( المدني او العلماني والإسلامي)، كل ذلك بهدف ترويج هذا التيار لخطابه السياسي، على انه يمثل الحل الاخير والنهائي، لحالة التشضي والانحدار الحضاري للشعوب العربية والإسلامية، التي عانت على مدى عقود، من أنظمة ديكتاتورية توصف ضمن هذا الخطاب بانها اي الانظمة ليبرالية ويسارية وعلمانية، فشلت في تحقيق النهضة المنشودة، في العالم العربي، خلال حكمها الاستبدادي، وهو صحيح نسبيا في جانب منه.
ولكن هذا خطاب، مهما تم عليه من محاولات تجميل وعصرنة، لا يمكن ان يخفي إشكالات التناقض الداخلي الكامنة فيه، لأنه خطاب ديني ماضوي يستلهم كامل مرجعيته، من نماذج الحكم بعصر النبي عليه السلام والخلافة الراشدة وما تلاهما من بعض النماذج في التاريخ الاسلامي، التي يتم انتقائها بشكل مقصود وواعي وفصلها عن باقي، مراحل التاريخ الإسلامي في عصور الخلافة الأموية والعباسية وغيرها، التي شهدت، مراحل تردي وسقوط، بهدف أخفاء الطابع التاريخي لهذا الشكل من اشكال التجارب البشرية، الذي لا يعترف بقدسية الدول أو المؤسسات، أو الأفراد ولا اي انموذج تاريخي الا في حدود دراسته ونقده.
وابرزما يبين تهافت وتلفيقية هذا الخطاب، ما كنت قد أوضخته في مقال سابق مبني على ثلاثة نقاط:
اولها: عدم دقة وصدقية مقولة ( دولة مدنية بمرجعية أسلامية )، فلا يوجد ما يسمى ” دولة مدنية ” فالدولة اما ان تكون (علمانية او دينية )، وان وصف مدنية تاريخيا لا يقابله، الا وصف عسكرية، وهو ينطبق على السلطة السياسية في دولة ما. وليس على الدولة بحد ذاتها، ومثال ذلك ان تركية دولة علمانية وتعلن علمانيتها في دستورها وقوانينها، ففي بديات ثمانينات القرن الماضي، قامت المؤسسة العسكرية بالانقلاب على السلطة السياسية المدنية، لأسباب داخلية فانتقلت السلطة السياسية من الأحزاب العلمانية، الى المؤسسة العسكرية العلمانية ايضا، وهو انقلاب على السلطة والنظام السياسي وليس على طبيعة الدولة، فأصبح نظام الحكم عسكري
ولتوضيح الصورة اكثر، انقل هذا التوصيف التاريخي لمفهوم الدولة المدنية، والمقصود العلمانية الحديثة طبعا، وكيفية تشكل البناء الفكري لمجالها السياسي، مقابل المجتمع المدني كما ورد في محاضرة بعنوان ” في مفهوم الدولة المدنية ” للدكتور سربست نبي الذي يقول ما يلي:
“… لقد انتبه الآباء الأوائل للفكر السياسي الحديث , والمؤسسون لنظرية الدولة والمجتمع المدني , إلى هذا الجانب. فقد استخدموا طوال قرنين منذ زمن الفيلسوف الإنكليزي ( توماس هوبز) مصطلح الاجتماع /المجتمع ( المدني) و ( الكومنولث ) والدولة للإشارة إلى النموذج الجديد للاجتماع الإنساني بمواجهة الأشكال السابقة للاجتماع المدني وبخاصة ( الاجتماع الطبيعي) كما افترضوا , قبل أن يصبح المجتمع المدني حيّزاً مستقلاً عن الحياة السياسية , ويغدو كل ما هو ليس من الدولة اجتماعياً. ويُنجز الاستقلال التامّ بين المجالين السياسي والاجتماعي ( المدني) مع ظهور النظرية الليبرالية. لقد ساد هذا التصور الأولي لدى (هوبز) و( جون لوك ) وآخرين. والقول بالمجتمع المدني كان يعني الدولة في ذات الوقت لديهم, ويراد به المجتمع السياسي المنظم المنبثق من المجتمع البشري , لا من مصدر ديني مفارق. وكانت السياسة , لدى هؤلاء , مدنية ودنيوية غير مقدسة , وليست شأناً لاهوتياً , كما كان الحال لدى فلاسفة العصر الوسيط مثل (القديس أوغسطين) و( توما الأكويني ) بهذه الدلالة استخدم هؤلاء صفة ( مدني) ليس إلا. في المرحلة التالية من تطور الفكر السياسي الحديث حيث تم التمييز والإقرار بالفصل العلائقي بين المجالين مع مفكرين أمثال ( آدم سميث) و ( آدم فيرغسون ) و ( ستيوارت مل) و( توكفيل) وغيرهم. صار الحديث عن الدولة بصفتها كياناً (سياسياً) والمجتمع بصفته كياناً ( مدنياً) مستقلاً تماماً عن المجال السياسي ومجرداً منه , مثلما ليس للدولة من علاقة بالحياة ( المدنية ) إلا حينما ترتد إليها لتبرر شرعية وجودها. وعلى العكس من ذلك بات التأكيد على ضرورة حماية هذا ( المجال الخاص) أو ( المدني) يستدعي أكثر فأكثر تعزيز التدابير الاحترازية ذات الطابع الوقائي التي تحول دون تعسف السلطة السياسية وتقييد تدخلها في الحياة ( المدنية) جزءاً لا يتجزأ من التصور الحديث والمعاصر للدولة السياسية…. ويستطرد في توصيف الحالة الأيديولوجية لتيارات الإسلام السياسي بالقول… كما لا يمكنها قط أن تعلن بصراحة إن شرعية الدولة وشرعية كل سلطة سياسية هي دنيوية وإنسانية , وليست سماوية مفارقة , طالما أنها لا تزال على اعتقادها العتيق بمفهوم ( الحاكمية ) و أن الإسلام دين ودنيا. إن كل فكر سياسي ديني يتعارض مع تحديث الدولة ودمَقرَطة النظام السياسي , لأنه يتعارض في الأصل مع القول بالمصدر الدنيوي – البشري للسلطة وشرعيتها. والسلطة والأيديولوجية الدينيتان ترفضان النظر إلى رعايا الدولة على قاعدة المساواة في المواطنة , وفي الحقوق الطبيعية التي تفرضها الطبيعة البشرية. من هنا يغدو الحديث عن دمقرطة الدولة وتعدديتها من دون إعلان ضرورة عَلمَنَتها لغواً فارغاً وتضليلاً سياسياً وخداعاً “.
اهم ما في هذا النص برأيي، أن احد إنجازات مفكري النهضة الأوروبية الفكرية،كانت إنتاج مفهوم جديد للدولة والمجتمع، حيث تم فصل المجال السياسي الذي اصبح هو حيز الدولة، عن المجال الاجتماعي الذي هو حيز المجتمع المدني، ولا يوجد أي أشارة في تلك المرحلة على حد ما اعلم لما يطلق عليه البعض، ( الدولة المدنية ) والمصطلح الذي تم استخدامه وتوظيفه كمفهوم جديد للاجتماع الإنساني كان ( المجتمع المدني ) مقابل ( للمجتمع السياسي ) مع التداخل العملي والتاريخي بينهم، الأمر الثاني وهو لا يقل أهمية عن الأول، وهو إن الشأن السياسي أو المجال السياسي،أو الدولة أصبحت شأن دنيوي، ليس له صفة لاهوتية أو إي سمة من سمات التقديس، التي كانت شائعة في العصر الوسيط.
أما كيفية دخول مفهوم الدولة المدنية، ومضمونه الى الثقافة السياسية العربية، فهو بحد ذاته أمر ملتبس أيضا، ولكن في الغالب قد يكون شيوع هذا المصطلح في النصف الثاني من القرن العشرين، وفي ذلك يقول الكاتب السوري جاد الكريم الجباعي في معرض حديثه عن التلفيقية الفكرية للمعارضة العلمانية السورية وهو حال اغلب العلمانيات العربية “… أدّعي أيضًا أنّ أحزاب المعارضة التقليديّة الشائخة لم تتخلّ عن ” الدولة العلمانية ” إذ ليس من المنطقيّ أن يتخلّى أحدٌ عن شيء لا يملكه أصلاً ــ فليس في فكر الأحزاب التقليديّة الموصوفة بالعلمانيّة وبرامجِها لا فكرةُ الدولة ولا فكرةُ الدولة العلمانيّة، بل لدى كلٍّ منها مشروعُ دولة ” قوميّة ” أو “اشتراكيّة ” أو ” إسلاميّة “، شموليّة لا تمتّ إلى الدولة العلمانيّة بصلة. لقد غابت فكرةُ الدولة الوطنيّة، أي العلمانيّة بالتمام والكمال، عن الثقافة السياسيّة منذ أكثر من نصف قرن، أيْ منذ اغتيال جنين الدولة الوطنيّة الذي كان آخذًا في النموّ بعيْد الاستقلال وبداية ما يسمّيه بعضُ الباحثين ” العهد الليبراليّ… إنّ مصطلح ” الدولة المدنيّة ” الشائع اليوم في خطاب المعارضة السياسيّة هنا وهناك، وفي خطاب بعض المثقفين، هو مصطلحٌ محليّ لا أساسَ له في العلوم السياسيّة والقانونيّة. وقد ابتكره منظّرو الإخوان المسلمين في خمسينيّات القرن الماضي على أنه تعبيرٌ عن “حقيقة الدولة الإسلاميّة،” ويرْجعه بعضُهم إلى “الدولة” التي أقامها النبيّ محمّد في المدينة المنوّرة ووَضع لها ” صحيفةً ” يشبِّهها بعضُهم بالدستور. لكنّ أهمّ ما يدحض هذا المصطلح اليوم أنه من قبيل الأضداد ( التي تحمل المعنى ونقيضه )، إذ يعني به الإسلاميون الدولة الإسلاميّة صراحةً، ويعني به ” العلمانيون” الدولة العلمانيّة مواربةً. وفي اعتقادي أنّ شيوعه ناتجٌ عن جهل أو مكر، فكيف يأمن الناس على مستقبلهم بين الجهل والمكر؟ والمكْر هنا قسمة بين الإسلاميين والعلمانيين، ولعلّ مكر “العلمانيين” أدهى وأمر “.
الثاني: تبني هذا الخطاب الاسلاموي، أليات النظام الديمقراطي من انتخابات وصناديق اقتراع ووجود مؤسسات ديمقراطية او هياكل هذه المؤسسات، دون تبني مضمون هذا النظام أيديولوجيا بشكل واضح ومباشر، وهومقصود بحد ذاته، بهذا الخطاب لان تبني الديمقراطية كفكر وممارسة ” ونظام دولة ” يتناقض مع ألايديولوجيا الدينية السلفية، للأخوان المسلمين، والسلفيين الجدد، الذين يستندان الى ذات المرجعية وهي النص المقدس، ونموذج الخلافة الراشدة للحكم ومفهوم الشورى وأهل الحل والعقد، وغيرها من المفاهيم ذات الطابع الإسلامي التاريخي، التي اضفوا عليها طابع من القداسة، بحيث أصبحت هي التفسير والتطبيق الممكن استنباطه من النص المقدس ” القران والسنة ” بشكل نهائي لا يمكن تغيره او تطويره.
الثالث: كيف يمكن إن يكون شعاري الإسلام هو الحل و والدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية متوافقين مع الفكر السياسي الإسلامي لهم ولتاريخ هذا الفكر السياسي الديني بشكل عام مقابل التمسك بمفاهيم علمانية في مضمونها تشكل قلب الدولة المدنية هذا لو سلمنا معهم باستخدام هذا التعبير أو المفهوم مثل ( الجمهورية و النظام الرئاسي و النظام البرلماني و الملكية الدستورية و دولة القانون و دولة المؤسسات والديمقراطية، وهي إفكار ومؤسسات علمانية لا تمويه بالأمر وهو غير قابل للتمويه.
&اذا الهروب من مفهوم العلمانية هو المقصود بحد ذاته، حتى لدى مفكرين كبار مثل الدكتور محمد عابد الجابري وهو لا ينتمي لهذا التيار، ومحسوب على العلمانية العربية، الذي حاول استبداله، بمفهوم الديمقراطية هوما فعله العديد من المثقفين العرب، هروبا من العبء التاريخي والشيطنة الاعلامية لمفهوم الدولة العلمانية التي مورست عليه، من قبل مؤسسات دول وتيارات وأحزاب الإسلام السياسي في العالم العربي والإسلامي، حتى اصبح مفهوم علماني رديف لمعنى الكفر واللاديني.
وفي ذات السياق يعلم العلمانيين، كما يعلم خصومهم، ان العلمانية قد أثارات الكثير من الصراعات والمعارك الفكرية، والتي امتدت لتتجسد في الواقع، لصراعات دموية حقيقية نتج عنها الكثير من تهم الهرطقة والتكفير، الموجهة من المؤسسات الدينية بمختلف إشكالها ومراتبها، وأديانها، إلى إفراد و مؤسسات ودول وصفت، إنها علمانية في الغرب والشرق.
قد يكون الغرب حسم أمره، في علاقة الدولة بالدين منذ ” صلح فيستفاليا “، وان كان هذا الحسم ليس كما يتصوره البعض، بأنه كان فصل كلي بين الدولة والدين، وحالة عداء وصراع مستمر، بل هو اقرب إلى عودة المؤسسة الدينية لمجالها الخاص، والتزام الدولة باحترام المؤسسة الدينية وعدم التدخل في شؤونها، وهي حالة توافق وانسجام نسبي، يدخل ضمن نطاق مفهوم ” التسامح “، الذي تم تكريسه كقيمة سياسية ودينية، بذات الوقت بين الطرفين. ولان الدولة العلمانية، أصبحت نتاج مشترك لتجارب عشرات الأمم والحضارات، وليس مجرد فكر أو ممارسة أو تجارب مستوردة من الغرب او الشرق، حتى اصبح هناك ( علمانيات ) وليس نموذج علماني واحد شامل ومغلق، أما أن نتبناه كما هو او نرفضه كما هو، فالاقرب للواقع انه، يمكن لدولتنا الوطنية في العالم العربي، أن تخلق نموذجها الخاص، الذي يتناسب مع الثقافة العربية الإسلامية، بشكل يحافظ على كيان الدولة المعاصرة ومؤسساتها، وبذات الوقت يحافظ على احترام المجال الخاص للإسلام، ومؤسساته الدينية، بعيدا عن التسييس و الأدلجة
تأسيسا على ذلك فان السؤال المطروح، لا زال قائما، هل الأردن دولة مدنية اعتقد إن الدولة الأردنية، لا تختلف كثيرا في ظروف نشأتها، عن باقي الدول في المشرق العربي، وذلك بعيد انهيار الخلافة العثمانية، فقد كان ولا زال الشكل الوحيد المتاح، هو( نموذج الدولة القومية بالمفهوم الغربي ) الذي وجد مقابل له، تحت اسم الدولة الوطنية، وهو شكل مستحدث من الدول لا يقابله إشكال الدول السابقة، للدولة القومية الحديثة، مثل الامبراطوريات الرومانية والفارسية والخلافة الإسلامية، أو الدولة المدينة، فكل هذا الأشكال للدولة قد انقرضت بصفتها نماذج تاريخية وانقرض معها مؤسساتها والشرعيات المؤسسة لها.
والدولة الوطنية الأردنية، عانت كما غيرها من دول المشرق العربي، من مشروعية وشرعية التأسيس، وهو نتاج خطيئة اتفاقية سايكس بيكو، وغيرها من الاتفاقات الاستعمارية، التي واكبت تأسيس هذه الدول، ولكن بذات الوقت برزت الى الوجود مفاهيم جديدة، للهوية تختلف عما اعتادته الشعوب والنخب السياسية في المنطقة، من اشكال للانتماء والهوية وهي بدايات ذات صبغة ليبرالية بشكل من الاشكال، و مؤسسات تحاكي الدولة القومية في الغرب، من حيث الشكل على الاقل، حيث اصبح بناء الدولة يتطلب وجود حكومات وبرلمانات ودساتير، وسلطات وقوانين تنظم العلاقة بينهم، وهو ما ادى الى تجاوز، مفاهيم الامة الاسلامية والامة العربية، التي يجب ان تكون في ظلال دولة واحدة، كما كانت تطمح بعض النخب السياسية والفكرية، والتي تنازل اغلبها عن محددات القومي والديني لصالح المتاح والواقعي، وهو الدولة الوطنية التي اصبحت رابط جديد يقوم على ” المواطنة “، والتبعية السياسية والهوياتية للدولة الوطنية، فالمواطن الاردني مثلا اصبح هو كل من يتمتع بجنسية الدولة الاردنية، بغض النظر عن اصله ودينه ولونه ولغته واصبح يحوز حقوق المواطنة كما قررها الدستور والقوانين الحاكمة لمؤسسات الدولة، ولا يغير بالامر كثيرا ان يرد بالدستور نص يقرر ان دين الدولة هو الاسلام، او وجود محاكم شرعية تحكم بين المواطنين في قضايا الاسرة من زواج وطلاق وارث، ويقابلها محاكم ملية لغير المسلمين، فكل ذلك لا يغير طبيعة وحقيقة الدولة، ومؤسساتها والعلاقة بينها وبين مواطنيها، حتى لو كانت الممارسات السياسية والادارية في كثر من الاحيان تبنى، على التفرقة والتميز لاسباب مختلفة، ولكن ذلك لا يقدح في ان الفضاء السياسي للدولة الاردنية، هو فضاء علماني ولو بشكل نسبي وغير مكتمل، او بتعبير اخر احد اشكال العلمنة الغير معادية للاسلام، لا بل المتصالحة معه، باعتباره دين اغلبية السكان، من جانب وباعتباره الارث العقائدي والحضاري للامة.
&وحتى لو كان مفهوم العلمانية مرفوض لا بل محارب من قبل النخب السياسية التي وجدت ظالتها بمفهوم الدولة المدنية لانه كفاها شر الدخول في مواجهات مع تيار الاسلام السياسي وحتى مع شعبها، الا ان الامر قد تحول الى بحالة فصام سياسي، فالكل يريد الديمقراطية، ودولة المؤسسات والقانون، والفصل بين السطات وملكية دستورية وحقوق المواطنة، وان لا يتم خلط الدين بالسياسة، ولكن بذات الوقت يرفضون العلمانية، ما هي العلمانية التي يتجاهلونها او يحاربونها اذا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى