رأي

في الذكرى الخامسة لرحيل صادق جلال العظم

بعيدًا عن الشعارات والادعاءات الكثيرة والمستهلكة وفارغة المعنى غالبًا، وانطلاقًا من خبرتي الشخصية مع العظم بوصفه أستاذًا جامعيًّا ومفكِّرًا كاتبًا ومحاورًا شفهيًّا، أعتقد أن العظم من المفكرين القلائل الذين يتقبلون النقد والانتقاد بكل رحابة صدرٍ، والذين يعترفون ﺑ “جهلهم” ببساطةٍ، وبدون ظهور علامات الارتباك أو الحرج، وبدون خلقٍ جوٍّ مسرحيٍّ يوحي بأن عدم معرفتهم يمثِّل حدثًا استثنائيًّا مفاجئًا ونادر الحصول.
كان تلقي النقد وتوجيهه هو الممارسة الفكرية الأبرز في كتاباته. لقد كان النقد هو روح فكره. وانطلاقًا من ذلك لم يكتف بالإعلاء من قيمة النقد بأنواعه والسجال فحسب، بل ذهب إلى حد الدفاع عن الحق في الإساءة، مع تشديده على وجود أصول وقواعد للسجال والنقاش النقدي، ينبغي الالتزام بها، وهو ما فعله هو شخصيًّا من وجهة نظري في الاغلبية الساحقة من نصوصه. (له أخطاء واضحة في هذا الشأن وربما كان أحد اوجه نقده لإدوارد سعيد هو أبرزها)
لقد أدهش العظم معظم نقاده ومنتقديه (علي حرب مثلًا) بتفاعله الأكثر من إيجابي مع أشخاصهم وانتقاداتهم، بدون أن يبدو، في سلوكه معهم ونقاشه لهم، أي أثر للانزعاج أو الضغينة أو ما شابه. ربما كانت هذه الخصلة ثانوية الأهمية في نظر كثيرين، لكن من منظوري الشخصي هذه السمة في فكر العظم وشخصيته كانت غايةً في الإيجابيةً وهي ما يفتقر إليها كثيرون ممن يشتغلون في المجال العام. وأنا أتحدث هنا استنادًا إلى خبرةٍ شخصيةٍ مع بعض المفكرين “البارزين” ومن ضمنهم من يصف نفسه بأنه “مفكر عربي كبير” (وهو كذلك بالفعل، من وجهة نظري) ومع مفكر يصفه محبوه بأنه “مفكر سوري/ عربي كبير” (وهو كذلك بالفعل، من وجهة نظري). فأفضل رد فعل لمثل هؤلاء “المفكرين” على نقد نقادهم هو التجاهل أو التفاعل البارد والناشف، أما الأسوأ فقد يهبط إلى مستويات سيئة جدًّا.
ليس نادرًا أن يشير العظم، في كتاباته وأحاديثه، إلى جهله بهذا الأمر أو الميدان أو ذاك، وعجزه لهذا السبب «عن الخوض فيه أو شرحه أو مناقشته». انظر، على سبيل المثال: العظم، ذهنية التحريم. سلمان رشدي وحقيقة الأدب، ط1 1992، (بيروت: دار المدى، ط3 1997)، ص 276 (حيث يشير العظم إلى جهله بتراث الهند وآلهتها وأساطيرها وملاحمها ورموزها وحكاياتها الشعبية، وعجزه بالتالي عن الخوض فيه أو شرحه أو مناقشته.)؛ ما بعد ذهنية التحريم. قراءة “الآيات الشيطانية”، رد وتعقيب، ط1 1997، (بيروت: دار المدى، ط2 2004)، ص 141، 193 (حيث يشير إلى أنه غير مؤهل بالتأكيد لإقامة مقارنة عامة بين رشدي وبريشت، ويعترف بعدم امتلاكه للكفاءة اللازمة لمناقشة أي شيء له علاقة “بالوزن والعاطفة ووالاستعارة والكناية والقافية).
وأذكر، في هذا السياق، أنه خلال تتلمذي على يد العظم، في دبلوم الدراسات العليا في قسم الفلسفة في جامعة دمشق، توَّلّد لدي انطباع مشابه – ومفاجئٌ آنذاك – حينما سألت العظم عن العلاقة بين “الآن” و”الزمان” عند أرسطو، وكانت إجابته الهادئة والواثقة: “لا أعرف، والأمر يتطلب العودة إلى نصوص أرسطو، والتدقيق فيها، للإجابة”. تلقيت الإجابة-اللاإجابة بوصفها حدثًا، إذ لم يكن مألوفًا لي آنذاك أن يعترف أو يقر مفكرٌ، أو أستاذ فلسفةٍ جامعيٌّ ما، بجهله أو بعدم معرفته لأمر فكريٍّ أو فلسفيٍّ ما، ببساطةٍ، وبدون ظهور علامات الارتباك أو الحرج، وبدون خلقٍ جوٍّ مسرحيٍّ يوحي بأن عدم معرفته يمثِّل حدثًا استثنائيًّا مفاجئًا ونادر الحصول. (المقطعان السابقات هما جزء من بحث منشور لي سابقًا عن فكرة النقد عند العظم).
يبين فكر العظم أن الفلسفة (والفكر عمومًا) بدون أيديولوجيا هي (غالبًا) عبثٌ، وتفلسفٌ بالمعنى العامي للكلمة. والأيديولوجيا بدون فلسفةٍ فقيرة أو ضحلة المضمون وضعيفة أو هشة الأسس. أما النقد، فهو يقوم، في الفكر المعاصر، بالدور الذي قام المنطق في الفلسفة الوسيطة؛ فهو آلة الفلسفة ومدخلها، ويمكن إضافة أنه (في) قلبها أيضًا. ومع التشديد على أهمية نقد النقد وتفكيكه وضرورة سبر أو استكشاف آلياتٍ أخرى أو منطقٍ آخر للتعامل مع الفكر والواقع، فإننا نعتقد أن التعامل مع الفلسفة والأيديولوجيا، تعاملًا نقديًّا صارمًا، يمكن أن يساعد على تجنب تحولهما أو تحويلهما إلى فلسفويةٍ وأيديولوجويةٍ، ويسمح بالتالي بالتفاعل الإيجابي والجدلي البناء بين هذين الطرفين. وهذا ما نعتقد أنه قد حصل، جزئيًّا ونسبيًّا، في فكر العظم.
ساتجنب حاليًّا أي تقييم ٍ عامٍّ لفكر العظم، فهذا الأمر يتطلب سياقًا مختلفًا. وقد سبق لي أن كتبت مجموعة أبحاثٍ ونصوصٍ عن فكر العظم (بعضها نُشِر وبعضها لم يُنشر بعد) في إطار مشروع كتابٍ عن (نقد العظم لثالوث التابو: الجنس، الدين، السياسة). وأنوي العودة إلى متابعة المشروع الذي بدأ منذ فترة طويلة نسبيًّا، والانتهاء منه قريبًا، على امل أن تسمح لي الظروف بالانتهاء من الكتاب ونشره في العام القادم.

About Post Author

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى