تلك الأيام

سليم حاطوم.. المتهور السوري الأول

في مشهد تكرر مراراً في ستينات القرن الماضي وفي صباح السادس والعشرين من شهر حزيران عام 1967 كان الشيخ صلاح عقلة يلقن قائد كتائب المغاوير السابق الرائد سليم حاطوم الشهادتين قبل تنفيذ حكم الاعدام بحقه الصادر عن المحكمة العسكرية وذلك في حفل الرمي التابع ل سجن المزة العسكري.

قال له: انظر إلى الشرق ماذا ترى؟

فقال له حاطوم أرى مآذن الجامع الأموي.

فقال الشيخ عقلة لقد بقي الجامع الأموي وذهبت أنت.

كان الرائد سليم حاطوم قد اقتحم بآلياته العسكرية وجنوده باب الجامع الأموي وقصف ساحة الجامع بمدافع البازوكا ليفك اعتصاما حصل في الجامع الأموي في بداية العام 1965 احتجاجا على قرارات التأميم التي أقرتها حكومة أمين الحافظ الثانية.

ولد سليم بن ذوقان حاطوم في بلدة دبين جنوبي محافظة السويداء العام 1934 لأسرة فقيرة لكن متعلمة وكان والده يعمل موظفا في الدولة.

حصل حاطوم على الشهادة الثانوية في مدينة حمص عام 1954 وانتسب إلى الكلية الحربية عام 1955 وتخرج منها العام 1957 وعين ضابطا على جبهة الجولان وإثر الوحدة مع مصر نقل إلى مصر وكلف بحراسة إحدى القواعد الجوية، واتبع وقتها دورة قفز مظلي وصاعقة قدر لها أن تلعب فيما بعد دورا كبيرا في صعوده نحو الأعلى وفي مصر تزوج في العام 1960 من المعلمة ناديا أبو الفضل، وبعد الانفصال أعيد مع مجموعة من الضباط في باخرة نقلتهم إلى بيروت ومنها إلى دمشق حيث أعيد تعيينه على جبهة الجولان موقع تل النيرب.

اتصلت به اللجنة العسكرية وتم تكليفه الانطلاق إلى دمشق مع كتيبة المغاوير التي كان ضابطاً فيها فوصلها صباح الثامن من آذار مع الضابط الناصري أسعد الحكيم واستولى على القصر الجمهوري والبرلمان ومحطة الإذاعة والتلفزيون حيث أذاع بصوته أول بيان عسكري للانقلاب، وبعد محاولة الناصريين الفاشلة بقيادة جاسم علوان، انفرد بقيادة كتائب المغاوير حيث أُبعد أسعد الحكيم وضم الرائد سليم حاطوم إلى عضوية اللجنة العسكرية الموسعة.

يقول أكرم الحوراني في مذكراته أن حاطوم اتخذ من مقر الإذاعة والتلفزيون في ساحة الأمويين مقرا له ينام ويأكل فيه ولا يغادره لا في الليل ولا في النهار.

ترددت حينها أقاويل وحكايا عن علاقة له مع نساء من الوسط الفني منهم المطربة الصاعدة من بيئة فقيرة لودي شامية صاحبة الأغنية الشهيرة “بيكلفني خمس قروش. اللي ب يتعدى ع حدودي”.

كان سليم حاطوم يدير وحدة المغاوير التابعة له كإقطاع خاص فيعزل ضباطها ويرقي ويفصل كما يشاء دون أي سند رسمي وقانوني مما جعل سلطته الفردية مطلقة وهيمنته على مغاويره كاملة وهذا ما جعل البعض داخل اللجنة العسكرية ينظر إليه بعين الشك والحذر.

عين حاطوم عضوا في المحكمة التي حاكمت الجاسوس كوهين برئاسة صلاح الضللي وحكمت عليه بالإعدام في العام 1965.

انتخب حاطوم عضوا في القيادة القطرية في آب 1965 والتي حلت من قبل القيادة القومية التي جلبت اللواء محمد عمران وزيرا للدفاع في حكومة صلاح البيطار الأخيرة والذي أصدر قرارا بنقل ثلاثة من مؤيدي اللواء صلاح جديد كان منهم الرائد سليم حاطوم وذلك في 21 شباط 1966 والذي كان السبب في قيام انقلاب 23 شباط حيث اندفعت وحدات المغاوير التابعة ل سليم حاطوم صبيحة ذلك اليوم كالسيل الجارف لتهاجم منزل الفريق أمين الحافظ في حي أبو رمانة، والذي دافع بشجاعة عن بيته واستمرت المعركة إلى ما بعد الظهر مخلفة دمارا هائلا في أكثر الانقلابات دموية وعنفا في تاريخ سورية، وشاركه الهجوم الملازم رفعت الأسد قائد سرايا الدفاع التي تولت الهجوم على مبنى الحرس القومي.

انتخب حاطوم عضوا في القيادة القطرية المؤقتة التي تشكلت في 23 شباط 66 ولكنها اعتبرت غير شرعية فتشكلت قيادة قطرية أصيلة خلت من اسم الرائد سليم حاطوم حيث ألقت القيادة الجديدة اللوم على قائد وحدة المغاوير المتهور بأنه كان وراء دموية الانقلاب وأنه من الأفضل إبعاده عن الصورة.

لكن على ما يبدو كان للصراع على السلطة دور كبير في إبعاد حاطوم من القيادة القطرية حيث شعر كثر داخل النظام الجديد أن أكبر تهديد لهم يأتي من داخل النظام متمثلا ب سليم حاطوم حيث تتمركز قواته غير بعيد عن دمشق وتحيط بعضها بالقصر الجمهوري ومحطة الإذاعة والتلفزيون، وعندما أرسل إلى كوبا لمدة شهر استقبله  قسم كبير من وحداته في مطار المزة العسكري وحملوه على الأكتاف مما كان له أكبر الأثر في قرار التخلص منه ومما سهل لهم المهمة كونه متهوراً ولا يتمتع بدهاء سياسي، حيث تبرم حاطوم من قرار إبعاده عن القيادة القطرية وعن قيادة وحدات المغاوير حيث عاود الاتصال بأعضاء من القيادة القومية التابعة لعفلق وكان منهم منصور الأطرش ونبيل شويري، كما شكل مع اللواء فهد الشاعر لجنة عسكرية مكونة من العقيد إسماعيل هلال والرائد شريف مسعود والنقيب علي ضماد والنقيب سلامة المغوش، ووضعت اللجنة خطة لانقلاب لم ينفذ، وفي شهر آب، قال العقيد مصطفى الحاج علي أن سورية ستشهد تحولات جذرية وهو من المحسوبين على سليم حاطوم الذي شرع في الإعداد لانقلاب آخر لكن على ما يبدو جرت الأمور عكس ما يشتهي حاطوم، حيث تم اكتشافها من السلطات حين دعا قائد القطاع الشمالي في الجبهة العقيد طلال أبو عسلي مجموعة من الضباط إلى حفلة ساهرة تخللها تناول المشروبات الكحولية، وعندما بدأت النشوة والسكر تلعب بالعقول نشب شجار بين أعضاء من تنظيم حاطوم السري وبعض مؤيدي جديد إثر بعض الشتائم بحق جديد وأحيل الجميع إلى لجنة تحقيق برئاسة اللواء سويداني رئيس الأركان، وعضوية حاطوم الذي هدد أعضاء مجموعته اذا نطقوا بأي حرف، وحاول التغطية عليهم لكنه ارتكب خطأ بإبعاد أحد مؤيدي اللواء جديد الذي أحس أن هناك طبخة مسمومة، فشكل لجنة تحقيق كان العقيد عبد الكريم الجندي واحداً منها، فاستعمل الجندي القسوة والعنف إلى أن انهار واعترف الرائد محمد نعيمي على عشرة أعضاء في المؤامرة، وبدورهم اعترفوا على باقي الأعضاء الذين كان منهم مدنيون كمنيف الرزاز ونبيل شويري وصهره منصور الأطرش ابن سلطان الأطرش.

في الثامن من أيلول 1966 قام سليم حاطوم بأكثر خطواته تهورا حيث هاجم اجتماعا عقد في مدينة السويداء كان يحضره صلاح جديد مع رئيس الدولة نور الدين الأتاسي حيث جند طلال أبو عسلي مصطفى الحاج علي إلى جانبه وأقنع الرائد إبراهيم نور الدين قائد سرية الدبابات المتمركزة في بصرى الحرير بقطع الطريق على جديد وأعضاء القيادة لكن خطوة حاطوم، فشلت بعد تدخل مشايخ العقل والرد السريع من وزير الدفاع حافظ الأسد والذي أرسل نفاثات سلاح الجو واللواء سبعين إلى السويداء، وبعد اتصال مع وزير الدفاع فر حاطوم إلى الأردن المعادي لنظام جديد في خطوة أكثر تهوراً واندفاعا، وهناك شن حاطوم هجوما لاذعا على قيادة 23 شباط خصوصا جديد والجندي الذي اتهمه ب العجز الجنسي مما شكل حالة من الحقد والكراهية تجاهه سيحصد حاطوم نتائجها لاحقا.

أصدرت القيادة القطرية بيانا في8/ 9/1966جاء فيه (أن نفراً من المغامرين بقيادة سليم حاطوم قاموا بتدبير مكيدة بمساندة نفر من الذين خانوا النضال الطبقي)

في السابع من آذار 1967 حكمت محكمة عسكرية في قاعة المسرح العسكري برئاسة المقدم مصطفى طلاس على حاطوم بالإعدام. أثناء حرب حزيران 67 وصلت إلى عمان معلومات أن القيادة القطرية ذهبت إلى حمص وأن دمشق خالية من أي سلطة فظن حاطوم أن الطريق أمامه أصبح سالما إلى قمة السلطة، فقرر العودة وبعضٌ ممن كانوا معه من عمان إلى دمشق في أكثر قراراته تهورا، لكنه عندما وصل قرب دمشق شاهد عكس ذلك فقرر العودة إلى عمان لكن كمينا لقوات الأمن مع أفراد من الشرطة العسكرية كانت بانتظاره على مفرق قرية الصورة، حيث ألقي القبض عليه وأرسل إلى محكمة ميدانية برئاسة المقدم طلاس حكمت عليه بالإعدام رمياً بالرصاص في حقل الرماية التابع ل سجن المزة العسكري منهية حياة شخص اعتاد المغامرة وساهم من حيث يدري ولا يدري في وقوف النظام الجديد بعد 8 آذار على قدميه وإيصال الآخرين إلى قمة السلطة

كانت وصيته الأخيرة زوجته وأولاده لينا وخالد الذي توفي بحادث سيارة على طريق الرقة- الطبقة في عام 1981.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى